13 ٪ من العاملين بمصر يزاولونه.. العمل عبر الإنترنت حرية مقيّدة بشاشة

تم النشر: تم التحديث:
SAFSF
sm

حين عملت آلاء في وظيفة إدارية، كان يومها يتلخص في ساعات عمل تبدأ في الثامنة صباحاً وتنتهي في الرابعة عصراً، إلى جانب أكثر من ساعتين في المواصلات للذهاب إلى العمل والإياب منه. لم يكن لديها وقت للتسوق أو مقابلة صديقاتها وعائلتها، ولم يترك لها العمل طاقة لتمارس أي هواية... إلى أن قررت الاستغناء عن وظيفتها والاتجاه للعمل الحر في المجال نفسه ولكن عبر الإنترنت، فتغيرت حياتها.


مميزات مغرية


عن تلك التجربة، تقول آلاء: "على الرغم من عيوب العمل الحر، فإن هناك ميزات كثيرة؛ هو أنك تعمل وقتما تشاء، دون تحكمات من المديرين. وعلى الرغم من أنك قد لا تحصل على دخل ثابت، فإن العمل الحر يوفر لمن يمارسه مساحة كبيرة من الوقت الخاص، الذي يحتاجه لنفسه أو للعائلة أو لممارسة هواياته الخاصة".

ما عاشته آلاء مر به أيضاً يحيى، ذو الثمانية والعشرين عاماً، الذي يقول إنه عرف السعادة منذ بدأ العمل في مجال الترجمة بشكل حر، فلم يعد مضطراً إلى الاستيقاظ في موعد محدد كل يوم، أو الذهاب إلى مكان ما والدخول في روتين قاتل. كما أنه يعمل من المنزل، ومن ثم فهو لا يضيع الوقت في المواصلات، وهو وحده صاحب القرار إذا رغب في العمل بجد طوال اليوم أو أخذ اليوم كله إجازة.

"الحياة مجازفة، ولا مكان للاستقرار على أي حال". بتلك العبارة، يرد يحيي على القائلين بأن العمل عبر الإنترنت ليس مضموناً، وهو لا يشعر بأي قلق تجاه المستقبل أو من الهواجس المعروفة؛ مثل الاستقرار والعائد المادي الثابت والوظيفة التي تستمر مدى الحياة؛ بل يراها أفكاراً قديمة تقتل الحياة التي يجب أن تمتلئ بالمجازفات، فبالنسبة له الاجتهاد في العمل وبناء الخبرات في مجاله، هو الذي سيوفر الفرص فيما بعد ويصنع المستقبل.

أما عن الحرية في اختيار ما تعمل، فهذه إحدى الميزات التي تحدث عنها عبد الرحمن، (24 سنة) يعمل صحفياً لحسابه الخاص منذ 3 سنوات، فهو بصفتها صحفياً حراً، يختار أفكار تقاريره بنفسه، ويكتب في المجال الذي يحب بالشكل الذي يرغب، من دون إملاءات من أحد، كما أن هذا الوضع يتيح له العمل لأكثر من جهة في وقت واحد، ما يضيف إلى خبراته واسمه الصحفي الكثير.

بعد فترة تبدأ المتاعب


"لا مكان للحياة الاجتماعية إن كنت تعمل عبر الإنترنت"، وفقاً ليحيى؛ فأنت تجلس في منزلك ولا يكون لك صديق سوى شاشة الكومبيوتر الخاص بك. أما نصيحته هنا: "قبل أن تتوحد مع هذا الصديق الجديد، يجب أن تنطلق إلى تكوين حياة اجتماعية خاصة بك، كما أن ممارسة الرياضة شيء مهم جداً حتى لا تنهمك في العمل، وتجد نفسك لا تمارس مهام الحياة العادية سوى بصعوبة بالغة".

ولكن، تبقى هناك إشكالية بين تكوين علاقات اجتماعية وشرح طبيعة عملك لهؤلاء الناس. وعن هذا، يقول عبد الرحمن إنه حين علم أحد أصدقاء والده بطبيعة عمله، عرض عليه أن يعمل معه في مصنعه؛ إذ لم يتفهم أنه يعمل بالفعل وليس متعطلاً عن العمل، "فهناك صعوبة في شرح طبيعة العمل، وتقبّل المجتمع فكرة العمل الحر عبر الإنترنت".

ويكمل عبد الرحمن: "كنت أغطي أحداث الاستفتاء على الدستور بمصر في عام 2014 حين أوقفني ضابط بالجيش؛ لأني لا أحمل بطاقة هوية تثبت أنني صحفي، ثم تم إطلاق سراحي بعد أن مسح الضابط كل الصور التي التقطتها كتسوية ودية. فكونك تعمل عبر الإنترنت أمر لا يقنع السلطات المختصة ليتم الاعتراف بك صحفياً، حتى لو مارست الصحافة لسنوات".

أما ما يؤرق عبد الرحمن كثيراً، فهو تأخير المستحقات؛ لأنه يعمل ليؤسس لمستقبله وليس مناسباً بالنسبة له عدم توافر دخل ثابت، كما أن العمل وحيداً قد يفقده بعضاً من الحماسة، التي يكتسبها في أثناء عمله مع مجموعة، ما يؤدي إلى التراخي والتسويف في بعض المهام.

"أنا لست جِنيّ المصباح"، كان هذا هو رد آلاء التي تعمل الآن مصممة غرافيك عبر الإنترنت، على عملائها الذين لا يرضون عن المنتج بسهولة. فحين يرسل لها أحدهم مواصفات للتصميم الذي يريده، يرسل بعدها مئات التعديلات التي قد تتضمن تغييراً في اختياره الأصلي، حتى ليبدو إرضاء العميل أحياناً من المستحيلات.. فمن أحلام خاصة لا تفهمها، إلى تصميمات لا تصلح، ترهق آلاء في التصميمات التي تظل تعمل عليها ليل نهار، ثم قد تتعرض بسهولة إلى إلغاء الاتفاق أو للنصب عليها من بعض العملاء، حيث يمكن أن يأخذ العميل التصميم ويختفي، على حد قولها، أو يرسل لها مبلغاً أقل من المتفق عليه. تلك صعوبات من بين ما يواجهه الذين قرروا العمل بمفردهم عبر الإنترنت.


نظرة المجتمع


كونك لا تعمل في جهة رسمية بمصر ليس بالأمر السهل، وكونك تعمل لحسابك عبر الإنترنت لا يقنع كثيراً من الجهات. فيمكن أن تواجه مشاكل عديدة في إجراءات السفر خارج البلاد على سبيل المثال، أو إجراءات فتح حساب بنكي خاص؛ بسبب عدم الانتساب إلى جهة عمل رسمية.

أن تعمل من المنزل عبر جهازك الصغير لكسب المال، أمر لا يتقبله المجتمع المصري بصورة واسعة، خاصة كبار السن الذين يصعب شرح الأمر لهم.

هذه الصعوبات يواجهها تقريباً، كل من اختار العمل الحر في مختلف المجالات، في وقت تشير الأرقام والإحصاءات إلى استمرار ارتفاع معدلات البطالة في مصر، يقول جهاز الإحصاء المصري إن إجمالي عدد العاملين في مصر بلغ نحو 27.6 مليون فرد، من بينهم 5.5 مليون يعملون بالقطاع الحكومي أو ما يسمى الهيكل الإداري للدولة، فيما بلغ عدد المشتغلين ممن يعملون لحسابهم نحو 3.2 مليون شخص بنسبة 13.4%.