4 ملايين شخص يعانون جراء نقصانها.. الإحباط يتفاقم في دمشق بعد انقطاع إمدادات المياه عن العاصمة

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

صمتت المدافع بالقرب من العاصمة السورية، إلا أن الحرب لا تزال تشكل مجريات الحياة.

ففي البداية، جاء ارتفاع أسعار الغذاء بصورة مطردة على مدار سنوات، حيث امتد القتال إلى المزارع المجاورة. وتبع ذلك إخفاق الشبكات الكهربائية والتعتيم اليومي الذي أثر على المناطق الفقيرة بنسب متفاوتة، ما أدى إلى اعتماد غالبية السكان على مولدات الطاقة.

ومع ذلك، فقد كان انقطاع إمدادات مياه الشرب في دمشق خلال الشهر الماضي هو الأسوأ، بما يؤكد إخفاق الحكومة في السيطرة على أهم مواردها بينما تتحول الحرب التي دامت لأكثر من 5 سنوات لصالحها، بحسب تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

وبعد 3 أسابيع من بدء الأزمة، ذكر مسؤولون خلال عطلة نهاية الأسبوع أن عمليات الإصلاح قد بدأت بالمرفق الذي كان يمد معظم أجزاء العاصمة بالمياه قبل تعطله جراء القتال المحتدم في أواخر ديسمبر/كانون الأول. ومع ذلك، أشار النشطاء إلى تجدد القصف الحكومي للمنطقة يوم الأحد، ما أودى بحياة 12 شخصاً وهدّد بتوقف عمليات الإصلاح.

وذكرت الأمم المتحدة أن نحو أربعة ملايين شخص على الأقل من سكان دمشق والضواحي المحيطة بها قد فقدوا الارتباط بشبكة إمدادات المياه بعد "الاستهداف المتعمّد الذي أدى إلى تدمير البنية التحتية".

وتوضح الصور التي تم تبادلها على وسائل التواصل الاجتماعي حول ضواحي دمشق مدى تكدّس الأهالي حول شاحنات نقل المياه. وتغير أسلوب حياة البعض من الاستحمام اليومي إلى الأسبوعي – وأحياناً الاستحمام في الحدائق العامة – ويشير الأطباء إلى ارتفاع معدلات انتشار الأمراض المعدية المعوية بين الأطفال وكبار السن جراء الأطعمة والأطباق الملوثة.

وترى تيريز، البالغة من العمر 40 عاماً، التي أغلقت متجر الإكسسوارات واللوازم الخاص بها بعد الانهيار الاقتصادي الحاد، أن الأمر مقلق للغاية.


الضغوط متسارعة


فقد قالت عبر الهاتف من دمشق إن "الضغوط متسارعة". وتحدثت بعد أن اشترطت عدم ذكر اسم عائلتها لتجنب ردود أفعال الحكومة قائلة: "أشعر بالقلق بشأن كيفية إدارة إمدادات المياه. وأقلق بشأن شحن هاتفي الخلوي حينما تتوفر الكهرباء. بل وأشعر بالقلق أيضاً حول القيام بكافة الأعمال المنزلية خلال ساعات قليلة قبل انقطاع التيار".

ويعيش معظم الباقين في سوريا في المناطق الخاضعة لسيطرة حكومة الأسد وحلفائه.

ورغم أن الهجومين الانتحاريين الأخيرين قد أثارا المخاوف مجدداً حول استئناف عمليات القصف من قبل قوات المعارضة في دمشق، فإن المنطقة تخلو إلى حد كبير من قصف المعارضة للمرة الأولى منذ سنوات. فقد استطاعت القوات الموالية للرئيس السوري بشار الأسد دحر معظم قوات المعارضة المسلحة بالإقليم.

وقد ناضلت كافة الأطراف بالحرب السورية من أجل السيطرة على الموارد.

وأدى الاتفاق غير الرسمي مع جماعات المعارضة في وادي بردى إلى الإبقاء على أحد الينابيع الرئيسية على مدار سنوات، لكنه تعرض للتدمير الشديد خلال الشهر الماضي حينما حاولت القوات الموالية للحكومة استعادة السيطرة على المرفق.

واتهم مسؤولون سوريون قوات المعارضة بالتسبب في تلك الأضرار. وذكر الأهالي أن الحكومة هي المسؤولة عن ذلك، حيث زعموا أن طائرات الجيش السوري قد أسقطت قنابل على مرفق المياه الرئيسي في عين الفيجة، ما أدى إلى تعطيل منظومة ضخ المياه.

ولم يكن مدى تقدم الإصلاحات واضحاً يوم الأحد، حيث ذكر الناشطون في وادي براده والمرصد السوري لحقوق الإنسان أن القصف الحكومي أودى بحياة 12 نازحاً على الأقل في إحدى قاعات الطعام المجاورة.

ومع تفاقم حدة الأزمة، أصدرت السلطات في دمشق تعليمات مشددة حول مخزونات المياه المتبقية، الناجمة عن الآبار أو التي تتولى توزيعها شاحنات الشركات الخاصة – وأدى ذلك إلى عدم قدرة الأسر على الحصول على إمدادات المياه سوى لساعات قليلة كل يومين أو ثلاثة أيام.

ولجأ الأثرياء إلى شركات توزيع المياه الخاصة، التي لا تحدد سعراً ثابتاً للمياه أو تضمن جودتها.


اعتمدوا على أنفسهمفي جلب المياه


ولجأ آخرون إلى الاعتماد على أنفسهم، حيث يتم جمع مياه الأمطار في أوعية وأحواض وأطباق. ففي أحد مقاطع الفيديو على موقع فيسبوك في الأسبوع الماضي، شوهدت امرأة تغسل أطباقاً تحت صنبور مصنوع من فوهة زجاجة. وقالت: "نستطيع نحن السوريين أن نتصرف دائماً. أنتم تقطعون المياه لكننا نستطيع ابتكار صنبور. وتمنعون وصول إمدادات المياه، لكننا نجد المياه بطريقتنا".

وذكرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها تدعم توزيع المياه على المستشفيات والمدارس والمخابز في أنحاء العاصمة. وذكرت المتحدثة باسم اللجنة إنجي صدقي "كل شخص يتوخى الحذر في استهلاكه الآن. ولا تعلم ما إذا كان ما تبقى هو آخر ما ستحصل عليه".

وتبادل الأهالي على "واتساب" و"فيسبوك" رسوماً متحركة للتعبير عن غضبهم تتضمن صوراً لرجال يوفرون المياه خلال الاستحمام الجماعي ويشجعون على القيام بذلك.

ورغم أن البعض يلقون اللوم على قوات المعارضة جراء التلفيات، فإن حالة الإحباط الناجمة عن عجز الحكومة عن تأمين الخدمات الأساسية تتفاقم.

وذكر عمار إسماعيل، مهندس الأنظمة البالغ من العمر 43 عاماً الذي أشار إلى أن الافتقار إلى المياه جعله يرتدي نفس الملابس طيلة الأسبوع: "توجد حالة سخط حالياً تجاه الدولة لأنها تؤخر استخدام الحل العسكري".

وبعد انقضاء أكثر من 5 سنوات من النزاع، لا تزال جماعات المعارضة تتعرض لعمليات قصف حتى تضطر إلى الاستسلام في مختلف أنحاء البلاد، حيث تمت تسوية أحياء كاملة بالمناطق الحضرية التي كانت تكتظ ذات يوم بالسكان، ما أدى إلى أسوأ أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.

ستكون السيطرة على الموارد البشرية السورية، خاصة في قطاعي الطاقة والزراعة، هاماً للغاية إذا ما اعتزمت الحكومة إعادة بناء الإقليم الذي يخضع لسيطرتها في الوقت الحالي.

تضاءل إنتاج النفط خلال الحرب السورية، نتيجة العقوبات الدولية ومع سقوط آبار البترول في قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية" أو الجماعات الكردية.

وفي أحد الأبحاث التي تم نشرها خلال الأسبوع الماضي، ذكر فابريس بلانش، الأستاذ الزائر بمعهد واشنطن، أن استعادة ذلك الإقليم "أمر لا غنى عنه" إذا ما أراد الأسد إعادة ملء خزانة الدولة وتحقيق الاستقلال الاقتصادي عن داعميه في روسيا وإيران.

ووصلت إحدى المعلمات من معقل المعارضة السابق شرقي حلب إلى دمشق يوم الجمعة الماضي وذكرت أن والديها قد طلبا منها منذ شهور الانضمام إليهم في العاصمة، ولمّ شمل الأسرة في أحد أحياء الطبقة المتوسطة، حيث كانت تلعب في صغرها خلال الإجازات.

وذكرت المرأة على تطبيق واتساب مشترطة عدم ذكر اسمها خشيةً على سلامتها أن المنطقة لم تصبح "واضحة المعالم" من خلال الصور التي أرسلتها لها الأسرة.

وقالت: "جئنا إلى هنا من أجل الاستقرار حينما أصبحت منازلنا غير قابلة للسكنى، ولكن ما هذا؟ هناك أناس بالشوارع يبحثون عن المياه التي انقطعت إمداداتها".

عارضنا الحكومة لأننا ظننا أنه يمكننا الانتصار لكننا خسرنا. جئنا إلى هنا لأننا بحاجة إلى دولة ترعانا بعد كل هذه السنوات".

­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.