علّمت تلاميذها قيم الإسلام فهددها متطرفو ألمانيا بالقتل.. تعرَّف على السورية التي كُرّمت كأفضل كاتبة، ورأيها بالحجاب

تم النشر: تم التحديث:
S
s

تقوم المعلمة لمياء قدور التي تعيش في مدينة "دنسلاكن" في شمال الراين بتأليف كتب حول الاندماج المجتمعي، لكنها تلقّت بسبب هذه الكتابات العديد من رسائل الكراهية والتهديدات بالقتل، في حال لم تتخل عن أفكارها أو تتوقف عن تدريس الأطفال. فمن هي هذه المرأة؟

عادة ما تقود لمياء قدور سيارتها ببطء في شوارع مدينة "دنسلاكن"، وتظهر من نوافذ أقسام هذه المدرسة الثانوية أضواء برّاقـة. لو كانت الأمور تسير كما في السابق، لوضعت لمياء سيارتها في موقف السيارات، ثم ذهبت إلى القسم لتدريس مادة اختصاصها؛ وهي الدين الإسلامي، حيث تتحدث مع تلاميذ الصف عن النبي محمد، والذات الإلهية، وحياة المسلمين في ألمانيا. لا تناقش لمياء الآيات والأحكام الواردة فقط في القرآن، لكنها تطرح عليهم أيضاً مواضيع أخرى تحظى باهتمامهم، مثل قواعد التعامل بين الأولاد والفتيات في هذه السن الحرجة، وهو الدور الذي برعت فيه لمياء على مدى 13 سنة الماضية. لكن لم تقم لمياء اليوم بكل هذه الأشياء، بل التفتت لتلقي نظرة على المدرسة، ثم واصلت طريقها إلى وجهة أخرى، وفق ما ذكرت صحيفة zeit.

منذ نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2016، ولمياء تتلقى رسائل كراهية يقف وراءها المعسكر اليميني المتطرف في ألمانيا. وقد حملت هذه الرسائل تهديدات مفزعة وعبارات مثل: "سوف نأتي إلى منزلك ليلاً"، وتضمنت تهديدات أخرى بالقتل.


أعدموا لمياء


واستهلّت إحدى هذه الرسائل بعبارة "التحية لهتلر"، ثم طالب كاتبها بإعدام لمياء في غرف الغاز. وبسبب كل هذه الكراهية والتهديدات، لم تعد هذه المدرّسة، والأم البالغة من العمر 38 سنة تستطيع احتمال هذا الأمر، فقرّرت وزارة التعليم الألمانية إعفاءها من عملها مؤقتاً إلى حدود العطلة الصيفية في سنة 2017، حيث أن هذه التهديدات البشعة لم تعد تمثّل خطرا فقط على حياتها، بل أيضا على التلاميذ وزملائها في العمل.

اندلعت هذه الموجة من الكراهية التي تعرضت لها لمياء قدور بسبب إصدارها لكتابها الأخير؛ الذي تمحور حول التحدي الكبير الذي تواجهه ألمانيا، والمتمثل في كراهية الأجانب والخوف منهم؛ وهو الأمر الذي بات يهدد الديمقراطية الألمانية.

وقد تناول الكتاب مسألة الاندماج، وقالت فيه لمياء إنه "لا يكفي أن يسعى المهاجرون للتأقلم في بيئتهم الجديدة من أجل النجاح في هذه المهمة، بل يجب أيضاً على المجتمع المحلي أن يتحمل مسؤوليته، ويشارك في هذه العملية". ونادت لمياء بمقاربة جديدة سمتها "ألمانيا الجديدة التي توحدنا"، دعت فيها إلى الوحدة عوضاً عن تقسيم السكان إلى فئات، أو نشر الكراهية في المجتمع، وأكدت أن ألمانيا تعاني فعلاً من ظاهرة العنصرية.

أسالت أفكار لمياء حبراً كثيرًا، وقابلها بعض الألمانيين بصدر ضيق، وتساءل بعضهم "كيف يحق للأجانب انتقادنا نحن المحليين، وتحميلنا جزءاً من المسؤولية؟". إن هذا الأمر تسبب في خلق موجة من الغضب والكراهية. وقد اضطرت لمياء إلى تقديم شكاوى لدى الشرطة الألمانية في 100 مناسبة.

إنّ لمياء قدور ليست معلّمة فقط، بل كانت أيضاً لسنوات صوتاً مهماً من الأصوات المسلمة في ألمانيا، ففي عديد الكتب والمقالات التي صاغتها، كانت لمياء تدعو إلى فكرة الإسلام الليبرالي، حيث انتقدت المسؤولين والجمعيات الإسلامية في ألمانيا، بسبب الدور السلبي الذي تلعبه، وهو ما جلب لها كراهية هؤلاء أيضاً. ولذلك، فإن لمياء تعودت خلال مسيرتها المهنية والفكرية على أن تكون مُستهدَفة من قِبل المسلمين المتشددين واليمين المتطرف العنصري في ألمانيا.

ويتساءل كثيرون: من هي هذه المرأة التي تتلقى دعوات في كل برنامج حواري في القنوات الألمانية، عندما يدور الحديث حول الإسلام في ألمانيا، وتُستشار أيضاً في كل مرة تطرح فيها مسألة الحجاب والاندماج والمجموعات الإسلامية. ما الذي يدفع هؤلاء لطلب رأيها؟


قصة لمياء


تجيب لمياء عن كل هذه الأسئلة، وتروي لنا قصتها، وهي جالسة في محل لبيع الدجاج والكباب في مدينة "دنسلاكن" قرب المجمع التجاري "إديكا". إن هذه المنطقة يُنظر إليها على أنها معقل للإسلاميين في منطقة شمال الراين، وهذا المطعم المسمى "بوجاز"، والذي يقدّم الوجبات التركية يحظى بإقبال كبير من قِبل الأتراك والألمانيين أيضاً. وتعلّق لمياء مازحة: "عندما يتعلّق الأمر بالطعام، فإن الاندماج يسير بشكل جيد جداً هنا".

كانت لمياء قدور ترتدي قميصاً أزرق، وشعرها مكشوف، وقد قدِم والداها من سوريا إلى ألمانيا في سنة 1976. كان والدها ميكانيكي طائرات، وعمل في ألمانيا في خط تجميع في أحد المصانع، أما ابنته لمياء فقد وُلدت سنة 1978 في مدينة آهلن. وخلال سنواتها الأولى، ترعرعت في حي على أطراف هذه المدينة. وكان يعيش في هذه المنطقة عديد الأجانب أغلبهم من الأتراك. لاحظت لمياء هناك وجود انقسام بين نحن (المهاجرون) وهم (الألمان).

وكانت ترى أن هذا الانقسام يتم ترسيخه من قِبل الطرفين، إلا أنها تعاملت مع هذا الأمر بذكاء، حيث أنها كانت تتحدث بالعربية مع والديها، لكنها تعلمت اللغة الألمانية في الحضانة أثناء لعبها مع أقرانها. لقد فعلت كل هذا دون أن يلاحظ أحد ذلك، وسار الأمر بشكل جيد. وقبل دخولها للمدرسة الابتدائية، انتقل والداها للعيش في مركز المدينة، أو ما يُعبَّر عنه ب"المربع الألماني". كانت هذه خطوة كبيرة حسب لمياء، أكسبتها تجربة جديدة. وكان من بين الجيران الألمانيين سيدة لطيفة، تقرأ القصص الجميلة لأطفال عائلة قدور.

عانت لمياء في هذه الفترة من الانقسام، حيث كان يُنظر إليها في منزلها على أنها عربية، أما في المدرسة فالجميع يعتبرها أجنبية، أو بعبارة أوضح "من الأتراك"، أما هي فقد كانت تشعر في داخلها بأنها عربية وألمانية في نفس الوقت، حيث أنها تعلمت كلا اللغتين، وحظيت أيضاً بامتياز تعلم اللغة التركية. وعلى عكس العديد من زميلاتها في المدرسة، كانت لمياء تواظب على حضور دروس رياضة الجمباز، وكان والداها رغم كل شيء يؤمنان بأهمية التعليم ويشجّعانها على التعلم، كما أن مدرّسيها كانوا يؤمنون بقدراتها، ويقولون لوالديها: "إذا كانت تريد تحقيق شيء ما، فإنها ستتمكن من تحقيقه". وهذا بالضبط ما أرادته لمياء.

ما زالت لمياء إلى حد الآن في اتصال مع معلميها، وخاصة السيدة ليبر، فبعد ظهورها المتكرر في التلفاز، كتبت هذه المعلّمة رسالة إلى تلميذتها السابقة. وحضرت السيدة ليبر مؤخراً في إحدى المناسبات للتعرف على كتابات لمياء، وأحضرت معها ألبوم صور لسنوات طفولتها في المدرسة. وتقول لمياء: "إن تصرفات الناس، ومواقفهم مرتبطة بشكل كبير بطباعهم كأفراد، والاندماج دائما ما يرتبط بكل فرد، وما يؤمن به، لكن المشكل اليوم هو أن أغلبية الأفراد يشعرون بالخوف من الغرباء".

في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أصدرت مؤسسة "فريدريخ إيبرت" دراسة بعنوان "الوسط المتشعب والولايات العدائية". وجاء في هذه الدراسة أن %40 من المستجوبين يعتقدون أن المجتمع الألماني مهدَدٌ من قِبل الإسلام، وأظهرت استطلاعات رأي أجراها المعهد الألماني لسبر الآراء "إيبسوس" في الأسبوع الماضي أن أغلب المستجوبين يعتقدون أن نسبة المسلمين في ألمانيا تبلغ %21، رغم أن هذه النسبة في الواقع لا تتجاوز 5%.

وخلال سنوات التسعينيات، كان "المهاجرون" يُسمون "الأجانب". وقد وجدت لمياء هذا الأمر غريباً، فهي لم تهاجر إلى ألمانيا، بل ولدت فيها. ورغم أنها لم تشعر أبدا بالتمييز العنصري والاضطهاد، فإنها لم تكن في نفس الوقت تشعر بالانتماء الكامل لهذا المجتمع. كانت لمياء في سنوات الدراسة تهوى لعبة كرة السلة، وهو أمر مفاجئ بالنظر إلى قِصر قامتها، لكنها كانت تعرف أيضا كيف تتدبر أمرها في بقية الرياضات.

وقد ظهرت ذات مرة في صحيفة "آبي"، وكتبت تحت صورتها عبارة "المرأة القوية مثل رمبو". لقد اختارت لمياء عوضاً عن دراسة الاقتصاد كما كان أبواها يتمنيان، أن تتجه إلى مجال علوم التدريس والدراسات الإسلامية في جامعة "مونستر". واليوم، باتت مسألة الإسلام تحتل مكانة كبيرة في تفكيرها ونشاطها، فوالداها يُعتبران مسلمين معتدلين، وأمها ترتدي الحجاب. هما لا يفضّلان طرح الأسئلة فيما يتعلق بالأحكام الدينية، لكن لمياء تقوم بطرحها طوال الوقت، حيث تقول: "هذا الأمر أثار غضب والدتي، وسبب لي مشاكل معها".

وبعد تخرجها من الجامعة، أرادت لمياء مواصلة أطروحة الدكتوراه، لكنها لم تتمكن من ذلك في منطقة شمال الراين. وذهبت في طريق مغاير بعد تخصصها في تدريس العلوم الإسلامية. وفي فترة كانت فيها وزارة التعليم تعاني من نقص في المدرسين، تلقّت لمياء عرضاً من الوزارة، وقبلت به، وقد أدّت عملها على أكمل وجه، بشهادة الجميع. وعندما كان ممثلو وزارة التعليم يزورونها في القسم، كانوا يشعرون منذ البداية بأن لمياء مختلفة عن بقية المدرسين، فقد كان تلاميذها يكنون لها احتراماً وإعجاباً كبيرين، وكانوا متعلقين بها كثيراً. وقد كان واضحاً من طريقة تعاملهم معها، أن هؤلاء الشبان يشعرون بأنها "واحدة منهم"، كما عبّر عن ذلك أحدهم.


أعجب رجال الإعلام والسياسة في ألمانيا بأسلوبها


فقد كانت لمياء قدور تمنحهم أكثر من مجرد درس يتعلمونه من أحد رجال الدين المحافظين الأتراك الذين كانوا يأتون لتقديم الدروس، بل إنها فتحت الباب أمام تقديم أفكار إسلامية عصرية متطورة ومناسبة لألمانيا. وقد أعجب رجال الإعلام والسياسة في ألمانيا بأسلوبها في شرح الأمور لتلاميذها. وحصلت بسبب ذلك على عديد الجوائز والتكريمات، إلا أن رؤساء الجمعيات الممثلة للمسلمين في ألمانيا كانوا يشعرون بالاستياء تجاهها، حيث اعتبروا أن قدور ليبرالية أكثر من اللازم، ووصفوها بأنها تدرّس "إسلام لايت".

رغم العطلة الممنوحة لها من قِبل وزارة التعليم، فإن لمياء لا تشعر بفراغ كبير منذ انقطاعها عن التدريس، فقد كانت ساعات عملها قبل ذلك لا تتجاوز 10 ساعات أسبوعياً. وكانت تزاول عملها أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس فقط. وكانت تقضي بقية وقتها في الاهتمام بأطفالها، وممارسة بقية هواياتها ونشاطاتها: وهي تأليف الكتب وحضور الندوات الحوارية بشكل أسبوعي. وخلال الأسبوع الماضي، بدأت مشروعاً جديداً يهدف للحد من معاداة السامية في صفوف الشبان المسلمين. وقد جاء رئيس البرلمان الألماني نوربرت لامرت إلى مدينة دويسبورغ لحضور حفل الافتتاح. وحظيت لمياء باهتمام إعلامي كبير، وظهرت في حوارات مع عدة قنوات وصحف مطبوعة، مثل "زود دويتشه تسايتنغ"، وصحيفة المدرسة التي تعمل فيها، وعديد البرامج الحوارية الأخرى.

وتقول لمياء: "لم أكن أطمح لبلوغ هذه الشهرة والشعبية، ولكنني وجدت نفسي في هذا الوضع دون تخطيط مسبق". وقد حققت لمياء شهرتها للمرة الأولى بعد صدور كتابها الأول "قرآن للأطفال". وقد ألّفت هذا الكتاب عندما توصلت إلى قناعة مفادها أن الكثير من المراهقين المسلمين في ألمانيا لا فكرة لديهم حول دينهم، ولا يعرفون شيئاً عن القرآن الذي يُعدّ أصل التشريعات والفكر الإسلامي. وبسبب هذا الكتاب، تعرضت لمياء لموجة من الانتقادات من قِبل الجمعيات الإسلامية في ألمانيا، وتتساءل لمياء دائماً عن الدافع الحقيقي وراء موقفهم. ولذلك تشعر بالانزعاج لأن رؤساء الجمعيات الإسلامية يعطون لأنفسهم الصلاحيات المطلقة لتفسير الإسلام في ألمانيا حسب أهوائهم، رغم أن هؤلاء لا يمثلون سوى نسبة صغيرة من المجتمع الألماني. وقد واجهت لمياء قدور أيضاً هجمة شرسة من هؤلاء، عندما اعتبرت أن ارتداء الحجاب أمر يمكن الاستغناء عنه في ألمانيا، حتى إذا كان ذلك يعيق نجاح المرأة في مسيرتها المهنية، وهو ما اعتبره الكثيرون تجاوزاً للخطوط الحمراء.

وتتساءل لمياء: من يمثل المسلمين الذين يشاركونني نفس الأفكار، من الذي يمنحهم صوتاً ويسمح لهم بالتعرّف على فهم للإسلام عوضاً عن الجمعيات والمنظمات المحافظة التقليدية التي تحتكر تمثيلهم؟ وقد أجابت لمياء على كل هذه التساؤلات من خلال انضمامها في سنة 2010 للاتحاد الإسلامي الليبرالي في ألمانيا، وهي جمعية تنادي بالتعددية في المجتمع الألماني والتحرر من الأفكار القديمة حول الدين، ورغم أن عدد أعضاء هذه الجمعية كان محدوداً في البداية، فإنه بات الآن في تزايد مستمر.

يناصب المحافظون العداء لدعاة الليبرالية والتجديد في ألمانيا، ويسعون دائماً لتشويه صورة من يخالفهم الرأي. وقد أعلن الداعية السلفي بيير فوغل، من خلال مقطع فيديو على موقع اليوتيوب، أن هؤلاء الذين يطرحون أفكاراً جديدة هم مرتدّون خرجوا عن الدين الإسلامي. كما وردت في العديد من رسائل الكراهية التي تلقتها لمياء من هؤلاء السلفيين، عبارة "سوف تذهبون إلى الجحيم". وجاءت بعض هذه الرسائل من حيّ "لوهبرغ".


ألفت كتاباً حاز لقب الأفضل خلال العام


في هذا الحي بالذات، بدأت لمياء مسيرتها في عالم التدريس، لكن هذا الحي أيضاً خرج منه حوالي 20 شاباً التحقوا بالمنظمات المتشددة في بؤر التوتر، وكوّنوا "كتيبة لوهبرغ". درّست لمياء 5 من بين هؤلاء المقاتلين في سنوات سابقة، قبل أن يتعرضوا لغسيل دماغ، ويصبحوا متطرفين. وتشعر لمياء إلى اليوم بأن ذلك يمثّل هزيمة لها،. وقد ألفت كتاباً حول هذه الظاهرة بعنوان "لماذا يتم جرّ الشباب الألماني إلى الجهاد؟"، وتحصّل هذا الكتاب على جائزة العام لأفضل كتاب سياسي.

يعيش في حي لوهبرغ حوالي 6000 ساكن، معظمهم من أصول تركية. تأسست هذه المنطقة التي على يد عمال المناجم، وتحتوي اليوم على مواقع تاريخية محميّة من قبل إدارة الآثار. ولا يبدو الحي اليوم أبداً كأنه حي فقير أو معزول، يقتصر على المسلمين. وخلال جولة مع قدور في شوارع الحي، يمكن رؤية الأعلام التركية، وأيضاً الألمانية تتدلى من الشبابيك، والنساء يرتدين الحجاب، ويقمن بأعمالهن اليومية في الحدائق أمام المنازل. وتقول قدور: "حي لوهبرغ يبدو مثاليا من النظرة الأولى، لكنه في الواقع يعاني من مشاكل عميقة، فمنذ غلق المناجم أصبح الحي يعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة، ووراء هذه الواجهات المزيّنة والهدوء هنالك عائلات تحطمت بسبب غياب فرص العمل، ورجال يعانون من البطالة وشباب يواجهون غياب الفرص. والعديد من التلاميذ الذين درسوا عند لمياء أصبحوا يواجهون مشاكل قانونية، وبعضهم يقبع في السجن، فالمراهقون الذين يمرّون بمرحلة حساسة من حياتهم يعانون عادة من الهشاشة النفسية، ويكونون عرضة للاستقطاب والتجنيد من قِبل التيارات السلفية المتشددة. واليوم، يحتاج هذا الحي إلى عمل كبير من أجل دعم الاندماج، لمعالجة المشاكل التي تفاقمت في السنوات الماضية.

وتواجه لمياء مشكلة كبيرة في هذا المجتمع من كلا الطرفين، فهي تحتاج باستمرار لتبرير أفكارها وآرائها كمسلمة، وتتعرض لاتهامات روتينية بسبب قيام مسلمين بعمليات قتل من أجل الشرف، وتزويج فتيات صغيرات قسرًا، بينما يساند آخرون الإرهاب. وتشعر لمياء بالاستياء، لأن الحوار المجتمعي في ألمانيا أصبح تحت سيطرة المتشددين من كلا الطرفين، ما أدى إلى تحوله إلى صراع بين من يعانون من الإسلاموفوبيا والعنصرية من جهة، والمسلمين المتشددين من جهة أخرى. ولكن رغم ذلك، توفر ألمانيا للمسلم العادي فرصة عيش حياة بسيطة وهادئة، شعارها في ذلك: "بالنسبة لي ليس هناك تناقض بين أن تكون مسلماً وألمانياً في نفس الوقت". وهي تسعى لتحقيق هذا الشعار في ألمانيا وإثبات صحته، من خلال كتاباتها وحياتها اليومية.

وتتعرض لمياء أيضاً إلى هجمات حزب "البديل من أجل ألمانيا" المعروف بتبني أفكار عنصرية ومعاداة اللاجئين. وقد ألّفت قدور عديد الكتب الجيدة، ومثلت أفكارها محور نقاشات عديدة في المجتمع والإعلام الألماني تمحورت في أغلبها حول الأجانب، الذين باتوا يواجهون مشكلة انتشار التطرف والانغلاق في المجتمع الألماني الذي بدأ يتأثر بالخطاب القومي المعادي للآخر. ويتبنى هؤلاء خطاباً عدائياً. وكثيراً ما تختلط حججهم بالأحكام المسبقة، ويحاولون تحديد الأشياء التي يمكن التحاور بشأنها، والأشياء غير القابلة للنقاش. ويتهم كثيرون لمياء بإظهار نفسها في صورة الضحية، والمبالغة في تضخيم الانتقادات التي تتعرض لها، وتسعى لاستثمار ذلك من أجل زيادة مبيعات كتبها، إلا أن دفع لمياء للإجابة عن هذه التهم: "يحاول الأشخاص الذي يدّعون ذلك ردعي عن مواصلة طرح أفكاري، ولكنني لا أهتم".

تؤكد لمياء قدور على أنها لن تستسلم أمام موجات الكراهية والانتقادات التي تتعرض لها، بل إنها تسعى لحصد المزيد من التقدير والإعجاب من قِبل من هم مستعدين لتقبل أفكارها. وتقول لمياء: "عندما أتحدث عن الهوية الألمانية الجديدة، فإنني لا أعني أبداً أن يتخلى كل طرف عن هويته القديمة. إن كلمة إقصاء يجب التخلي عنها بشكل نهائي، ويجب علينا أن نتوقف عن تصنيف الناس إلى ألمانيين أو مسلمين. يجب أن ننجح في القيام بعملية الإدماج، وأن نحدد معايير جديدة لتصنيف الناس بعيدا عن انتماءاتهم وهوياتهم". ولكن تبقى إجابة لمياء غامضة، فهي لم تحدد هذه المعايير والتصنيفات الجديدة. وجلّ ما يشغل بالها الآن هو إقامة حوار بناء في المجتمع الألماني؛ حوار يدور حول فكرة "النقاط المشتركة التي توحدنا".

لم يقتصر طموح قدور على ممارسة مهنة التعليم، بل أرادت أيضاً إلغاء جميع المظاهر السلبية للمجتمع. وفي تدوينة لها على موقع فيسبوك، قالت قدور: "نعم هم يريدونني أن أصمت، ولكنني لن أصمت. لقد حان الوقت لانفتاح الرأي العام في البلاد".

وبعد يوم من اللقاء معها في دنكسلاكن، أرسلت إلينا لمياء رسالة إلكترونية تطلب من خلالها ذكر أقل قدر ممكن من المعلومات حول عائلتها، لأسباب تتعلق بسلامتها. كما قامت بنقل عدد من الرسائل التي تلقتها، من بينها: "حان الوقت لتحرير أوروبا، اذهبي إلى الجحيم"، وأيضاً: "اذهبي بعيداً إلى المملكة العربية السعودية، إذا لم يعجبك الوضع هنا". لكن لمياء لا تنوي الرد على هؤلاء، والانقياد لهذا الأسلوب.

"هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Zeit الألمانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا".