يوم تنصيب ترامب مرحلة جديدة من الريبة لأميركا.. والدولة العظمى على شفا المجهول

تم النشر: تم التحديث:
DONALD TRUMP AND HIS WIFE
social

سيؤدِّي دونالد ترامب، المُرشَّح السياسي الأكثر إثارةً للجدل في العصر الحديث، اليمين الدستورية، الجمعة 20 يناير/كانون الثاني 2017؛ ليصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة، ويواجه ضغوطاً فورية لإلقاء خطابِ تنصيبٍ يمكن من خلاله البدء في معالجة أمةٍ منقسمةٍ، وطمأنة عالمٍ قَلِق.

ومن المُتوقَّع أن يوجد قُرابة المليون شخص في المتنزَّه الوطني بواشنطن؛ لمشاهدة احتفالية تسليم السلطة التي ستشهد تقاليد واحتفالياتٍ قديمة عريقة، لكنَّها تفتح الباب كذلك للدخول في مرحلةٍ من الريبة السياسية العميقة، حسبما نشرت صحيفة The Guardian.


على شفا المجهول


وقد تعهَّد ترامب بإحداثِ تغييراتٍ جذرية في النظام الليبرالي ما بعد الحرب العالمية الثانية، وأصدر بياناتٍ سياسية متناقضة، وأثار الغضب في العواصم الأجنبية بسبب نهجه المتقلِّب، حتى قبل أن يتولّى المنصب. وأُثِيرَت التساؤلات حول شخصية ومزاج الرجل الذي يتباهى بملامسة النساء، ولا يزال يدخل في مشاحناتٍ مع رفاقه المشاهير على موقع تويتر، ما يجعل القوة العُظمى الوحيدة في العالم على شفا المجهول.

وقال نائب الرئيس أوباما، جو بايدن، لصحيفة "نيويورك تايمز"، في مقابلةٍ نُشِرت هذا الأسبوع، إنَّ "محاولة فَهم هذا الرجل شبيهةٌ بحلِّ لغزِ مكعب الروبيك. إنَّنا ليس لدينا أية فكرةٍ عما يُقدِم هذا الرجل على فعله".

ومن المُتوقَّع أيضاً خروج احتجاجاتٍ، الجمعة، وتنظيم مسيرةٍ نسائيةٍ ضخمة غداً السبت 21 يناير، حيث يستهِلّ الليبراليون 4 سنواتٍ من معارضة ترامب، الذي يتولّى المنصب بوصفه الأقل شعبيةً بين آخر 7 رؤساء مُنتَخبين حديثاً على الأقل في الولايات المتحدة، وفقاً لاستطلاعات الرأي.

ويتولَّى ترامب السلطة في وقتٍ تُخيِّم فيه ظلال تدخُّل روسيا المزعوم في الانتخابات الرئاسية التي جرت العام الماضي، وهو ما أدَّى ببعض الديمقراطيين إلى التشكيك في شرعيته. وسيقاطع ما يصل إلى 60 عضواً في الكونغرس احتفالية التنصيب التي ستجري داخل مبنى الكابيتول الأميركي.

وانتقل ترامب من مقر إقامته في نيويورك إلى واشنطن على متن إحدى طائرات الرئاسة، أمس (الخميس) 19 يناير/كانون الثاني، وتوجَّه إلى فندق ترامب الدولي، وهو منشأةٌ فاخرة أصبحت رمزاً للكثير من احتمالات تضارب المصالح التي تواجه الرئيس الثري.

وحضر ترامب غداءً في القاعة الرئاسية بفندقه، مع كبار الجمهوريين، بما في ذلك بعض من اختارهم لحكومته. وتساءل: "أين هذا؟ هذه قاعةٌ رائعة. لا بد أنَّ من بناها شخصٌ عبقريٌ للغاية".


مراسم احتفالية


ومن المُفترض أن ينتشر 28 ألف رجل أمنٍ على الأقل من 36 ولاية، ومن الوكالات الأمنية المحلية والفيدرالية؛ لتأمين فعاليات التنصيب، التي أفادت تقاريرٌ بأنَّها تتكلَّف 200 مليون دولار، مُوَزَّعةً ما بين أموال دافعي الضرائب والجهات المتبرِّعة الخاصة. وأُغلِقت أجزاءٌ من العاصمة واشنطن، بوضعِ الحواجز الحديدية في الشوارع المزدحمة عادةً؛ وذلك من أجل اعتراض الاحتجاجات.

وسيذهب ترامب برفقة زوجته ميلانيا، الجمعة 20 يناير، إلى البيت الأبيض؛ لتناول الشاي مع باراك أوباما وزوجته ميشيل، بينما يقوم عُمَّال النقل باستبدال المقتنيات الشخصية لكلٍ منهما في الطوابق العليا.

ستُدشَّن مراسم احتفالية التنصيب بعروضٍ لفرقة "Talladega Marching Tornadoes"، وفرقة الرقص الجماعي "The Rockettes"، وكورال "Mormon Tabernacle" التابع لكنيسة يسوع المسيح لقدِّيسي الأيام الأخيرة، والمغنِّية جاكي إيفانكو ذات الـ16 عاماً. ولن يحضر الكثير من المشاهير ذوي الأسماء البارزة، كما لا يُتوقَّع أن يقترب الإقبال العام للجماهير من رقم 1.8 مليون شخص الذين تحدَّوا الطقس البارد من أجل حضور تنصيب أوباما الأول في 2009.

وعند الظهيرة، وفي مشهدٍ لم تكن المؤسسة السياسية أن تتصوره قبل فترةٍ قصيرة، سيؤدِّي ترامب اليمين الدستورية، وهي العملية التي يُشرِف عليها رئيس المحكمة العليا الأميركية، جون روبرتس. سيضع ترامب يده على الكتاب المقدس الخاص به، وهو هديةٌ من والدته أعطته إياه عام 1955، بالإضافة إلى الكتاب المقدَّس الذي أقسم عليه إبراهام لينكولن في أثناء تنصيبه الأول.

وفي لوحةٍ أوبرالية، سيقف ترامب إلى جوار هيلاري كلينتون، المرشَّحة التي كان ترامب هدَّد بسجنها خلال حملته الانتخابية. وكانت كلينتون قد تفوَّقت على ترامب بفارقِ 2.9 مليون صوت في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لكنَّها خسرت التصويت في المجمع الانتخابي. وسيحضر أيضاً الرؤساء بيل كلينتون، وجورج بوش الابن، وجيمي كارتر.

سيصبح ترامب أول رئيسٍ للولايات المتحدة لم يخدم في الجيش أو يتولّى منصباً عاماً على مدار الـ240 عاماً من تاريخ الجمهورية الأميركية. وبعمر السبعين، سيكون ترامب أكبر الرؤساء سناً عند تولِّيه فترته الأولى، مُحطِّماً بذلك رقم رونالد ريغان.


خطاب التنصيب


وقال رئيس لجنة التنصيب الرئاسية توم باراك، إنَّ خطاب تنصيب ترامب سيُركِّز على "القضايا التي توحِّدنا"، وزَعَمَ أنَّ الانقسامات التي سبَّبتها الحملة "ستتبدَّد". وقال باراك لبرنامج "CBS This Morning"، إنَّ "ما ستسمعونه جميعاً في خطابه هو تحولٌ من كونه مرشَّحاً إلى رئيس".

وأضاف المتحدِّث المقبل باسم البيت الأبيض، شون سبايسر: "إنَّه يريد مواصلة الحديث عن القضايا والمجالات التي يمكنه من خلالها توحيد البلاد ولمّ شملها".

لكنَّ كل كلمةٍ في خطاب ترامب ستخضع لتدقيق وتمحيص حلفاء الولايات المتحدة وخصومها في أرجاء العالم. فقد أثار ترامب قلق الكثيرين بتشكيكه في جدارة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وبتحدِّيه للصين على خلفية قضيتي تايوان وبحر الصين الجنوبي، واقتراحه إمكانية رفع العقوبات عن روسيا. وكان قد أنكر مسبقاً التغيُّر المناخي واعتبره مجرد خدعة.

أما بعد الخطاب، فستطير أسرة أوباما متوجِّهةً إلى إحدى القواعد الجوية، ثُم بعد ذلك إلى عُطلةٍ في مدينة بالم سبرينغز بولاية كاليفورنيا. وبالنسبة لأنصاره، سيمثِّل خروج أول الرؤساء الأميركيين السود مشهداً مزعجاً؛ لأنَّه يفتح الطريق أمام خلف دفع بنظرياتِ المؤامرة حول ولادة أوباما في إفريقيا، وحاز دعم جماعة "كو كلوكس كلان" التي يؤمن أنصارها بتفوِّق العرق الأبيض، ويعادون المهاجرين، والمسلمين، والسود، والمثليين، وينتهجون العنف والإرهاب والإحراق ضد أعدائهم.

وسيغادر مساعدٌ عسكري يحمل حقيبةً تحوي شيفرات إطلاق الأسلحة النووية الأميركية الكونغرس ضمن الحاشية المحيطة بترامب. وكانت كلينتون قد حذَّرت خلال الحملة الانتخابية قائلةً: "إنَّ رجلاً يمكن استفزازه بتغريدةٍ على تويتر لا يمكن ائتمانه على الأسلحة النووية".

وسيحضر ترامب مأدبة غداء يُتوقَّع أن تضم السرطان البحري من مطعم "Maine lobster"، والجمبري من شركة "Gulf shrimp"، ولحم البقر من مزرعة "Seven Hills Angus". وسيتوجَّه الرئيس الجديد بعد ذلك إلى عرضٍ يستمر لمدة 90 دقيقة يضم أكثر من 8 آلاف شخص، من بينهم أعضاء في الجيش، والبحرية، ومشاة البحرية الأميركية، ومنظمة الكشَّافة الأميركية "Boys Scouts of America". وبعد ذلك، سيحضر ترامب وميلانيا الحفل الراقص "Liberty Ball"، وهو الأول من 3 حفلات راقصة في تنصيب ترامب، وسيؤدون أول رقصةٍ لهما كرئيسٍ وسيدةٍ أولى.


قرارات الساعات الأولى


وعلى الرغم من فعاليات التنصيب، فقد يشرع ترامب في إلغاء بعض القرارات التنفيذية لأوباما في الساعات أو الأيام الأولى له في المنصب. وكان ترامب قد تعهَّد بتحطيم أكبر إنجازات أوباما التي حقَّقها على مدار السنوات الثماني السابقة، ومحو إرثه في مجالاتٍ كالرعاية الصحية. وقد عمَّق الكثيرون ممن اختارهم وزراء في حكومته المخاوف على مدار أسبوعين من جلسات الاستماع في مجلس الشيوخ.

سيكون هذا الافتتاح البداية الرسمية لواحدةٍ من أغرب قصص الصعود في التاريخ السياسي الأميركي؛ إذ كان ترامب معروفاً في الولايات المتحدة بأنه مضيف برنامج ذا أبرينتس، عندما أطلق في شهر يونيو/ حزيران 2015 حملته الانتخابية، التي لم يكن من المحتمل أن يفوز فيها، من مقره ببرج ترامب بنيويورك، في أثناء نزوله من أعلى الدرج بأداءٍ مسرحي. قال ترامب عن المكسيكيين: "إنهم يجلبون المخدرات، والجرائم. إنهم مغتصبون. لكنَّ بعضهم، على ما أظن، أناسٌ جيدون".

حينها، قال مضيف البرنامج الساخر، جون ستيورات على التلفاز: "العقل الباطن لأميركا يترشح للرئاسة".

أشعل ترامب حماسة متابعيه حين وَعَدَ ببناءِ سورٍ على الحدود المكسيكية، وبإلقاء القبض على 11 مليون مهاجر غير شرعي وترحيلهم، وكذلك بفرض حظرٍ مؤقتٍ على دخول المسلمين البلاد؛ خوفاً من الإرهاب. هزم ترامب 16 منافساً، منهم حكام لولاياتٍ وأعضاء في مجلس الشيوخ، ليحصل على أصواتٍ أوليةٍ أكثر من أي جمهوري في التاريخ الحديث، فيما وُصِفَ حينها بأنه "استحواذ عدواني" على الحزب.

ثم نجا ترامب، في الحملة المسمومة غير المُعتادة ضد كلينتون، من فضيحة فيديو خليع تفاخر فيه بالتحرش بالنساء، فضلاً عن مزاعم باعتداءاتٍ جنسية وتحرُّش وجَّهتها ضده عشرات النساء الذين حكوا ما جرى. أهان ترامب أيضاً أسرة جندي ميت وملكة جمال سابقة.

لكنَّ ترامب تَزَعَّم موجةً من الغضب المُوجَّه ضد المؤسسة الأميركية، خصوصاً في الولاياتِ التي تضرَّرَت بشدةٍ من تناقص الوظائف في المجالات الصناعية، وهو ما أدى إلى مقارنة صعوده باستفتاءِ بريكسيت. كانت مؤتمراته الانتخابية غوغائية، ملآى بجمهورٍ يرتدون قبعاتٍ عليها شعاره "فلنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى"، ويصيحون قائلين: "ابنِ الحائط"، و"اسجنها"، في إشارة إلى كلينتون.

وهاجم أوباما ترامب قائلاً إنه مختلف عن أيِ مرشحٍ جمهوري، وحذَّر من أنَّ التصويت سوف يكون تصويتاً ضد الديمقراطية نفسها. وقال إنَّ كل التقدم الذي حدث خلال الأعوام الثمانية السابقة على المحك. ومنذ فوز ترامب، تبنى أوباما نبرةً معتدلةً ووصف محادثاتهما بالـ"ودية". وقال أوباما، في مؤتمره الصحفي الأخير، يوم الثلاثاء 17 يناير: "أنا مؤمنٌ من كل قلبي بأننا سنكون بخير".

لا يوافق الجميع على هذا. ويأمل منظمو مسيرة النساء إلى واشنطن، والمُقرَّرة غداً (السبت)، جذب ما لا يقل عن 200 ألف شخص؛ للتعبير عن معارضتهم لأجندة ترامب. وظلَّ أكثر من 100 شخص، ليل الأربعاء 18 يناير/كانون الثاني، يرقصون حاملين عصياً مضيئة، وأعلام قوس قزح، تصاحبهم شاحنة تذيع موسيقى صاخبة، في منطقة تشيفي تشيس، الهادئة عادة، بشمال غربي واشنطن، حيث يقيم نائب الرئيس مايك بنس، المعارض لحقوق المثليين، في منزل مستأجر.

وقال بنس لشبكة سي بي إس: "أظن أنَّ الناس سوف يشهدون يوم الجمعة تنصيب رئيسٍ سوف يحافظ على وعوده التي تعهَّدَ ليلة الانتخابات بأنه سوف يكون رئيساً لكل الأميركيين. لم تكن استطلاعات الرأي صحيحة دائماً خلال عام الانتخابات، لذا فإنني متشككٌ إلى حدٍ ما حيال استطلاعات الرأي التي تُناقش يوم التنصيب الرئاسي".

وأضاف بنس: "لكن بإمكاني أن أخبركم بأنَّ الرئيس المنتخب وفريقنا كله مستعد للعمل ودعم السياسات التي سوف تجعل أميركا عظيمة مرة أخرى، على حد قول الرئيس".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.