"تحقيقات تطفلية" لـ FBI تثير مخاوف المسلمين في أميركا من المراقبة الأمنية

تم النشر: تم التحديث:
S
س

في ظُهر يوم الجمعة الذي سبق إجراء انتخابات الرئاسة الأميركية، كان أحمد جالساً مع أسرته في المنزل عندما سمع قرعاً على الباب. فتح الباب وهو يرتدي قميصاً داخلياً وسروالاً قصيراً، ليجد أمامه رجلين يرتديان ملابس غير رسمية. لقد كانا من مكتب التحقيقات الفيدرالي.

تفاجأ أحمد، الذي يعمل طبيباً، والذي قال إنه لم يرتكب أي مخالفاتٍ طوال حياته، ولو حتى مخالفةٍ مرورية، في بداية الأمر، ثم شعر بالخوف، وفقاً لما جاء في صحيفة "الغارديان" البريطانية.

وقال أحمد، الذي غيّر اسمه خوفاً من الأعمال الانتقامية، لصحيفة الغارديان: "لم أكن أعرف حقوقي، لم أكن أعلم أنه يمكنني أن أطلب منهم المجيء في وقتٍ آخر، أو أن أرفض التحدث إليهم".

أحمد كان واحداً من بين 109 أشخاص على الأقل اتصلوا بمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (Cair) وقالوا إن مكتب التحقيقات الفيدرالي قد زارهم قبل إجراء الانتخابات الرئاسية بأيام. وزاد فوز دونالد ترامب من المخاوف من تشديد المراقبة الأمنية ضد المسلمين، واحتمالية تسجيل المسلمين من قبل السلطات الأميركية.

لكن ذلك حشد بعض الناشطين أيضاً لتصعيد اعتراضاتهم ضد قوانين مكتب التحقيقات الفيدرالي القائمة بالفعل، التي تسمح بإجراء عمليات مسح أمني تستهدف المسلمين.

وقالت عالية سالم، المديرة التنفيذية لمكتب مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية في مدينة فورت وورث بولاية دالاس: "نرى الناس يحتشدون وكأن اليوم هو نهاية العالَم. لم نكن سنجري هذه النقاشات لو كانت هيلاري كلينتون هي التي فازت في الانتخابات".

في منزل أحمد، أخبره العملاء الفيدراليون بأن لديهم معلومات تفيد باحتمالية وقوع هجوم إرهابي في يوم الانتخابات، بعد مقتل القيادي في تنظيم القاعدة فاروق القحطاني في غارةٍ جوية أميركية بأفغانستان. وأرادوا توجيه بعض الأسئلة له فقط.

وقال أحمد عن اللقاء: "حينها، قُلت لهم: دعوني أرتدي قميصي وسأعود لكم".

سمح أحمد للعملاء بدخول منزله، وجلسوا على أريكته لمدة 45 دقيقة. أحمد مواطن أميركي، لكنه باكستاني الأصل، وقد سافر إلى وطنه مراتٍ قليلة في العقد الماضي. واستجوب العملاء الفيدراليون أحمد عن تاريخه ليعرفوا المزيد من المعلومات عن عائلته، وتبرعاته الخيرية، وهواياته، وما إلى ذلك. ولم يتكرر سؤالهم عن القيادي بتنظيم القاعدة.

ونشرت عالية سالم فيديو على موقع تويتر لتوعية المسلمين بحقوقهم إذا تعرَّضوا للاستجواب من العملاء الفيدراليين، وذلك بعد أن تلقَّى مكتبها اتصالاً هاتفياً. وانتشر الفيديو انتشاراً واسعاً، وفتح الباب أمام عشرات المكالمات من أشخاصٍ تعرَّضوا لمواقف مشابهة لما تعرّض له أحمد.

ولم يستجب مكتب التحقيقات الفيدرالي لطلب صحيفة "الغارديان" بالتعليق على الأمر.


فيض من المكالمات


وذَكَر حسن شيبلي، المدير التنفيذي الرئيسي لمكتب مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية في ولاية فلوريدا، أنه قد تلقى أيضاً فيضاً من المكالمات من مواطنين مسلمين معظمهم باكستانيون أو أفغانيون، والعديد منهم أطباء.

وقال شيبلي: "اكتشفنا أن هذه الحملة الأمنية شملت جميع أنحاء البلاد، وهي حملةٌ معتمدة اعتماداً أساسياً على الدين والعِرق". وأضاف أحمد أن حدوث ذلك في وقتٍ قريب من الانتخابات قد يكون سبباً في عزوف بعض الناخبين عن المشاركة.

وأضاف أن المكالمات وردته من 12 ولاية مختلفة، إذ قال مواطنون مسلمون إنهم تعرّضوا لزياراتٍ من عملاءٍ فيدراليين، سألهم فيها العملاء عن مقتل القحطاني، وأرادوا توجيه المزيد من الأسئلة. وقالت عالية إنَّهم استقبلوا 220 مكالمة، معظمها من رجالٍ تعود أصولهم إلى جنوب آسيا وأفغانستان، وتتراوح أعمارهم من 18 عاماً إلى 60 عاماً، ومعظمهم متخصصون، وأشخاصٌ غيّروا حالة الهجرة الخاصة بهم مؤخراً.

وجاء اليوم الذي تلى تلك الحملة الأمنية ليحمل الخبر الصادم بفوز ترامب، والذي جَلَب معه المخاوف من تحقيق تهديداته باتخاذ إجراءاتٍ صارمة ضد المسلمين. ثم تبِع ذلك بفترةٍ وجيزة زيادةً في الإبلاغ عن وقوع جرائم كراهية مزعومة. وقالت عالية إن الخوف من رئاسة ترامب في الفترة المقبلة فتح الباب أمام نقاشاتٍ حول العديد من الإجراءات التي تعرّض لها المسلمون أثناء ولاية باراك أوباما.

وقال مايك جيرمان، العميل السابق بمكتب التحقيقات الفيدرالي، والزميل بمركز برينان للعدالة، إنَّ الحملة الأمنية التي قام بها مكتب التحقيق الفيدرالي قبل الانتخابات قد دقت أجراس الإنذار فيما يتعلق بالحقوق المدنية.

وأضاف: "إنَّها فكرة صادمة نوعاً ما أن يتخذ مكتب التحقيقات الفيدرالي هذا الإجراء قبيل الانتخابات الرئاسية، خاصةً عندما يكون تفسيرهم لهذا الإجراء هو تهديدٌ محتمل يوم الانتخابات، وهذا يعني ضمنياً أن الذهاب إلى التصويت سيكون أمراً خطيراً، وأن مكتب التحقيقات الفيدرالي يستهدف فئاتٍ معينة وفقاً لمعتقداتها الدينية، أرى أن هذا الأمر غير مقبول".

وأكد أنَّ ما حدث من انتشار العملاء في هذا الكم الهائل من الولايات يشير إلى أنهم لا يمتلكون معلوماتٍ دقيقة جداً.

وأشار جيرمان إلى أنه "عندما يشرع عميلٌ فيدرالي في إجراء أحد التحقيقات، فإنه يبحث عن قِطَعٍ دقيقة جداً من قطع الأحجية يظن وجودها عند الشخص الذي يستجوبه. لكن يبدو أن ذلك لم يحدث في هذه الحالة".

وقال إنَّ هذا الاستهداف الواسع للمسلمين قد حدث في الماضي.

وهذا أسلوبٌ مشابه لما يُستخدَم ضد الناشطين السياسيين قبل المؤتمرات، أو التنظيمات الإجرامية التي يشتبه مكتب التحقيقات الفيدرالي بتدبيرها لإحدى الهجمات، وذلك لوضع بعض الأشخاص تحت الملاحظة.

وأصبح مسموحاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي بإجراء حملات مسح أمني موسَّعة بعد إقرار بعض التساهلات في التوجيهات الخاصة بإجراء التحقيقات أثناء ولاية جورج بوش الابن، بقرارٍ من النائب العام في عام 2008، مايكل موسكاي.

إذ عدَّل قرار موسكاي دليل عمل مكتب التحقيقات ليسمح بوجود فترة "تقييم". أثناء هذه الفترة، يمكن للعملاء الفيدراليين إجراء تحقيقات دون وجود معلومات واقعية تُشير إلى وجود خطر محتمل.


تحقيقات تطفلية


وحذّر جيرمان من أن هذه التوجيهات ستسمح لترامب بتنفيذ عملياتٍ شاملة على نطاق أوسع.

وقال إنَّه "في ظل الخطاب الذي قام على العنصرية ضد المهاجرين المكسيكيين، والمجتمع الإسلامي، ينتابني القلق حيال توجيهات مكتب التحقيقات الفيدرالي المتساهلة، والتي ستمنح الصلاحيات لأي عملاء يحملون هذه المشاعر العنصرية بإجراء تحقيقات تطفلية، وهذا أمرٌ مقلق لأيٍ منا، من يعملون على مثل هذه القضايا".

ستشكِّل هذه التوجيهات عائقاً أيضاً أمام الجهات الرقابية للحد من أي تصرف تعتبره غير مناسب، نظراً إلى أن التعليمات متساهلة جداً وتحتمل عدة تأويلات.

وكانت المقابلة مع أحمد شاملة وتطرقت للعديد من الموضوعات. وبينما كان الأسلوب ودياً طوال المقابلة، سأل العملاء أحمد عن العديد من المعلومات التي لا يبدو أنها ذات صلة بالانتخابات، أو بمقتل قيادي تنظيم القاعدة. ومع ذلك، كان هناك لحظة حملت بعض التوتر حينما سأله أحد العملاء قائلاً: "لا تتفق القيم الإسلامية مع القيم الثقافية لوطننا"، وهو ما قال أحمد إنه اعترض عليه.

وبعد أن غادر الرجلان، قال أحمد إنَّ الحيرة أصابته في بداية الأمر، ثم شعر بالخوف. وتساءل عمّا إذا كان هناك شخصٌ ما في منطقته أو في عمله قد أبلغ عنه وعن أسرته، ولماذا قد يفعل هذا الشخص ذلك.

وقال: "نحن متحابون جداً مع جيراننا، وأطفالنا يلعبون مع أطفالهم. لقد أثارت زيارة العملاء بداخلي العديد من الأسئلة، هذا أرعبني وأخافني بلا شك".

واستطرد قائلاً: "هذا يخيف عائلتي، ويجعلك عاجزاً عن الرد".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.