الدولة أصابت به الملايين من مواطنيها قبل 40 عاماً!.. خطة مصرية لمحاربة التهاب الكبد سي

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

عندما أطلقت مصر برنامجاً طبياً ضخماً في سبعينيات القرن الماضي، كانت النية هي معالجة الناس الذين يعانون الشستوسوما، أو البلهارسيا، وهي مرض طفيلي انتشر انتشاراً واسعاً في الدولة العربية. ولكنَّ الخطة خلقت دون قصدٍ كارثةً صحية أخرى.

إذ أدَّى استخدام إبرٍ غير مُعقَّمة في حقن ملايين القرويين في أنحاء البلاد إلى تفشِّي وبائي لالتهاب الكبد سي، وهو مرض ينتقل بالدم يمكنه أن يؤذي الكبد ويؤدِّي إلى عواقب قاتلة مثل تليُّف الكبد والسرطان. كان هذا هو حجم العدوى لدرجة أنَّ مصر لديها أحد أعلى معدلات الإصابة بالتهاب الكبد سي، إذ يعاني حوالي 7% من عدد سُكَّانها البالغ 90 مليوناً من الفيروس، بحسب ما ذكرت صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية.

لكنَّ الأدوية المتطوِّرة، التي توفَّرت في ظل برنامجٍ علاجي حكومي -الأول من نوعه في العالم- تعِد بشفاء مليون مصاب بالمرض وبتخفيف العبء الواقع على نظام الصحة العمومي المتداعي والاقتصاد الراكد.

تقول فاطمة حامد في أحد المستشفيات الحكومية في قلب القاهرة العتيق: "قبل أن أتلقَّى العلاج، كنتُ خاملة تماماً، ونائمة معظم الوقت وعاجزة عن بذل أي جهد. أمَّا الآن فأتمتَّع بالمزيد من الطاقة وأنهض وأطهو لأسرتي".

شُخِّصت ربة المنزل بالمرض منذ 13 عاماً وكانت في المستشفى لتعرض على الأطباء نتائج تحليل الدم الأخير الذي خضعت له والذي كشف عن شفائها من فيروس التهاب الكبد الوبائي سي.

لكنَّ الأغلبية العُظمى من الـ5 أو الـ6 ملايين مصري الحاملين للفيروس غير واعيين بمرضهم؛ لأنَّ الأعراض الحادة لا تظهر سوى بعد سنواتٍ من الإصابة بالعدوى.


بداية برنامج العلاج


منذ بداية البرنامج منذ عامين، عُولج مليون مريض بالتهاب الكبد سي تقريباً، ومعظمهم على نفقة الدولة، ويقول الخبراء إنَّ البرنامج قد يكون نموذجاً تحتذي به بقية العالم. يموت حول العالم حوالي 700 ألف شخص سنوياً بسبب أمراض الكبد المرتبطة بالتهاب الكبد سي، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية.

يقول تشارلز جور، رئيس تحالف التهاب الكبد العالمي، وهي منظمة يقودها المرضى: "نحن متحمسون لأنَّ ما كنا نحتاجه حقّاً هو أن تقول دولةٌ بطلة (يمكننا أن نفعلها)، لدينا أعداد كبيرة جداً من حالات العدوى على المستوى العالمي، لذا نحتاج حقاً إلى أن نعرف كيفية فعل هذا. ومصر تقدِّم اختباراً ميدانياً رائعاً".

كان الدواء الأول الذي استُخدِم في البرنامج هو "سوفالدي"، الذي طوَّرته مجموعة Gilead Science، ومقرَّها كاليفوريا، وأقرَّته هيئة الغذاء والدواء الأميركية عام 2013. عقد مسؤولو الصحة المصريون صفقةً عام 2014 مع جيلياد لشراء جرعة "كورس" الدواء الذي مدته ثلاثة أشهر مقابل 900 دولار، وهو خصم هائل مقارنةً بالسعر المفروض في الولايات المتحدة وهو 84 ألف دولار.

يقول وحيد دوس، رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، إنَّ جيلياد وافقت على تقديم الدواء بثمنٍ رخيص لأنَّها تعرف أن عدد المرضى المصريين كبير جداً. وقد ضمن النظام الذي فعَّله مسؤولو الصحة المصريين عدم تسريب الدواء لأسواقٍ أخرى.

لقد قدَّمت شركات أدوية عالمية مؤخراً عدة علاجات أخرى لفيروس الكبد سي، رغم أنَّ البرنامج المصري صار يعتمد على إصدارات محلية الصنع أرخص كثيراً، إذ يبلغ ثمن جرعة العلاج التي مدتها ثلاثة أشهر 80 دولاراً فقط.

لقد أتاحت إمكانية الحصول على الأدوية وتكلفتها المنخفضة في مصر فرصة للسياحة الطبية فيها. لقد بدأت إحدى الشركات، وهي Tour n' Cure، تسويق رحلاتٍ إلى مصر للمصابين بالتهاب الكبد سي في كلٍّ من المملكة المتحدة وإسبانيا وإيطاليا، جامعةً بين العلاج وبرنامجٍ لزيارة المواقع الأثرية.

يقول دوس إنَّ التحدِّي الآن هو اكتشاف ملايين المصريين المصابين دون أن يعرفوا. ويضيف: "بعد سنوات من ملاحقة الناس إيانا كي نعالجهم، علينا الآن أن نلاحقهم نحن كي نشخِّصهم".


150 ألف إصابة جديدة كل عام


لقد بدأ برنامج فحص في المستشفيات والجامعات لكنَّه لم يجمع أي زخمٍ بعد. توجد 150 ألف إصابة جديدة كل عام، تتسبَّب في معظمها المعايير السيئة في النظام الصحي كما يقول الخبراء.

تقول منال حمدي السيد، التي ترأس برنامجاً للوقاية، إنَّه توجد مشكلة أخرى وهي حَمل المرضى على العودة من أجل الخضوع لتحليلٍ بعد 12 أسبوعاً من علاجهم للتأكُّد من شفائهم. للأدوية المتاحة معدِّل شفاء عالٍ هو 90 إلى 95%، لكن لا يعود سوى نصف المرضى من أجل الخضوع لتحليل الدم. يعني ذلك أنَّ بعض الناس ربما لا يزالون مصابين بالفيروس دون أن يعرفوا.

تراقب دولٌ أخرى الآن التجربة المصرية. فتقول منال السيد: "نساعد أطباءَ من جورجيا ومن الدول العربية عبر عرض تجربتنا أمامهم. جاء أطباء جورجيا وحصلوا على تدريبٍ على نموذجنا، وطوَّروا برنامجاً مبنياً على برنامجنا، وهو يعمل على أفضل وجهٍ بالفعل".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا

.