"تركوني بمحطة حافلات لاستباحة دمي".. الشيخ رائد صلاح يتحدَّث عن عملية الإفراج عنه

تم النشر: تم التحديث:
RAED SALAH
AHMAD GHARABLI via Getty Images

لماذا أطلقت سلطات الاحتلال سراح الشيخ رائد صلاح في محطة حافلات عامة في قلب إسرائيل، هل هو مجرد خطأ أم أمر مقصود ومدبر لغرض ما؟.

فلم تكد تصل عائلة الشيخ رائد صلاح ومحبوه إلى سجن "إيشيل" العسكري الإسرائيلي في منطقة بئر السبع جنوب فلسطين، حتى اكتشفوا أنه تم الإفراج عنه منذ الصباح.

وادعت مصلحة السجون الإسرائيلية أنها لا تعرف إلى أين قد ذهب، حيث أخلت سبيله عند السادسة والنصف صباحاً، زاعمة أن لا علاقة لها بوجهته القادمة.
الكثير من الاتصالات أجريت من أجل معرفة أين خبّأت مصلحة السجون الشيخ صلاح، دون أيّ نتيجة تذكر.

لكن وبعد ساعات قليلة، اتضح الأمر حينما فوجئ الطالب الجامعي شادي أبو فوّاز بصعود الشيخ رائد صلاح إلى حافلةٍ عامة يستقلها، حاملاً صندوقاً كرتونياً وقد ملأه بالدفاتر والكتب، وليكون أول من يشاهده ويلتقط صورةً عفويةً معه، والتي سرعان ما انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام كالنار في الهشيم، كدليلٍ على أنّ الشيخ ما زال حياً يُرزق في مكانٍ غير معلومٍ بعد، ثم سرعان ما اكتشف مريدوه أنه يتجه نحو مسجد حسن بيك في مدينة يافا المحتلة ( أراضي 48).

الشيخ رائد صلاح عبّر عن اعتراضه على هذه الطريقة في الإفراج، والتي لا تخرج إلّا من أفراد عصابة وليس ممن تعتبر نفسها واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط (في إشارة لإسرائيل).

وعندما علم بالقرار، حمل الجهات الإسرائيلية المعنية المسؤولية عما قد يحدث له بسبب هذا التصرّف، الذي قد يعرّض حياته للخطر من قبل الأفراد العاديين في إسرائيل، الذين ينتظرون أيّ فرصة للاعتداء عليه.


حفل استقبال أوّلي في المسجد


سرعان ما انتشر خبر الإفراج عن الشيخ رائد صلاح في أوساط الفلسطينيين في يافا وجمهور العاملين هناك (عرب 48)، ليتجه المئات منهم إلى هناك مهنئين الشيخ بخروجه من السجن.
وكان من بينهم زوجته وبناته وجمع من أفراد العائلة، على رأسهم والدته الحاجّة رقية، التي لم تستطع أن تصبر وتنتظر وصوله إلى مسقط رأسه في أم الفحم.

الحاجة رقيّة لم تُخْفِ فرحها وخوفها في ذات الوقت، وصرّحت لـ"هافنيغتون بوست عربي" بأنّها تخاف على نجلها كثيراً، "خاصةً أنه بدأ يتقدّم بالسن، والاحتلال الإسرائيلي لا يدعه وشأنه البتّة"، "ومع ذلك قالت "أنا أدعمه بكلّ ما أوتيت من قوة ، ولن يرهبنا السجن ولا السجّان".


حفل استقبال لمدة ثلاثة أيام


وبعد وصول الشيخ صلاح إلى مسقط رأسه في مدينة أم الفحم شمالي فلسطين (أراضي 48)، استقبله آلاف من فلسطينيي الداخل، بالإضافة إلى جميع قادة الأحزاب السياسية ووسط تغطية من قبل وسائل الإعلام العربية والإسرائيلية والأجنبية.

وافتتحت اللجنة الشعبية في أم الفحم المؤتمر الصحفي الذي تحدّث فيه رئيس البلدية ورئيس لجنة المتابعة المكوّنة من جميع ألوان الطيف السياسي لفلسطينيي الداخل، حيث عبّروا عن فرحهم بعودة الشيخ رائد صلاح بينهم، ودعوه إلى أن يأخذ دوره مجدداً كقيادي وصاحب دور فعّال في مسيرة النضال الفلسطينية.
كما أعلنوا عن الثلاثة أيام المقبلة كأيام استقبال للجماهير العربيّة للالتقاء وتهنئة الشيخ رائد صلاح.

وقدم الشيخ صلاح شكره الكبير والعميق لوالدته وزوجته وأفراد عائلته الذين واكبوه طيلة فترة سجنه، ثم وجه الشكر إلى طاقم المحامين من مؤسسة "ميزان" وجميع أبناء الشعب الفلسطيني الذين طالما تابع همومهم وبكى لحالهم في أسره في النقب جنوبي فلسطين.


لماذا أفرجوا عنه بهذا الشكل؟


وأكّد الشيخ صلاح أنّ الإفراج عنه بهذه الطريقة هو مؤشر خطير على نوايا حكومة إسرائيل.

وقال إنه لم يشكّك للحظة أنه أمر سياسي بامتياز، والهدف منه استباحة دمه، وتسليمه علانيةً ليد الشعب الإسرائيلي الذي تغذى بالعنصرية ضد كل ما يشير إلى أحقية أصحاب البلاد من الفلسطينيين في أرضهم.

ظروف عزل صعبة


وأكّد الشيخ أنه كان يمرّ بظروف اعتقال صعبة للغاية، إذ قررت سلطة السجون الإسرائيلية سجنه طيلة التسعة شهور بالعزل الانفرادي.

وقال إنه لم يكن يرى أحداً، رغم دعاوى الاستنكار والاستئناف التي قدّمها طاقم المحامين من مؤسسة ميزان، حيث زعم القضاة أنّ الشيخ صلاح هو قائد جماهيري، وقد يشكّل خطراً على أمن إسرائيل من خلال تحركاته داخل السجن والاتصال بالأسرى الأمنيين هناك.

وأضاف: "فخ العزلة قد يُطيح بالسجين ويسحق معنوياته أرضاً، حيث لا بشر تُكلّمهم أو تعبّر لهم عن همومك، ولا شيء تشاهده سوى جدران السجن".

وأردف الشيخ قائلاً "إلّا أنني بفضل الله لم أستسلم لما أرادوه لي، فوضعت لنفسي برنامجاً مُطوّلاً لمدة تسعة أشهر، قرأت فيها 80 كتاباً، وألّفتُ 4 كتب، وكتبتُ 60 دفتراً من الحجم الكبير، ونظمت 23 قصيدة، حتى شعرتُ أن وقتي ضيّق وأحتاج إلى المزيد".


محاولة لجمعه بنتنياهو


وروى الشيخ بعضاً من تفاصيل التحقيقات الطويلة التي كانت تُجرى معه، حيث ذكر أن فريق المحققين من المخابرات العامة الإسرائيلية "الشاباك" قد بدأ بمحاولة مفاوضته على الأقصى والقدس، وأن يكفّ عن اتخاذ دوره الفاعل في هذه القضية، إلّا أنه قد رفض هذه المفاوضات رفضاً قاطعاً، دون حتى الاستماع لتفاصيلها.

وأضاف الشيخ: "بعد رفضي لهذه المفاوضات عرضوا عليّ أن ألتقي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فرفضت ذلك، ثم اقترحوا عليّ أن ألتقي برئيس وزارة الأمن الداخلي "إرييه أدرعي" فرفضت ذلك أيضاً، لأنني لا أثق بهم أبداً، ولن أفاوض على ثوابت قضيتنا الفلسطينية العادلة".

ونقل الشيخ للحضور برقية سلام من جميع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ووصف معنوياتهم بالعالية، حيث لم يمنعهم السجن ولا السجّان من مواصلة ما يحبّون من الشعر والكتابة والأبحاث العلميّة المختلفة.
ووقف الشيخ خلال المؤتمر مستذكراً لحظات المساء التي كان يحادث فيها الأسرى هناك عبر النوافذ أو عبر أثير الهواء، ليتجاذبوا أطراف الحديث حول قضاياهم الخاصة وقضايا شعبهم العامة خارج الأسر.


قيود بعد الإفراج


وقال الشيخ صلاح في المؤتمر الصحفي أنّ سلطات الاحتلال قد سلّمته أمراً بتجديد منعه من السفر إلى خارج حدود إسرائيل، وقّع عليه وزير الداخلية "إرييه أدرعي"، وأمراً آخر يجدّد منعه من دخول مدينة القدس والأقصى لمدة 6 أشهر.

والشيخ رائد صلاح وهو قيادي إسلامي فلسطيني، ترأس الحركة الاسلامية في الداخل الفلسطيني منذ التسعينيات، حتى حظرها من قبل إسرائيل في 17 نوفمبر/تشرين الثاني من العام 2015 .

وقد نشط الشيخ صلاح في جميع قضايا شعبه في الداخل الفلسطيني المحتل عام 48، أبرزها قضية المسجد الأقصى المبارك.

وتعرّض للملاحقة السياسية والأمنية من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، ولمحاولات اغتيال عديدة كان أبرزها على متن سفينة مرمرة التركيّة أثناء اتجاهها إلى كسر الحصار عن غزة.

كما تم سجنه مرات عديدة كان آخرها في نوفمبر/
تشرين الثاني 2015، بتهمة التحريض على العنف بعد خطبة وادي الجوز في القدس عام 2007، والتي دفع ضريبتها السجن لمدّة 9 أشهر.