وزير سعودي اشترى المكان.. لماذا يواجه مسجد النور في جنوب فرنسا جدلاً عنيفاً؟

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

يتوارى مسجد النور بضواحي إحدى المدن بجنوب فرنسا في إحدى الأماكن خلف المطار وبعيداً عن الطريق السريع. ولا يوجد أي ملمح يشير إلى هويته أو لافتة تدل على مدخله.

ومع ذلك، يعرف العديدون كيفية الوصول إليه ويتمنى آخرون إزالته من هذا المكان. ومنذ افتتاحه في يونيو/حزيران، قام السكان المجاورون في مناسبتين بترك رؤوس الخنازير المذبوحة خارج المسجد لإهانة المسلمين.

وبعد ذلك بوقت قصير، استأنفت السلطات المحلية إجراءاتها لإغلاق المسجد ومنع افتتاحه بعد 15 عاماً من المحاولات المخفقة، بحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.


رمز لخطورة موقف المسلمين في البلاد


وقد أصبح دار العبادة المتواضع والأكبر مساحة في هذه المنطقة رمزاً لخطورة الموقف الذي يتعرض له المسلمون الفرنسيون، الذين يمثلون أكبر أقلية في المجتمع الذي لا يزال يعاني من العمليات الإرهابية ويوشك على إجراء انتخابات رئاسية فاصلة. فإذا تم إغلاق المسجد عنوة، سيكون ذلك بمثابة اعتداء سافر من قبل الدولة على مواطني عقيدة معينة وانتهاك وعود الدولة العلمانية بعدم التمييز بين المواطنين على أساس العرق أو الديانة.

ومع ذلك، بعد انقضاء 6 شهور من افتتاح المسجد، فإن إمكانية إغلاقه عنوة أصبحت واقعاً. فقد أعلن كريستيان إستروزي، رئيس الإقليم الإداري الذي يضم مدينة نيس، خلال الأسبوع الماضي أنه سيقدم احتجاجاً قانونياً آخر على إقامة المسجد، الذي يفضل إستروزي تحويله إلى مركز للرعاية اليومية.

ويرى المواطنون – من المسلمين وغيرهم على حد سواء – أن تناول هذه القضية في الجنوب الفرنسي المشمس بمثابة مفاجأة. ورغم شهرة المنطقة بكونها مقصداً لمشاهير هوليوود ورجال المال الروس، تعد كوت دازور ذات المناظر الخلابة بين أكثر المناطق الحدودية حساسيةً في الحروب الثقافية المستمرة لفرنسا.

وهنا استقر العديد من المستعمرين الفرنسيين وأبنائهم في النهاية بعد حرب الاستقلال الجزائرية الدموية في أوائل الستينيات من القرن الماضي. وتدعم نسبة كبيرة منهم حالياً الجبهة الوطنية للحزب الشعبي اليميني، أي ما يعادل 40% تقريباً، بحسب البيانات الصادرة عن الانتخابات الإقليمية الأخيرة.

وهنا أيضاً اختار العديد من مسلمي شمال إفريقيا الاستقرار حينما وصلوا إلى فرنسا خلال العقود اللاحقة، سعياً وراء الفرص الاقتصادية.

ولا يزال الاستياء بالغ الحدة، ولم يكن بناء أكبر مسجد بالمنطقة – حتى بعد أكثر من 50 عاماً من وصول تلك الجاليات – بالأمر اليسير.

ولم يكن بالفعل أمراً يسيراً خاصة بعد الاعتداء الإرهابي الذي وقع بمدينة نيس في يوليو/تموز، حينما قاد مواطن تونسي – اعتبره تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) أحد "جنوده" – شاحنة مستأجرة وسط الجموع المحتشدة للاحتفال بالعيد الوطني لفرنسا وأودى بحياة 86 شخصاً وأصاب مئات آخرين.

وقد تم افتتاح مسجد النور قبل الاعتداء الإرهابي بشهر واحد فقط؛ ومع ذلك، بدأ عدد متنامٍ من المواطنين يعتبرون فكرة وجود مسجد كبير – خاصة المسجد الذي أنشئ داخل مبنى قام وزير الشؤون الإسلامية السعودي بشرائه – دليلاً إضافياً على عدم التوافق بين الجمهورية الفرنسية وثاني أكبر الديانات بها من حيث عدد أتباعها.

وذكر إستروني فيما بعد: "لا يمكننا الزعم بانتشار العلمانية في كل مكان، ثم نقول في ذات الوقت إن الإسلام والديمقراطية متوافقان تماماً".

ومع ذلك، سرعان ما انهار هذا المفهوم في نيس عقب الاعتداء. وكانت أول ضحية لاعتداء عيد الباستيل هي فاطمة شاريها، المسلمة التقية البالغة من العمر 62 عاماً وعضوة مسجد النور.

فقد التزمت بالحضور من بروميناد ديزانجليه للاحتفال بعيدها الوطني مع زوجها وابنها الأكبر وبعض أحفادها.

وذكرت ابنتها حنان البالغة من العمر 27 عاماً: "قالت أمي لأبناء شقيقي: سنذهب ونشتري بعض الآيس كريم. ولكنها لم تتمكن من شرائه".

وفي إحدى محادثاتها الأخيرة مع والدتها قبل ليلة مصرع فاطمة شاريهي، تذكرت حنان، التي تقيم بضواحي باريس مع زوجها وابنيها – مدى سعادتها بالحديث عن تفاصيل مسجد نيس الجديد – الكائن بأحد الحدائق بعيداً عن وسط المدينة.

وبعد الإقامة بالمدينة المطلة على البحر المتوسط منذ عام 1983، لم يكن أمام فاطمة أي خيار سوى التعبّد مع أبنائها على مدار عقود داخل مجموعة من قاعات الصلاة الصغيرة، بحسب ما ذكرته ابنتها. وقبل إنشاء مسجد النور، لم يكن هناك مسجد كبير يجمع المسلمين في نيس خلال العطلات والمناسبات الدينية.

وقالت حنان: "أخبرتني بأن ذلك أمر رائع، وهناك إضاءة قوية للغاية".

ومنذ ذلك الحين، قامت بالمشاركة في تأليف كتاب عن والدتها بعنوان "وطني الأم" بالإنكليزية – وصدر ذلك الكتاب في الأسبوع الماضي.

وذكر محمود بنزاميا، إمام مسجد النور، أن الشعور بالفخر بذلك المسجد هو السبب وراء قضائه الـ15 عاماً الماضية في صراع من أجل الحصول على حق افتتاح المسجد.

وقال: "إنه من أجل كرامتنا. ويتساءل الصغار: لماذا يحظى الآخرين بكنائس ودور عبادة؟ وليس لدينا أماكن عبادة خاصة بنا".

وأضاف مشيراً إلى بدايات المسجد الذي يظل خاوياً بالفعل: "من المفترض أن يصبح ذلك مكاناً يمنح الشعور بالرضا ويجعل المسلمون يشعرون بالفخر والامتنان".


وزير الأوقاف السعودي اشترى المكان


ومع ذلك، فرغم هذه الرسالة الهامة، إلا أن مسجد النور يعد مشروعاً متواضعاً. ولا سبيل للتعرف على تواجده بهذا المكان ولا يوجد اسم له. ويمكن أن يبدو مثل عيادات الطبيب أو شركات السياحة والسفريات.

ومع ذلك، فالجانب الجمالي له مزاياه. وقد ذكر بنزاميا قائلاً: "هناك الواقع الذي لا مفر منه في العالم الخارجي".

وأضاف: "لن يقبل المواطنون الفرنسيون بسهولة وجود دار عبادة وسط المدينة. ولذا نفضل أن نكون خارج المدينة".

ويمكن أن تؤكد حنان ذلك. وحينما ذهبت وأسرتها لترك الزهور على مقبرة أمها في بروميناد ديزانجليه، قالت إن هناك رجلاً ظل يقاطعهم حتى بعد أن أخبروه بأنهم فقدوا أمهم خلال الاعتداء الإرهابي. وتذكر أن الرجل قال: "ذلك رائع. انخفض عددكم بواحد".

وأوضح أن السبب وراء قيام وزير الشؤون الإسلامية السعودي الشيخ صالح بن عبدالعزيز بشراء هذا المكان يتمثل في أن الجالية الإسلامية لا تستطيع بمفردها سوى شراء مجموعة من الشقق وتحويلها إلى دار للعبادة. وقال إن بقية البنود قد تم تمويلها من قبل المصلين بالمسجد.

ورداً على تأكيد إستروزي بأن مكتبه لا يزال "يتلقى تساؤلات حول مصدر تمويل دار العبادة الذي لا يزال مالكه هو وزير الشؤون الإسلامية السعودي"، قال بنزاميا إن عبدالعزيز أو غيره لم يطالبونه مطلقاً بتدريس أية مواد بعينها. وقال إن إقامة الصلوات تتم باللغتين العربية والفرنسية.

وأضاف "إننا في فرنسا ونحترم قوانينها".

ولم يرد إستروزي على طلبات التعقيب المتكررة من قبل صحيفة "واشنطن بوست".

وقد أعلن رئيس الشرطة المحلية، أدولف كولرات، بالفعل خلال الصيف أن مسجد النور "لا يعتمد على أي نفوذ أجنبي"، ومنحه حق الافتتاح في دولة بدأت في تضييق الخناق على المساجد التي تحصل على تمويل أجنبي كوسيلة لمكافحة الإرهاب.

وحينما حان وقت إقامة جنازة والدتها، أصرت حنان شاريهي على تشييعها من مسجد النور. وفي ذلك المسجد، قامت حنان وأسرتها بصلاة الجنازة.

وقالت: "كان الأمر مهم لأنها كانت تحب هذا المكان. وكان ذلك آخر شيء يمكننا تقديمه لها".

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.