الوحدة الكردية في شمالي العراق.. هل صارت "كذبة"؟

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

كان المطر يهطل بغزارة عند وصولنا إلى مطار أربيل الدولي. وأمام جناح الخطوط الجوية العراقية، وكذلك منطقة تسلم الأمتعة، تم وضع دلاء بلاستيكية لاحتواء الماء الذي يقطر من السقف. ويتوجب على المسافرين الانحراف قليلاً عن مسارهم من أجل تفادي هذه الدلاء وبقع الماء. يحدث كل هذا رغم أن المطار أنشئ قبل سبع سنوات فقط، وسط احتفالات كبيرة واهتمام إعلامي واسع.

وكانت حكومة إقليم كردستان قد صرَّحت بأن كلفة هذا المشروع الضخم بلغت 550 مليون دولار، وهو مجهز بتقنيات متطورة، من الأسقف المتموجة، إلى الواجهات البلورية، وزخارف أخرى مصنوعة من مواد مثل الكروم والمعادن. كان هذا المطار في السابق رمزاً لصعود وازدهار الإقليم، لكنه اليوم أصبح يرمز للحالة المتردية التي تعيشها هذه المنطقة، التي تطلق على نفسها "دولة كردستان".


مساعدات.. وما جدواها؟


ورغم هذا الوضع المتردي يشارك إقليم كردستان في الحرب على تنظيم "داعش" في الموصل، من خلال قواته المعروفة بـ"البشمركة"، وفي هذا الإطار يتلقى دعماً غربياً واضحاً.

فقبل أربعة أيام، طلبت الحكومة الفيدرالية الألمانية تمديد مهمة قواتها في شمال العراق، وتتمثل هذه المهمة في قيام 150 جندياً ألمانياً بتدريب القوات العراقية لسنة أخرى. وتتكون هذه القوات في معظمها من مقاتلي البشمركة الأكراد المتواجدين في أربيل. ومن المتوقع أن يوافق البرلمان الألماني "البوندشتاغ" على التمديد، لأن هناك إجماعاً على أن هذه المهمة "آمنة ومفيدة"، بحسب صحيفة زيت الألمانية 14 يناير/ كانون الثاني 2017.

كما منحت ألمانيا 100 مليون يورو في شكل مساعدات عسكرية للعراق خلال السنة المنقضية، بالإضافة إلى التدريب على القيام بمهام قتالية واستعمال السلاح، وتمويل عمليات تسليح لقوات البشمركة.

وفي خضم هذه الحرب ضد ما يسمى بتنظيم داعش، تشارك 65 دولة، من بينها الاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى وكالة الشرطة الدولية (الإنتربول) في التصدي للتنظيم الإرهابي.

لكن رغم ضخامة الجهود العسكرية المبذولة، فإن آثارها تبدو ضعيفة في الحرب على الإرهاب، وخاصة معركة استعادة الموصل. وفي المقابل، فإن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في إقليم كردستان العراق تزداد صعوبة وتعقيداً كل شهر، فالسكان يحصلون على التيار الكهربائي لفترة قصيرة لا تزيد عن ساعتين أو أربع ساعات يومياً. فضلاً عن انقطاع إمدادات المياه.

وفي مدينة السليمانية التي تمثل ثاني أكبر مدن إقليم كردستان العراق، لا تأتي المياه أكثر من مرة واحدة في الأسبوع. ولتعويض هذا التقصير في الخدمات العمومية قام السكان بتركيز خزانات ضخمة للمياه فوق أسطح منازلهم، لكن في ظل موجة البرد التي تعاني منها المنطقة حالياً يمكن أن تتجمد المياه في الخزانات دون أن تنزل منها قطرة واحدة.

أما الوقود الذي يحتاجه الناس بشدة للتدفئة والتسخين فقد ارتفعت أسعاره بشكل عجز معه السكان عن تحمُّل هذا الغلاء، ويلاحظ الزائر للمدينة عدم وجود أي منازل قيد الإنشاء في هذه المدينة.


الأطفال لا يذهبون إلى المدارس


إن مجال العمل الوحيد الذي لا يزال يسمح للناس بكسب المال هو بناء الحاويات المانعة لتسرب الماء، والقاطرات التي يعتمدها اللاجئون للاحتماء من قسوة الشتاء. ويأتي المال المخصص لهذه الأعمال من عدة دول مانحة ومنظمات إغاثة دولية، أما الاستثمارات الخارجية التي كانت تتدفق على إقليم كردستان العراق منذ عشر سنوات فقد توقفت الآن.

غادرت أغلب الشركات النفطية هذه المنطقة، إذ إن الحكومة الإقليمية لم تعد تسدد لهذه الشركات نصيبها من الأرباح، وامتنعت أيضاً عن تسديد أجور المدرسين والأساتذة الجامعيين وموظفي القطاع العام. وعلى مدى خمسة أشهر، اضطر أغلب الموظفين للتنازل عن أجورهم أو الحصول على نسبة 25% منها فقط.

وفي محافظتي السليمانية وحلبجة، دخل المدرسون والأساتذة الجامعيون في إضراب مفتوح. وقد تعطَّلت الدراسة منذ شهر أيلول/ سبتمبر الماضي 2016.
أما في الفترة الأخيرة، فقد باتت وزارة التعليم في كردستان تهدد بإلغاء العام الدراسي برمته. وبسبب هذه الظروف السيئة، أصبح كثيرون يفضلون الرحيل إلى مكان آخر. ومن بين مئات الآلاف من اللاجئين العراقيين الذين وصلوا إلى أوروبا، هناك عدد كبير من الأكراد القادمين من شمالي العراق يبحثون عن اللجوء في ألمانيا.


الرئيس يرفض التنازل عن منصبه


يقول التجار من كبار السن في أسواق أربيل، إن الأزمة الاقتصادية الحالية هي الأسوأ على الإطلاق منذ بداية التسعينات. في ذلك الوقت، كان الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق بعد غزو الكويت يُلحق ضرراً بالغاً بالاقتصاد في شمالي البلاد، وكان الغذاء يُوزَّع عن طريق بطاقات الإعانة.

لكن حتى في ذلك الوقت، كانت الأموال تتدفق على شمالي العراق من أجل إعادة بناء القرى الكردية والمدن التي دمرها جيش صدام حسين، الذي كان وقتها يتهم الأكراد بالتحالف مع إيران، وأرسل دبابات وأسلحة محرمة مثل الغاز السام، وأطلق حملة غير مسبوقة ضد هذا الجزء الكردي من العراق. ولكن سبب الأزمة اليوم مختلف تماماً عما كان عليه في عهد صدام حسين.

فهذه المنطقة التي كانت مزدهرة في الماضي، تعاني اليوم بسبب الحرب على تنظيم الدولة "داعش"، وتدفق عدد كبير من اللاجئين، وانهيار أسعار النفط، وتفشِّي الفساد.

ومن جهة أخرى، دخلت القوى السياسية للإقليم في صراع مرير، لا أمل في نهايته، فأنصار رئيس الإقليم، مسعود البرزاني يناصبون العداء للرئيس السابق جلال طالباني، كما أن حزب كوران المعارض يقف في قلب هذا الصراع، بعد أن عبَّر عن ندمه على المشاركة في تحمل المسؤولية في الحكومة الحالية. ويسعى الحزب الآن لاتخاذ مواقف معارضة، وهو أمر لا يخفيه المتحدث باسمه شورش رسول.


لا شيء بقي من هذه الوحدة


شورش رسول، رجل صغير الحجم، وقد تصرَّف ببرود عندما دعانا لشرب الشاي في مكتبه في المقر المركزي لحزب كوران في مدينة السليمانية. ومنذ إعلان البرزاني عن معاداته للحزب، وتحميله أعضاء وأنصار هذا الحزب المسؤولية عن كل ما يحدث في الإقليم، ظهرت الخلافات السياسية القديمة، ثم عادت لتطفو على السطح.

كان سقوط نظام صدام حسين في سنة 2003 قد دفع بالأكراد نحو الوحدة، رغم أنهم تورطوا سابقاً في حرب أهلية. ونتج عن هذه الوحدة حكومة وحدة وطنية في أربيل، انضمت إليها كل القوى الكردية في إقليم كردستان. واجتمعت كل هذه الأطراف على أهداف مشتركة، وعملت بتناغم مع الحكومة المركزية في بغداد. وقد تمتع الأكراد بنفوذ كبير أكثر من أي وقت مضى داخل الدولة العراقية، وتمتعوا أيضاً بقدر من الحكم الذاتي لم يحظوا به من قبل، ما سمح لهم أخيراً بالوقوف وقفة رجل واحد.

عندما قرر بعض الأعضاء الغاضبين من حزب الاتحاد الوطني بكردستان الانفصال عن الرئيس السابق جلال طالباني في سنة 2009، احتجاجاً على تفشي الفساد والمحسوبية في أكبر حزبين في الإقليم، شكَّل هؤلاء حزب كوران الذي يعني في اللغة الكردية "التغيير"، وأصبح اسماً للحزب وللبرنامج الذي يعتزمون تنفيذه. وفي هذا السياق، يقول شورش رسول: "نريد نظاماً برلمانياً في كردستان".


البرزاني والشرعية المفقودة


سعى الرئيس البرزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني للتمسك بالسلطة من خلال الدفع نحو نظام رئاسي. وفي انتخابات أيلول/ سبتمبر في سنة 2013، أصبح حزب كوران ثاني أقوى طرف سياسي بعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم.

وينص دستور إقليم كردستان على أن الفترة الرئاسية لمسعود البرزاني تنتهي بعد انقضاء عهدتين، لكن هذا السياسي البالغ من العمر 70 عاماً ما زال لا يفكر في التقاعد. ولذلك مدّد برلمان الإقليم بقاءه في منصب الرئاسة سنتين إضافيتين، في مخالفة واضحة للدستور.

وبمناسبة التمديد الثاني للرئيس البرزاني في نهاية سنة 2015، أصدر هذا الأخير قراراً بمنع رئيس البرلمان، المنتمي لحزب كوران، من الدخول إلى مدينة أربيل. ورداً على ذلك، قرر الوزراء المنتمون لكوران الانسحاب من الحكومة ومن المواقع الإدارية الأخرى، مثل منصب عمدة عاصمة إقليم كردستان، كما نجح الحزب المعارض في تشكيل تحالف (أغلبية) ضد التمديد لفترة أخرى لبرزاني. ولم يجتمع برلمان الإقليم مرة أخرى منذ ذلك الوقت، بينما يواصل البرزاني الإمساك بمقاليد الحكم دون شرعية.

لم ينعكس هذا الانقسام الحزبي في إقليم كردستان على البرلمان فقط، بل أيضاً على مقاتلي البشمركة.

تدين هذه الميليشيات المكونة من نحو 70 ألف مقاتل، في بعض تشكيلاتها بالولاء إما للبرزاني أو الطالباني. وقد أدى العداء السياسي بين الحزبين إلى تعقيد الأمور وعرقلة أي تنسيق بين مختلف المجموعات المسلحة، خاصة في منطقة كركوك التي يقاتل فيها الطرفان من أجل السيطرة السياسية. ويعاني حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة طالباني من انقسامات أخرى داخلية، خاصة أن الأموال الناتجة من بيع النفط لم تُوزع بشكل عادل من قِبل السلطات في إربيل، التي لا تقوم بدورها بشفافية كاملة. وفي السليمانية أيضاً يقول الأهالي إن الطرف الوحيد الذي لا يزال يحصل على الأموال هم عناصر البشمركة.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Zeit الألمانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.