"ضد الغلاء".. هذا ما لجأت إليه الطبقة الوسطى من المصريين هروباً من ارتفاع الأسعار

تم النشر: تم التحديث:
S
س

في ظل غياب الشمس وسقوط الأمطار، تُغطي السحب مدينة الإسكندرية بالساحل الشمالي المصري. قامت المُحاسبة هبة (39عاماً) بإخفاء هويتها بارتداء نظارة شمس كبيرة أثناء تسوقها في سوق نجا للملابس المستعملة، بصحبة ابنها نور، البالغ من العمر خمسة أعوام.

وصفت هبة -أثناء بحثها عن قبعة سوداء لابنها- كيف تغيّرت الأشياء منذ التغيير الكبير في أسعار السلع الأساسية، حيث تقول لـ"موقع ميدل إيست آي": "اعتدت أن أشتري ملابسي وملابس ابني من سان ستيفانو مول ومحلات الملابس الغالية في وسط البلد. الآن لا يمكنني شراء الملابس الجديدة. إما أن نأكل ونشرب وإما أن نشتري الملابس، لا يمكن أن نجمع بين الاثنين".

تصف هبة – والتي فضلت إعطاء اسمها الأول فقط - نفسها بأنها من الشريحة العليا في الطبقة المتوسطة. وتوضح أن سمعتها لا تسمح بأن يراها أحد معارفها أثناء التسوق في سوق مخصص للفقراء.

تقول الأم المُطلقة وهي تتلفت حولها حتى تتأكد من عدم وجود أحد معارفها: "أفعل ما بوسعي حتى أتخفى. أرتدي نظارات شمس وأحضر في وقتٍ مبكرٍ جداً أو متأخرٍ جداً".

منذ عام، بدأت أم الطفلين والمُحاسبة بالقطاع الخاص في تحويل مسار مُشترياتها من شراء الملابس الجديدة إلى شراء الملابس المستعملة التي يطلق عليها في مصر "البالة" (وتعني حرفياً الملابس القديمة).

y


ارتفاع الأسعار


يشهد المصريون ارتفاعاً هائلاً في الأسعار منذ تعويم الجنيه وخفض الدعم الحكومي للوقود ضمن حزمة قرارات إصلاح اقتصادي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وقد جاءت تلك القرارات مرتبطة بقرض صندوق النقد الدولي الذي حصلت عليه مصر الذي بلغت قيمته 12 مليار دولار.

في ديسمبر/كانون الأول عام 2016 ازداد معدل التضخم في مصر ليصل إلى 23.3 %، لترتفع بذلك - حسب المؤشرات الرسمية لشهر يناير- أسعار كل من المنتجات الغذائية والرعاية الصحية ووسائل المواصلات.

وارتفعت أسعار الملابس والأحذية بنسبة 20.3%، بينما ارتفعت أسعار المنتجات الغذائية بنسبة 28.3%، في حين قفزت أسعار وسائل المواصلات بنسبة 23.2%.

في سوق "النجا" يمكنك أن تجد السترات والبلوزات والقمصان معروضة على طاولات العرض داخل أو خارج المحال التجارية الصغيرة.

يمكن للمحظوظين من الزبائن أن يجدوا قياساتهم من خلال البحث بين أكوام من الملابس. كان هدف هبة أن تجد بُلوفر ثقيلاً لابنها لا يتعدى سعره 100 جنيه (5 دولارات)، وهو الهدف الذي أصبح شبه مستحيل خارج حدود سوق النجا.

وبينما كانت تسأل عن سعر سترة حمراء من الصوف أرادت شراءها، شرحت هبة كيف استطاعت توفير كمية كبيرة من المال من خلال استراتيجية التسوق الجديدة.

قالت هبة: "لقد اشتريت سترتين وقميصين لهم (أبنائها) وبُلوفر لي مقابل 600 جنيه (32 دولاراً)، بينما في أي مركز تجاري كبير قد لا أستطيع شراء سترة واحدة مقابل هذا المبلغ"، وقد أوضحت باستياء أن تلك هي الزيارة الثالثة لها للأسواق هذا الشتاء.

وانزعجت هبة عندما علمت أن ميزانيتها لن تسمح بشراء السترة الصوفية الحمراء نظراََ لسعرها، فيما تمكنت فقط من شراء بُلوفر آخر رمادي اللون لابنها الصغير نور.

في السابق، اعتاد كلّ من محدودي الدخل والطبقة العاملة في مصر ارتياد الأسواق التي تبيع الملابس المستعملة مثل تلك التي توجد بالقاهرة والإسكندرية نظراََ لأسعارها الزهيدة.

واشتهرت تجارة الملابس المستعملة في بورسعيد، التي كانت فيما قبل منطقة حرة لتجارة الملابس، هذا قبل أن يتم إلغاء المنطقة الحرة عام 2002 بسبب محاولة الاغتيال التي شهدها الرئيس المخلوع حسني مبارك هناك.

قال عصام إبراهيم (55 عاماً) وصاحب محل تجاري، الذي يدير محل عائلته، إنه يرى أن الملابس المستعملة جيدة مقارنة بسعرها.

يشتري ابراهيم الملابس المستعملة بالكيلو ثم يبيعها بالقطعة محققاََ من خلال ذلك ربحاََ ليس بالقليل.

وأضاف مفتخراََ: "كنّا نجني الكثير من الأموال من تلك التجارة"، مشيراََ إلى أن الأمر لم يعد كذلك، لأن ازدياد أسعار الملابس المستعملة هي الأخرى أصبح يفوق القدرة الشرائية للكثير من الزبائن.

واستكمل: "لا يمكننا رفع الأسعار أكثر من ذلك، فنحن نعلم أن الزبائن لن تستطيع مجاراة ذلك".

y


الزبائن الموسميون


في الوقت ذاته، كانت آمال، وهي ممرضة تبلغ من العمر 44 عاماً، تماطل مع أحد أصحاب الأكشاك لشراء سترة صوفية. ومن خلال استخدامها لكافة وسائل الإقناع تمكنت آمال من إقناع البائع ببيع السترة بنصف الثمن.

وقبل البائع محمد العوني البالغ من العمر 50 عاماً الصفقة على مضض. رغم أنه يرغب في الحصول على ربح أكثر من مبيعاته، فهو يتفهم جيداً أن عملاءه لا يمكنهم دفع المزيد.

وقال عوني: "هذه ملابس للفقراء وليس بإمكانهم دفع ثمن شرائها. فالفقراء الآن في غاية الفقر".

وأضاف وهو يتكئ على كشك الملابس النسائية ويلفّ وشاحاً رمادياً حول عنقه مرتدياً معطفاً أسود ليبقيه دافئاً: "نشهد حالياً تحولاً إذ تأتي الأسر التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة في سياراتها وتشتري من أكشاكنا. يا له من أمرٍ مثير للشفقة".

لقد طالت عوني الأحوال الاقتصادية الصعبة إذ لا يستطيع أن يتحمل نفقات الزواج الباهظة وظل عازباً حتى الآن.

حتى على الرغم من أن آمال قد حصلت على السعر الذي طلبته وهو 30 جنيهاً مصرياً (1.6 دولار)، فما زالت مستاءة من أنها لا تستطيع أن تشتري كل متطلباتها.

وتقول: "كنت أنوي شراء قطعتين أو ثلاث، لكني اشتريت واحدة فقط. فالأسعار هنا أيضاً في ارتفاع مستمر".

فالبُلوفر الأبيض الطويل الذي اشترته سيساوي على الأقل 300 جنيه مصري (16 دولاراً)، إن اشترته من المحلات الموجودة على جانبي الطريق.

ويحكي عوني عن أحد زبائنه من الطبقة العاملة والذي أتي إليه في الصباح وهو يطلب أن يبيع 3 سترات اشتراها العام الماضي.

وقال عوني والدموع في عينيه: "لقد باعها مقابل 50 جنيهاً مصرياً (2.6 دولار). وتوسل إليّ كي أقبل الصفقة حتى يتمكن من إطعام ابنه".

في القاهرة، يقوم المصريون بتغيير سلوكياتهم في الشراء وتحولوا إلى الشراء من محلات الملابس المستعملة.

في سوق وكالة البلح في وسط القاهرة، يُدير محمد عبدالرحمن محلاً صغيراً لبيع الملابس المستعملة. ويقول محمد إنه يرى نوعاً جديداً من الزبائن في سوق وسط البلد الشهير بالقاهرة.

ويضيف عبدالرحمن ووراءه مباشرةً زوجان ينتقيان معطفاً جلدياً : "نرى الآن أناساً يبدو أنهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، ويرتدون بالفعل ملابس أفضل".

كان الإحباط واضحاً على المتسوقين إذ تفقدوا الأكشاك وغادروا دون شراء أي شيء.

نظر العديد من المتسوقين حولهم بعد أن حاولوا شراء بعض الأشياء بأقل الأسعار قبل أن يغادروا خالين الوفاض.

في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار السلع الرئيسية، أخبر المحلل الاقتصادي، محمد نجم، موقع "ميدل إيست آي" بأنه من المتوقع أن يلجأ الناس إلى شراء الملابس المستعملة بشكل أكبر، مشيراً إلى ارتفاع مبيعات موقع OLX المتخصص في بيع المنتجات المستعملة. على شبكة الإنترنت.

وأضاف أن بعض المصريين لم يقرروا فقط تخفيض حجم مشترياتهم لكنهم قرروا إلغاءها تماماً.


تحول الزبائن


لقد كان هناك تحول تام في تفكير الزبائن. فالإعلانات على الإنترنت تروّج لفكرة التجارة في الملابس المستعملة، وذلك عن طريق جذب المستثمرين الصغار بالأرباح الكبيرة في السوق المتنامي.

وصرح صلاح المصري، رئيس قسم الأقمشة والمنسوجات في الغرفة التجارية بالإسكندرية، بأن صناعة الملابس المستعملة منتعشة في الوقت الحالي، وذلك نتيجة للأسعار المرتفعة للملابس الجديدة.

أوحت سوق بيع الأغراض المستعملة المتنامية إلى نيللي زاهر التي تعمل لدى شركة محاسبة بارزة بفكرة تكوين جروب على فيسبوك يسمّى "نساء ضد الغلاء".

وقالت نيللي إن فكرتها تهدف إلى مواجهة الأسعار المرتفعة على نحو غير مسبوق في ملابس الشتاء الجديدة.

وأردفت: "نحاول أن نوفر البديل للناس. فعلى مدار الأشهر القليلة الأخيرة، أصبحت الملابس المستعملة صيحة منتشرة".

بدأت المجموعة ببيع الملابس المستعملة فقط، لكنها في الوقت الحالي تتطلع إلى بيع المنتجات المستعملة مثل الكتب وقطع الأثاث التي مازالت حالتها جيدة.

جذبت المجموعة 924 عضواً يقومون بشراء وبيع المنتجات التي تُباع مقابل 75% من تكلفتها الأصلية كحد أقصى. وهذا يُعد حلاً جيداً للعديد من المصريين الذين لم يعد بإمكانهم تحمل تكلفة الملابس الجديدة.

وقالت منى عبدالرحمن، أحد الأمهات وموظفة بالحكومة: "يغطي راتبي تكلفة شراء الطعام والشراب وأجرة المنزل وفواتير الكهرباء بالكاد، فلم تعد الملابس الجديدة خياراً متاحاً"، مضيفة أن وراءها جبلاً من الفواتير غير المدفوعة.

هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.