"حافلات البرد".. تجوب شوارع ألمانيا بحثاً عن المشرَّدين لتقديم الوجبات والأغطية ونقلهم إلى مراكز إيواء

تم النشر: تم التحديث:
COLD BUS IN BERLIN
Adam Berry via Getty Images

"ليلة في العراء قد تعني فقدان الحياة".. بهذه العبارة تطلب "حملة مدينة برلين" (غير حكومية) من قاطني العاصمة الألمانية تقديم المساعدة لإنقاذ المشردين من الطقس البارد والثلوج المتساقطة، عبر الإبلاغ عن أماكن تواجدهم.

فور الإبلاغ، تنتقل حافلات تخصصها الحملة، وباتت تعرف بـ"حافلات البرد"، إلى المكان المطلوب، وتقدم وجبة ومشروباً ساخنين إلى المشرد، قبل نقله إلى أماكن إيواء مخصصة للطوارئ، أو منحه إذا رفض الانتقال، حقيبة للنوم وأغطية.

هذه الحملة هي مؤسسة مستقلة، تعمل تحت مظلة الكنيسة البروتستانية في "برلين-براندنبورغ"، وتهدف، حسب موقع الحملة على الإنترنت، إلى منع حدوث أية وفيات جراء الطقس البارد.

وفي الفترة من 1 نوفمبر/تشرين الثاني إلى 31 مارس/آذار من كل عام، تجوب "حافلات البرد" والفرق المرافقة لها، شوارع برلين، في درجات حرارة دون الصفر، رغم تراكم الثلوج في أحيان كثيرة، من الساعة التاسعة مساء (8 ت.غ) إلى الثالثة فجراً، بحثاً عن المشردين والمحتاجين إلى المساعدة، حاملة وجبات ومشروبات ساخنة وأغطية وحقائب للنوم.

"حافلات البرد" تعتمد على مساعدات المواطنين في التبرعات، حيث تخصص حسابات بنكية تعرض أرقامها على موقعها الإلكتروني، كما تعتمد على المواطنين في الإبلاغ عن أماكن المشردين، حيث يتواجد فريق كامل لتلقي البلاغات كل ليلة عبر الهاتف.

قبل 20 عاماً

هذه الحملة انطلقت قبل أكثر من 20 عاماً، بعد أن توفي مشرد جراء الطقس البارد عام 1994، فعقب هذه الواقعة، بحثت منظمات المجتمع المدني عن حل لتفادي الوفيات في الشتاء، ومن ثم ولدت فكرة "حافلات البرد" (Kältebus).

ومنذ ذلك العام، يدين العديد من المشردين بالفضل لـ"حافلات البرد" في إنقاذ حيواتهم، وفق موقع الحملة.

وفي منتصف الشهر الماضي، نشرت صحيفة "برلينر تسايتونج" رسماً بيانياً يظهر نجاح الحملة في إنقاذ نحو 200 مشرد، فضلاً عن عشرات آخرين تلقوا مساعدات من أغطية وحقائب للنوم ومشروبات ووجبات ساخنة في أماكن تواجدهم.

وغالباً ما يرفض مشردون الانتقال إلى منازل أو مناطق إيواء. وهو ما أرجعه متطوعون ضمن الحملة، في حديث مع صحيفة "راين نيكر"، إلى أن عدداً ممن عاشوا في الشوارع لسنوات طويلة "لا يريدون التغيير".

العالم بحاجة لمبادرات

في 6 يناير/كانون الثاني الجاري، استغاثت المواطنة بيرنا بوروك، عبر صفحة مخصصة للحملة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، لإنقاذ رجل مشرد يقبع في الشارع في درجات حرارة تحت الصفر ووسط تساقط الثلوج".

بعد دقائق، ردت الحملة: "لقد رأينا الرجل عدة مرات، وعرضنا المساعدة، لكنه يرفض ويصر أنه بخير.. سنصل إليه مرة أخرى، ونرى ما يمكن أن يحدث".

وبينما وقف ينظر إلى إحدى "حافلات البرد" وهي تعبر أحد شوارع وسط برلين، بحثاً عن مشردين، قال ماثيو، وهو شاب عشريني، للأناضول إن "هذه المبادرة تنقذ العديد من الأرواح في مثل هذا البرد القارس.. العالم بحاجة إلى كثير من هذه المبادرات لإنقاذ الفئات التي تحتاج إلى المساعدة".

39 حالة وفاة

الأمر لا يقتصر على العاصمة، إذ تشغل منظمات أهلية عدة، أبرزها الصليب الأحمر، "حافلات البرد" في مدن هامبورغ (شمال)، وكولونيا (غرب)، وميونخ (جنوب)، وهانوفر (غرب)، وفرانكفورت (وسط)، وماينز(غرب)، بحسب وسائل إعلام ألمانية.

وفي هذه الأيام يتزايد نشاط تلك الحافلات، حيث تتعرض دول عدة وسط وشرق أوروبا لموجة طقس سيئ، خفضت درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، وأدت إلى تراكم الثلوج، وأودت بحياة ما لا يقل عن 39 شخصاً.

ولم تسجل أية حالة وفاة جراء الطقس حتى الآن في ألمانيا، التي بدأت فيها، الخميس الماضي، موجة طقس سيئ أخرى، تستمر أياماً، ومن المنتظر أن تهوي بدرجات الحرارة إلى معدلات غير معتادة؛ ما يشكل خطراً على حياة المشردين.

ولا يوجد تقدير دقيق لعدد المشردين في برلين، فضلاً عن "غياب أية سياسات فعالة يمكن أن تحل هذه المشكلة"، حسب صحيفة "برلينر تسايتونج"، التي ذكرت في تقرير نشرته يوم 7 يناير/كانون الثاني الجاري، أن الرابطة الاتحادية لرعاية المشردين (حكومية) تتحدث عن وجود نحو 40 ألف مشرد في ألمانيا، بينهم سبعة آلاف، حسب تقديرات، يمكن أن يكونوا في برلين وحدها.

وهذا العام، تحاول حكومة برلين، التي يسيطر عليها اليسار، تحسين أحوال المشردين عن طريق حزمة من الإجراءات، أبرزها، وفق الصحيفة نفسها، زيادة أماكن النوم في مراكز الطوارئ من 755 إلى 1000 سرير بنهاية مارس/آذار المقبل، والسعي إلى وضع نهاية لظاهرة التشرد عبر زيادة عدد المساكن المخصصة لإيواء المشردين إلى 2500.