"حياتنا معلقة".. الغموض يكتنف مستقبل أهل غزة في ظل الانقطاع المستمر للكهرباء

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

في سن العاشرة، كان كل ما عاشه محمد ياسين هو الحياة تحت الحصار وفي ظل انقطاع الكهرباء. أصبح الصبي الذي وُلِد في غزة عام 2006، حين فازت حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، الأمر الذي تسبَّب في فرض إسرائيل لعقوبات عام 2006 ضد السلطة الفلسطينية، معتاداً على الصعوبات الاقتصادية، وعلى الظلام.

قال الصبي لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، بينما أوقدت والدته شمعةً له ولشقيقته: "لا أتذكَّر يوماً لم تنقطع فيه الكهرباء".

وُلِد محمد بعد بداية أزمة الكهرباء في 2006، عندما أصابت غارة جوية لمقاتلة إسرائيلية من طراز إف 16 محطة الطاقة الوحيدة العاملة في قطاع غزة. ومنذ ذلك الحين، ظلَّت المحطة تعمل بطاقتها الدنيا، وفقط عندما يتمكَّن القطاع من شراء الكهرباء من مصر وإسرائيل.

وقال محمد: "أحسّ بشعورٍ أفضل في إضاءة الشموع وتثبيتها على الأطباق بمساعدة أمي"، مضيفاً أنه يبلى بصورةٍ جيدةٍ للغاية في المدرسة، رغم انقطاعات الكهرباء.

قاطعت نور، شقيقة محمد البالغة من العُمر 6 سنوات، شقيقها لتلقي مَزحةً، فقالت: "اندهش فضائيان أثناء مراقبتهما للأرض. أتدري لماذا؟ لأنَّهما شاهدا أنوار غزة تضيء وتنطفئ مراراً وتكراراً"، فضحك الاثنان.

وصلت انقطاعات الكهرباء في غزة إلى ذروتها الشهر الماضي، إذ تراجعت إمدادات الكهرباء المعتادة لأهالي غزة من 8 ساعات، إلى حوالي 3 أو 4 ساعات يومياً.


y


معاناة


ولانقطاعات الكهرباء نتائجٌ قاسيةٌ على سكان غزة. فلم يعد أحمد أبو سلامة قادراً على الحركة حول منزله لأنَّه لم يعد بوسعه شحن كرسِّيه المتحرِّك الذي يعمل بالكهرباء.

وقال أبو سلامة: "حين لا تكون زوجتي بالمنزل وتنقطع الكهرباء، أبقى في السرير لساعاتٍ لأنَّني لا أستطيع الوصول إلى المصابيح، وعندما أحاول النهوض، أسقطُ على الأرض".

وأُصيب أبو سلامة وأصدقاؤه جراء غارةٍ جوية إسرائيلية حينما كانوا عائدين إلى البيت من المدرسة في مخيم جباليا للاجئين في فبراير/شباط 2008. وكان أبو سلامة، الذي كان يبلغ 16 عاماً آنذاك، هو الناجي الوحيد، لكنَّه أُصيب بكسورٍ في الجمجمة وشللٍ جزئي في يده وساقه اليمنى.

وحينما لم يتمكَّن من الحصول على العلاج الذي كان بحاجةٍ إليه في القطاع الفقير، تدهورت حالته الصحية، وصار الآن غير قادر على السير على الإطلاق.

قدَّمت جمعيةٌ خيرية، الشهر الماضي، لأبي سلامة كرسياً متحرِّكاً يعمل بالكهرباء، وهو الأمر الذي كان أثار بهجته.

وقال مبتسماً: "عندما قُدتُ كرسيي الجديد للمرة الأولى، شعرتُ بأنَّني حي. أستطيع الذهاب أينما شئتُ ووقتما شئتُ. أنا حرٌ من جديد".

لكن مع انقطاعات الكهرباء المستمرة، قال أبو سلامة إنَّه شعر بأنَّ حريته الجديدة كانت تُسلَب منه. ولكي يعمل الكرسي لمدة ساعتين، يحتاج إلى شحنه بالكهرباء لمدة ست ساعات".

وقال: "أفضِّل البقاء في المنزل على المخاطرة بنفاد البطارية مني في الشارع. حدث هذا الأمر ذات مرة، وكنتُ مُحرَجاً للغاية من طلب المساعدة من الناس. وعلاوة على ذلك، سيكلِّفني شراء بطاريةٍ إضافية 200 دولار، وليس بإمكاني تحمُّل هذه التكلفة".

وتضرَّرت الأعمال الصغيرة في غزة، التي تُعاني بالفعل جرَّاء الحصار، كثيراً من انقطاعات الكهرباء.

وقال يوسف الجارو، وهو نجَّارٌ يبلغ من العُمر 52 عاماً من حي الدَّرَج شرقي مدينة غزة، إنَّه الآن يجب عليه إغلاق ورشته أغلب اليوم، إذ يتطلَّب كل عمله استخدام الماكينات الكهربائية.

وقال النجار، المُجِدُّ في عمله، بفخرٍ إنَّه اعتاد فتح ورشته في السابعة والنصف صباحاً، ولم يغلقها أبداً قبل السابعة والنصف مساءً، لكنَّه الآن في ظل انقطاعات الكهرباء، بالكاد يستطيع العمل.

ويعمل محمد الجارو (نجل يوسف) مع أبيه منذ 7 سنوات، ولم ير والده قط بهذا الحزن والإحباط.

وقال: "لديّ سبع شقيقاتٍ وأخٌ واحد. تتزايد التزامات أبي، ونحن نبذل قصارى جهدنا لمساعدته على تجاوز هذا الوضع".

وبعد غروب الشمس، يُخيِّم وشاحٌ من الظلام على مدينة غزة، في ظل عدم وجود أي مصابيح مضاءة في أي مكانٍ بالشوارع. وفي محاولتهم للبقاء دافئين، بالإمكان رؤية الناس متجمِّعين حول نيران صغيرة بدائية.

y


حل مؤقت


في وقتٍ سابق هذا الأسبوع، تبرَّعت قطر بـ12 مليون دولار من أجل شراء الوقود لمحطة كهرباء غزة، ما خفَّف الأزمة ووفَّر الكهرباء لنحو ست ساعات يومياً. وعلى الرغم من أن ذلك بمثابة إرجاءٍ مُرحَّبٍ به للأزمة، فإنه يُتوقَّع أن يوفِّر الكهرباء للقطاع لمدة 3 أشهر فقط.

وأعلنت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في غزة أنَّ الوقود من المنحة المالية القطرية سيشغِّل مولِّداً ثالثاً في محطة الكهرباء، وسيوفِّر الكهرباء لحصصٍ تبلغ 8 ساعات لمدة 3 أشهر.

ويتوقَّع سكان غزة ازدياد انقطاعات الكهرباء مرة أخرى بعد نفاد الوقود، في حين يقول الكثيرون إن هذا مجرد حل مؤقت لتهدئة غضب مليوني شخص في غزة يعانون من انقطاعات الكهرباء.

وتحوَّلت احتجاجات ضد انقطاعات الكهرباء، الأسبوع الماضي، إلى أعمالِ عنفٍ بعد إطلاق قوات الأمن النار في الهواء، وأفادت تقارير بمهاجمتها للصحفيين. وخرج آلاف الناس في مسيرةٍ إلى مقر شركة كهرباء غزة التي تديرها حركة حماس، التي تسيطر على قطاع غزة منذ 2007.

ويصل الطلب على الكهرباء في غزة إلى 450-500 ميغاوات يومياً، لكنَّها توفِّر بالكاد ثلث هذا الطلب. وتُولَّد نحو 30 ميغاوات من خلال محطة توليد الكهرباء القديمة، في حين تُستَورد 30 ميغاوات من مصر، وتُوفِّر إسرائيل 120 ميغاوات.

وعادةً ما تنقل السلطة الفلسطينية، الموجودة في رام الله، التي تدفع مستحقَّات إمدادات الكهرباء من إسرائيل ومصر، الوقود إلى غزة وتعفيه من معظم الضرائب. لكن بسبب الضوائق المالية التي تمر بها، لم تعد تعوِّض عن كل الضرائب، وهو الأمر الذي يثير غضب حماس.

ويعود الطلب المرتفع على الكهرباء إلى هبوط درجات الحرارة إلى 4 درجات مئوية خلال فصل الشتاء، الأمر الذي دفع المزيد من الناس إلى استخدام السخَّانات الكهربائية والمدفئات من أجل التدفئة. وهذا لعب دوراً في نقص الكهرباء.

وقال المتحدِّث باسم حركة حماس، فوزي برهوم، إنَّ حماس منفتحةٌ على الحلول، واتَّهم السلطة الفلسطينية باستخدام الأزمة كوسيلةٍ "لتشويه سمعة حماس، والتضييق على سكان غزة".

y


بدائل باهظة التكلفة


على مدار سنوات، حاول سكان غزة إيجاد طرقٍ للتكيُّف مع الانقطاع المتواصل للكهرباء، مثل استخدام المولِّدات الصغيرة، لكنَّ معظم الناس لا يستطيعون تحمُّل تشغيل مولِّدات الديزل لمدة 20 ساعةٍ يومياً.

ويمتلك سفيان أحمد مولِّداً كبيراً غربي مدينة غزة، ويربطه بالعديد من المنازل في المنطقة. ومن أجل ربط كل أسرة بالمولِّد، عليهم أن يدفعوا 50 دولاراً مُقدَّماً، وهو الأمر الذي لا تستطيع الكثير من الأسر تحمُّله.

يقول أحمد: "بعض الأسر تدفع 20 دولاراً شهرياً، بينما تدفع أسرٌ أخرى 150 دولاراً. ويستخدم بعض الناس كهرباء المولِّد لمشاهدة التلفزيون وإضاءة المصابيح فقط، في حين يستخدمها آخرون من أجل تشغيل كافة أجهزتهم الإلكترونية".

يعلم أحمد والآخرون مثله أنَّ تكلفة الخدمة التي يقدِّمونها باهظة، لكنَّهم يبرِّرون ذلك بأسعار الوقود المرتفعة.

ويضيف أحمد: "في الأيام العادية، عندما يحصل الناس على 8 ساعات من الكهرباء من محطة كهرباء غزة، أدفع 400 دولار يومياً فقط لوقود المولِّد كي أتمكن من إمداد الناس بالكهرباء لباقي اليوم. لكن خلال هذا الوضع، يحصل الناس على 3 ساعات من الكهرباء، لذا أدفع 530 دولاراً".

ويستخدم آخرون الخلايا الشمسية لتغطية احتياجاتهم من الكهرباء، إذ إنَّها أنظف من المولِّدات، لكنَّ تكلفتها أعلى كثيراً.

قال جماد البنا، وهو مهندس إلكترونيات: "حتى تثبِّت خلايا شمسية في منزلك، سيكلِّفك الأمر 2600 دولار، وبالإضافة إلى ذلك، ستحتاج إلى شراء بطارياتٍ جديدة كل عام، بتكلفة 200 دولار".

هذه كلها حلولٌ مكلِّفةٌ للغاية ومؤقتة بالنسبة للغزِّيِّين، إذ إنَّهم يأملون في حلٍ دائم لانقطاعات الكهرباء المستمرة، ويأملون كذلك في مستقبلٍ أكثر إشراقاً.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.