ملايين النازحين و500 ألف قتيل.. هل ستنجح محادثات السلام الجديدة في إنهاء معاناة سوريا؟

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

تجتمع هذا الأسبوع الأطراف الرئيسية في الحرب الأهلية الوحشية بسوريا، والممتدة لقرابة 6 سنوات، في العاصمة الكازاخستانية أستانة، للمشاركة في جولةٍ جديدةٍ من محادثات السلام.

وتعد هذه هي المحاولة الأخيرة لنقل الصراع السوري من أرض المعركة إلى طاولة المفاوضات، وتنظمها روسيا وتركيا بدعمٍ إيراني، بحسب ما ذكرت الغارديان البريطانية.

حصد الصراع في سوريا أرواح قرابة النصف مليون شخص، وتسبَّب في نزوح نصف سكان البلاد، والمقدر عددهم قُبيل الحرب بـ22 مليون نسمة. ولم تنجح المساعي السابقة لوقف القتال في الوصول إلى مسعاها، إذ أعاقها فقدان الثقة، أو غياب الرغبة الحقيقية في التصالح، وغياب العناصر المؤثرة على الساحة السورية وداعميها في الخارج.

تأتي هذه المحاولات الأخيرة بعد انقلاب موازين القوى على الأرض في سوريا، وهو ما أدى إلى فتح مجالٍ للحوار. وحصل اللقاء على دعم القوى العالمية التي أسهمت أموالها وأسلحتها في تغيير مسار الحرب. وجاء ذلك في أعقاب وقف إطلاق النار الذي حدَّ من شدة الاقتتال في معظم أنحاء البلاد منذ أواخر ديسمبر/كانون الأول، وهو الأمر الذي ساعد في بناء الثقة بين مختلف الأطراف.

لكن لم تتم دعوة عددٍ من الأطراف المهمة للمشاركة في المحادثات، بينما رفض البعض الآخر دعوات المشاركة. كما يسود بعض التوتر حول مسألة الأطراف التي ينبغي أن تشارك في هذه المحادثات.

والأمر الذي من المُرجَّح أن يتوافق عليه الجميع هو، حتى وإن سارت المحادثات على ما يرام، فإن نتائجها ستكون بمثابة خطواتٍ أولية بسيطة نحو إنهاء هذا الصراع شديد التعقيد.

y


لماذا الآن؟


في أواخر العام الماضي، خسرت المعارضة السورية سيطرتها على مدينة حلب، آخر معاقلها الرئيسية في المدن. كانت حلب بمثابة المركز الثقافي والاقتصادي لسوريا قُبيل الحرب، وكانت منقسمةً بين الحكومة والمعارضة بحدودٍ لم تتغير تقريباً منذ عام 2012.

قامت القوات الموالية للرئيس بشار الأسد بكسر حالة الجمود هذه، وفرضت حصاراً قاسياً على المدينة، تخللته شهورٌ من القصف الجوي للطائرات الروسية والسورية، والتي عادةً ما كانت تُصيب أهدافاً مدنية مثل المستشفيات والأسواق، وتلاه هجومٌ بري في النهاية بواسطة جنود الميليشيات التي تدعمها إيران في نهاية العام المُنقضي.

وشكل هذا دَفعةً قويةً للأسد، الذي كان على بُعد أسابيع من فقدان سيطرته على دمشق وسوريا بأكملها عام 2015. أما القوى العالمية التي دعمت المعارضة، وكانت تُطالب في وقتٍ ما بعزله كشرطٍ لإحلال السلام؛ تقبَّلت فكرة أن هذا الشرط لم يعد مطلباً سياسياً منطقياً.

وجاء انتخاب دونالد ترامب كرئيسٍ للولايات المتحدة الأميركية ليقلِّل من فرص نجاح المعارضة أكثر فأكثر. إذ إن سلفه في المنصب، باراك أوباما، ندَّد بتصرفات الأسد، وكان يقدم الدعم العسكري والسياسي لـ"المعارضة السورية المعتدلة".

أما الرئيس ترامب، فقد أتى حديثه على النقيض من ذلك، إذ أعلن أن هدفه الرئيسي في سوريا هو محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، كما تحدث عن التعاون الوثيق مع روسيا لتحقيق ذلك.

وفي الوقت نفسه، فإن أنصار الأسد، وتحديداً روسيا، قد تزايد قلقهم بشأن التكاليف المادية والسياسية لحملتهم الدموية. فموسكو تريد التركيز على قتال داعش، وهي الآن أكثر استعداداً لدراسة الحلول الوسط بشأن مستقبل سوريا بعد ترسيخ دعائم حكم الأسد.

أما تركيا، أحد الداعمين الرئيسيين لجماعات المعارضة، فتبدو هي الأخرى على استعدادٍ لالتماس طريقها نحو اتفاقيةٍ للسلام في سوريا. فأنقرة الآن في خضم فترة تقارب مع روسيا، ويبدو أنها بدأت تتقبل فكرة بقاء الأسد، بينما ينصب تركيزها الآن على الحد من وصول الاضطرابات السورية إلى داخل أراضيها.

تستقبل تركيا الآن حوالي 2.8 مليون لاجئ سوري، وهو ما يشكل ضغطاً متزايداً على مواردها المالية. كما أصبحت تركيا هدفاً متزايداً لهجمات تنظيم داعش، مثل حادث إطلاق النار في ملهى ليلي بإسطنبول عشية رأس السنة الجديدة، وهو الأمر الذي يبث الرعب في قلوب الأتراك، ويضر بمجال السياحة ككل.


من سيشارك في المحادثات؟


ستضم المحادثات مسؤولين من حكومة الأسد، وبعض مجموعات المعارضة المدعومة من تركيا، التي تحارب النظام السوري تحت شعار الجيش السوري الحر، وكذلك ستضم المحادثات بعض القوى الأجنبية التي لعبت أدواراً رئيسية في الصراع.

في الواقع، كانت هذه المحادثات بدعوةٍ من روسيا وتركيا، اللتين لديهما الآن مصلحةٌ مشتركة في إنهاء، أو على الأقل احتواء، العنف في سوريا. وتدعم إيران، الداعم الرئيسي الآخر لبشار الأسد ، هي الأخرى المحادثات، وستبعث بوفدٍ للمشاركة فيها.

وعشية تنصيب ترامب، وسَّعت موسكو نطاق المشاركين في اللحظة الأخيرة، ووجَّهت دعوةً للمسؤولين الأميركيين للانضمام إلى الاجتماع، لكنَّ ليس من الواضح ما إذا كان قد تم قبول تلك الدعوة. وعارضت إيران دعوة الولايات المتحدة، قائلةً إنَّها لعبت دوراً "مُدمِّراً" في الصراع السوري.


من سيغيب عن المحادثات؟


على الرغم من ثقل وزن الوفود التي ستشارك من موسكو، وأنقرة، ودمشق، فإن العديد من الأطراف الرئيسية في الصراع السوري لن تتواجد في أستانة.

لعل أبرز تلك الأطراف هو تنظيم داعش. إذ لم يُدعَ التنظيم أبداً، ولم يُتوقَّع كذلك حضوره، لكنَّ غيابه يُعَد بمثابة تذكرة بأنَّ أي اتفاقٍ لإحلال السلام في أغلبية مناطق سوريا لن يعني نهايةً للحرب في البلد الذي مزَّقه وأفقره الصراع المُمتد منذ 6 سنوات.

ربما يكون تنظيم داعش في حالة تراجُع حالياً بعد عامين من الغارات الجوية التي تقودها الولايات المتحدة، وربما تراجعت رقعة الأرض التي يسيطر عليها على يد تحالفٍ واسع من المقاتلين المحليين، لكنَّه لم يصبح قوةً مُنهَكةً بعد.

فداعش يمتلك مقاتلين متمرِّسين على القتال، وبراعةً تكنولوجية، ودخلاً ثابتاً يحصل عليه من مبيعات الطاقة إلى عدوه المزعوم، الأسد. وتُظهِر إعادة سيطرته الأخيرة على مدينة تدمر التاريخية، بعد أشهرٍ قليلة فقط من الاحتفال العلني بتحريرها من قِبَل القوات الروسية، أنَّ التنظيم لا يزال قادراً على أن يكون خصماً صعباً في ساحة القتال.

وسيغيب عن المشاركة في أستانة كذلك اثنان من أكبر جماعات المعارضة، المتشدِّدون الإسلامويون في حركة أحرار الشام، والفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا، جبهة فتح الشام، التي تسيطر على أجزاءٍ واسعةٍ من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

لم توجَّه الدعوة إلى جبهة فتح الشام، وبعد أن استنكرت قيادتها محادثات أستانة، واصفةً إيَّاها بـ"المؤامرة"، قالت حركة أحرار الشام، وهي حليفةٌ لفتح الشام في بعض الأحيان، إنَّها لن تشارك كذلك. وقالت حركة أحرار الشام إنَّ قرارها كان يعود جزئياً إلى النشاطات العسكرية الروسية والسورية المتواصلة، لكن أيضاً لأنَّها لم ترغب في عَزل حركة فتح الشام.

وتغيب القوى الكردية هي الأخرى عن الاجتماع، بناءً على إيعازٍ من تركيا فيما يبدو، حتَّى مع أنَّها ذات أهميةٍ كبيرة في المعركة ضد داعش. وكانت قواتها من بين أوائل من أوقفوا التمدُّد العسكري للتنظيم في معركة مدينة عين العرب (كوباني) نهاية عام 2014. وكانت كذلك جزءاً محورياً من التحالف الذي يتقدم باتجاه الرقة، العاصمة المزعومة لتنظيم داعش، بمساعدة الغارات الجوية الأميركية.

ولا يُتوقَّع حضور الداعمين الأجانب للمعارضة في أستانة. وأفادت تقارير بأنَّ نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، قال الأسبوع الماضي إنَّ الحضور السعودي والقطري سيُدرَس فقط بعد أن يتوقف دعمهما للإرهاب.


لماذا كازاخستان؟


عُقِدَت الجولات السابقة من محادثات السلام في جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة. وكانت فاشلةً بصورةٍ واضحة، ونتج عنها فقط قليلٌ من الوعود الإضافية المبهمة التي يسهل التخلّي عنها، وعدة اتفاقيات لوقف إطلاق النار انهارت بشكلٍ سريع.

ويعكس هذا المكان الجديد، أستانة كلاً من التغيُّر في القوى التي تحاول التوسُّط في المحادثات، والآمال في بدايةٍ جديدة للجهود الرامية إلى التوصُّل إلى حلٍ تفاوضي لفاجعة سوريا.


هل يمكن أن تكون هذه هي بداية نهاية الحرب؟


للأسف فإنه ليس من المرجح أن تُشكل هذه المحادثات أكثر من مجرد خطوةٍ للأمام في عملية المفاوضات، حتى لو اتفقت جميع الأطراف المشاركة على كونها محادثاتٍ ناجحة.

ولم تتضح الصورة بعد حول ما تطمح الجماعات المشاركة في المحادثات لتحقيقه، سوى الرغبة المشتركة في تمديد وقف إطلاق النار، وهو الأمر الذي سينقذ الكثير من الأرواح على المدى القريب، لكنه لن يكون حلاً للمشكلة الأكبر التي تكمن خلف هذا الصراع.

وفي حال تمكَّن المشاركون من إحراز تقدمٍ بوضع الخطوط العريضة لاتفاقية سلام، فإن غياب الأكراد، واثنين من أهم جماعات المعارضة وأكثرها تأثيراً، يفتح المجال للأسئلة عن مدى تحقيق نتائج الاتفاقية فعلياً على الأرض.

ولن تعني الاتفاقية أيضاً نهاية أزمة اللاجئين السوريين. فقد تسببت وحشية نظام الأسد في زيادة مستويات العنف من جميع أطراف الصراع، ورغم ارتكاب جميع الأطراف لأعمالٍ وحشية، فإن قوات الأسد وحلفائه هم المسؤولون عن الغالبية العظمى من الضحايا المدنيين حتى يومنا هذا.

والكثيرون ممن هربوا خوفاً من ميليشياته وشرطته السرية لن يكونوا مستعدين للعودة إلى دولةٍ يحكمها الأسد وحلفاؤه، المعروفين باضطهادهم، وتعذيبهم، وقتلهم للمعارضين لهم.

وفي النهاية، فإن أي رؤيةٍ لسوريا الجديدة يتوصل إليها الأسد ومعارضوه، ستواجه خطر الانهيار على يد شبح تنظيم داعش، العازم على الاستمرار في القتال، والمسلَّح جيداً، والذي لا يهاب مقاتلوه الموت.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.