من بينها شيشة متصلة بالإنترنت وولاعة ذكية.. بيروت تجذب اهتمام رواد التقنية حول العالم

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

يُعَد من أكثر المشاهد ألفةً في الشرق الأوسط أن يجتمع مواطنون محليون على المقاهي، يدخنون الشيشة، ويتناولون قهوةً قويةً كفيلة بإيقاع حصانٍ عربي.

لكن في بيروت، عاصمة لبنان، تأتي هذه التسالي التقليدية بلمسةٍ عالية التقنية.

ليست بيروت مدينةً عصريةً وشابّة كأية مدينة غربية فقط، بل لقد امتدت التقنية اللبنانية الآن إلى تغيير طبيعة الشيشة أيضاً، بحسب ما ذكر تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية BBC.

أن تنعم بنكهة التبغ المثالية من الشيشة، وفي درجة الحرارة المناسبة، فهذا هو المبتغى من الشيشة. لكن شركة "نارة" الناشئة تقدَّم حلاً لهذه المعادلة باستخدام أول شيشة تتبع خصائص تقنية "إنترنت الأشياء" (وهي دمج التقنية والإنترنت بأغراض الحياة اليومية).

تتصل أقراص الفحم المضغوط سريع الاشتعال ببطارية عالية الطاقة، وأجهزة استشعار متّصلة بالإنترنت، لقياس تدفق الهواء، والرطوبة، ودرجة الحرارة، وهي عناصر حيوية للحصول على تدخينٍ مثالي.

وتبذل شركة نارة كل ما بوسعها للحفاظ على توازن كُل العناصر في وعاء الشيشة. ويمكن لمالكي المقاهي أن يستخدموا البيانات التي يجمعونها لإعداد مزيجٍ خاص للزبائن المتكررين.

ومع استمتاع أكثر من 500 مليون شخص في المنطقة العربية بتدخين الشيشة يومياً، تُعتَبَر تلك واحدة فقط من عدة ابتكارات تبدأ الشركات الناشئة في بيروت في تقديمها.

s


المراهق الأعجوبة


وُلدَت "نارة" من بنات أفكار فادي إسحاق، وجو زغزغي، ومارك حيدر المولودين ببيروت، وأصبح الأخير الآن رائد أعمال واسع النجاح في الولايات المتحدة.

لكن بداية حيدر في الحياة لم تكن مبشرةً بالنجاح.

نشأ حيدر في منطقة لاجئين "مختلطة" يسكنها البدو، والفلسطينيون، وأعراق نازحة أخرى. وصنع حيدر منتجه الأول، وهو كرسيّ ذكي، في عمر السابعة عشرة، ودون استخدام الكهرباء.

غادر حيدر اللامع والطموح بيروت عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره. وحصل على تأشيرة دخول الولايات المتحدة بعد أربعة أيام، بعد أن سَحر من أجرى معه المقابلة قائلاً إنَّه تعلّم الإنكليزية بمشاهدة "أهم برنامجين وثائقيين عن أميركا": مسلسلي "The Simpsons" و"Seinfeld".


ثمن الطعام 300 دولار


كانت بداية الحرب عام 2006 سبباً في مغادرة حيدر السريعة للبلاد.

أمره والده بالرحيل عن بيروت، وأعطى ابنه مدّخرات العائلة، التي بلغت 2200 دولار، طالباً منه ترك 300 دولار فقط منها "ثمناً للطعام".

انتهز حيدر الفرصة، واستطاع الوصول للحدود، وسافر مثل الكثير من اللاجئين بعده عبر سوريا، وتركيا، وألمانيا، قبل الطيران أخيراً إلى الولايات المتحدة، والعمل بمحطة وقود في مدينة ديترويت.

كانت بقية قصته تمثيلاً حياً لتحقق الحلم الأميركي. تتضمن الشركات التي أنشأها حيدر شركة "Silvr"، وهي شركة لخدمات الدفع، وشركة "Dialexa" لتطوير التقنيات والمنتجات.


دخّن أقل، وتعلّم أكثر


بينما استثمر حيدر في شركةٍ ناشئة ببيروت من مهجره خارج لبنان، بدأت عدة شركات أخرى مسيرتها في المدينة نفسها. ويبدو أن التدخين يمثّل موضوعاً رئيسياً بينها.

أسّس سامر الغارب شركة "Slighter"، التي تقدم ولَّاعةً ذكية تساعد المدخّنين على الإقلاع تدريجياً. تسجِّل الولَّاعة عادات التدخين الخاصة بالمستخدم خلال الأسبوع الأول لاستخدامها، ثم ترسل لهم إشعاراً بعدد المرات المسموح لهم بالتدخين فيها، وهي واحدة من عدة خطوات حتى الإقلاع عن التدخين بالكامل.

ومن الشركات اللبنانية الناشئة (غير المتعلقة بالتدخين) شركة "Play My Way"، وهي طريقة تعليمية لمنع الأطفال من قضاء الكثير من الوقت على الهواتف الذكية وأجهزة التابلت.

فعلى فتراتٍ زمنية يحددها الأهل، يقاطع "Play My Way" التطبيق الذي يستخدمه الطفل ليسأله سؤالاً تعليمياً، ويسمح بالعودة للتطبيق فقط عند الإجابة عن السؤال.

ويبدو أن التطبيق حاز على اهتمام عالمي، فكان في المركز الثالث لأكثر التطبيقات تحميلاً، وليس في لبنان، بل في المملكة المتحدة.

y


مؤثر


بدأ لاعبون آخرون من المشهد التقني العالمي بتوجيه اهتمامهم إلى بيروت.

ومنذ شهرين، زارها ستيف وازنياك، أحد مؤسسي شركة آبل، للمرة الأولى. وكان المتحدث الرئيسي في مؤتمر "Accelerate" الذي أقامه بنك لبنان (BDL) في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وهو على قائمة أهم 10 مؤتمرات متعلقة بالتقنية في العالم. وخاطب طوني فاضل أيضاً، مبتكر الآيفون والآيباد، الحضور الذي فاق 25 ألف شخص.

وكان سامر كرم، منظّم الحدث، مصوّراً صحفياً في لبنان بالأساس، وتضمَّن عمله تغطية جميع الأحداث المروعة التي عصفت بالمنطقة في بداية القرن الواحد والعشرين. والآن ربما يكون كرم أكثر الأشخاص تأثيراً في مجال التقنية بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA).

وفي عام 2010، جمع كرم أكثر من 700 ألف دولار لتأسيس "Seeqnce"، وهو أحد أول البرامج الداعمة للشركات الناشئة، وجمعت الدفعة الأولى من الشركات الناشئة الخارجة من تحت مظلته أكثر من 10 ملايين دولار.

يقدّم كرم نصائح منتظمة لبنك لبنان المركزي بشأن أفضل الطرق لاستثمار رأس المال، وكان عضواً في اللجنة التوجيهية المؤسسة لصندوق تمويل الشركات الناشئة في لبنان بميزانية 600 مليون دولار، وهو الصندوق المعروف باسم "BDL Circular 331".

y


مدخل إلى التقنية


شهد قطاع التقنية اللبناني نمواً ملحوظاً بين عامي 2009 و2014، ما يُدعى بـ"صعود الشباب".

وأصبح باستطاعة الشباب الموهوبين تأسيس شركات في بلادهم، بدلاً من الاضطرار للسفر إلى الخارج مثلما فعل كثيرون. إذ يعيش 15 مليون لبناني في بلادٍ أخرى، من البرازيل وحتى ميلبورن.

وخلقت إقامة مؤسسات لحضانة ودعم الأفكار الناشئة، مثل المركز البريطاني اللبناني التقني "UK Lebanon Tech Hub"، وهي مبادرة بين بنك لبنان المركزي والحكومة البريطانية، فرصاً للعمل، وأرباحاً، واستثمارات لصالح الشركات الناشئة.

ويقول كولم رايلي، الرئيس التنفيذي للمركز البريطاني اللبناني التقني: "رأينا قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات يقطع أشواطاً بالفعل حتى الآن، وتم ذلك بفضل عوامل محفزة مثل صندوق التمويل Circular 331. ونرى إمكانية هائلة للأبحاث والتطوير في البيئة الأكاديمية هنا، وإذا تمكّنا من النجاح ، قد يصبح لبنان مدخل الشرق الأوسط إلى التقنية".

ومع أن لا شيء مؤكداً في بيروت، يمكن على الأقل إيجاد دخان الشيشة المثالي بسهولة، وبفضل التكنولوجيا.

- هذا الموضوع مترجم عن هيئة الإذاعة البريطانية BBC، للاطلاع على الموضوع الأصلي، اضغط هنا.