تيران وصنافير مصريتان.. حكمٌ نهائي ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية

تم النشر: تم التحديث:
EGYPTIAN ADMINISTRATIVE COURT
MOHAMED EL-SHAHED via Getty Images

حسمت المحكمة الإدارية العليا في مصر مصير جزيرتي تيران وصنافير بحكم نهائي، ببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة في 8 أبريل/نيسان الماضي وحظر نزع السيادة المصرية عن الجزيرتين لصالح أي دولة أخرى.

"هذا الحكم ينهي كافة المنازعات القضائية ويمنع البرلمان من نظر الاتفاقية" في رأي المستشار علي عوض المستشار الدستوري للرئيس السابق ونائب رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق، الذي أفاد لـ هافينغتون بوست عربي أنه بموجب الحكم تكون "الاتفاقية هي والعدم سواء".

وقال الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية إن حكم المحكمة الإدارية العليا يؤكد على أن "توقيع الحكومة على الاتفاقية مع الجانب السعودي يعد جريمة جنائية وسياسية أيضاً، وأهم آثار الحكم هو أن الاتفاقية أصبحت والعدم سواء ولا يجوز للبرلمان نظرها لأنها معدومة".


وقائع الجلسة التاريخية


بدأت الجلسة صباح اليوم في أجواء أمنية مشددة، ومنعت السلطات دخول المواطنين وبعض المحامين، ثم سمحت للبعض بالدخول بعد مناقشة ساخنة مع أصحاب الدعوى.

افتتح المستشار أحمد الشاذلي رئيس المحكمة التي أصدرت الحكم الجلسة قائلاً إن "سيادة مصر على جزيرتي تيران وصنافير مقطوع بها وإن الجزيرتين أراض مصرية، والحكومة لم تقدم أي وثيقة تؤكد غير ذلك".

وأضاف أن المحكمة على مدار 108 أيام بدءاً من أول أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحتى الآن عقدت 6 جلسات، ونظرت المحكمة الطعن المقدم من الحكومة والمحكمة في حكم اليوم حددت بعض المسائل منها اختصاص القضاء الإداري بنظر القضية، ولفتت المحكمة إلى أن مصر في مطلع النصف الأول من هذا العقد أصدر شعبها دستوراً جديداً، تضمن إعادة تنظيم سلطات الدولة. وقد رفضت المحكمة طلب الحكومة بوقف نظر الطعن لتداول منازعة أمام المحكمة الدستورية العليا، بشأن اعتبار الاتفاقية من أعمال السيادة.

أجابت المحكمة على ما أثير بشأن احتلال الجزيرتين "بلد قديم خلقه الله من رحم الطبيعة بين بحرين ربط بينهما دماء شعبه جيش مصر لم يكن أبداً جيش احتلال، والتاريخ يقف طويلاً حتى يتذكر طويلاً".

ولفت المستشار أحمد الشاذلي رئيس المحكمة إلى أن المحكمة أجابت على كافة الاسئلة المتعلقة بالقضية وأصدرت حكمها في 59 صفحة. وبدأ في تلاوة نص الحكم قائلاً: "بطلان الاتفاقية.."، وعلى الفور ضاع صوته في الهتافات والاحتفالات من جميع الحاضرين بالقاعة، وهتف المحامي خالد علي صاحب الدعوى: يحيا العدل.

وأجبر الأمن الخارجين من القاعة بعد الحكم على السير فرادى، وفرض إخلاء فورياً للمشاه من شارع مراد بالجيزة، حيث تقع المحكمة، حتى نفق الجلاء.


ماذا يعني حكم اليوم؟


بحكم اليوم تغلق المحكمة الإدارية العليا مسارات قضائية وسياسية كثيرة فتحتها الحكومة المصرية في مواجهة حكم أصدرته محكمة القضاء الإداري في 21 يونيو الماضي ببطلان توقيع ممثل الحكومة المصرية على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية الموقعة في 8 أبريل الماضي والمتضمنة التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية.


كل هذه المنازعات أمام القضاء


"لم يكن هناك بديل للمواطنين عن اللجوء إلى القضاء لإيقاف تنفيذ الاتفاق المبدئي الموقع من الحكومة مع السعودية. يقول المستشار علي عوض نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا الأسبق والمستشار الدستوري للرئيس السابق، ويضيف لـ"هافينغتون بوست عربي" أن الجميع يعرفون أن الاتفاقيات الدولية عمل من أعمال السيادة التي لا تخضع لأحكام القضاء ولكن المحامين استندوا إلى قاعدة دستورية تبناها دستور 2014 لأول مرة، فالاتفاقية مازالت في مرحلة التوقيع ولم تقر لا من البرلمان ولم يصدق عليها الرئيس.


الدعوى القضائية في جولتها الأولى


"الحكومة لم تكف عن ارتكاب الأخطاء منذ اللحظة الأولى للقضية" في رأي الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الذي أوضح لـ هافينغتون بوست عربي أن طريقة إخراج الاتفاقية للرأي العام والإعلان عنها أولاً ضمن اتفاقيات معونات منح وبالتزامن مع الاحتفاء المبالغ فيه بزيارة ملك السعودية لمصر كشف من البداية عن افتقاد تلك الحكومة للخبرة السياسية.

فور إعلان مجلس الوزراء عن توقيع رئيس الوزراء شريف إسماعيل عن اتفاقية تتضمن نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى سيادة الدولة السعودية بدلاً من السيادة المصرية، بدأت المسيرة القضائية بدعوى من المحامي خالد علي ومحامين آخرين، أمام محكمة القضاء الإداري.

وبدأت المحكمة نظر الدعوى في جلسة 17 مايو وعلى مدار ثلاث جلسات متتالية حتى 14 يونيو استمعت إلى طلبات مقدمي الدعوى الذي دعموها بـ 23 مستنداً تثبت سيطرة مصر على الجزيرتين من قبل تأسيس المملكة العربية السعودية في عام١٩٣٢.

الحكومة في المقابل لم تقدم عبر محاميها أية مستندات تثبث سعودية الجزيرتين، وإنما دفعت بالتأكيد على أن المحكمة غير مختصة بمراقبة مدى اتفاق قرار رئيس الوزراء بالتوقيع على الاتفاقية مع الدستور والقوانين لكونه عملاً من أعمال السيادة، أما نص الاتفاقية فأخبر محامي الحكومة المحكمة صراحة بأنه لن يستطيع تقديمه، وهو ما ردت عليه محكمة القضاء الإداري وقتها بتحديد جلسة 21 يونيو للنطق بالحكم.


الجولة الثانية ماراثون قضائي طويل


عقب النطق بحكم القضاء الإداري ببطلان التوقيع على الاتفاقية أعلنت الحكومة مباشرة الطعن على حكم القضاء الإداري أمام المحكمة الإدارية العليا، وتقدمت بالطعن فعلياً صباح 23 يونيو قبل أسبوع واحد من نهاية العام القضائي وإحالة رئيس المحكمة الإدارية العليا السابق للتقاعد، واللافت أن رئيس المحكمة وقتها تسلم الطعن الخميس 23 يونيو وحدد لنظره جلسة الأحد 26 يونيو وهو ما أثار ريبة المدافعين عن مصرية الجزيرتين، من إصرار رئيس المحكمة الإدارية العليا المستشار جمال ندا وعضو اليمين المستشار عبد الفتاح أبو الليل في نظر القضية والفصل فيها خلال 6 أيام تسبق إحالتهم للتقاعد.

وهنا تمكن المحامون من إكتشاف أن رئيس المحكمة المستشار عبد الفتاح أبو الليل يعمل طوال سنوات طويلة إلى جانب عمله القضائي مستشاراً قانونياً بجامعة القاهرة، وهي الجامعة التي أهدت مؤخراً العاهل السعودي الدكتوراه الفخرية. أيضاً عضو الدائرة المستشار فوزي عبد الراضي سليمان أحمد منتدب في وزارة الخارجية منذ سنوات طويلة ويحظر طبقاً للقواعد والأعراف القضائية أن يشارك في نظر الطعن لكون وزير الخارجية أحد الخصوم فيه، وهو ما دفع أحد المحامين المتدخلين إلى جانب المحامي خالد علي بتقديم دعوى قضائية لرد المحكمة "منع قضاتها من نظر الطعن وإحالتها لدائرة جديدة"، وهو ما عطل نظر طعن الحكومة حتى بداية شهر أكتوبر، حيث أوقف رئيس مجلس الدولة نظر طعن الحكومة إلى حين الفصل في طلب رد المحكمة.

قبلت إحدى دوائر المحكمة الإدارية العليا طلب المدافعين عن مصرية الجزيرتين برد المحكمة وأصدرت حكماً قضائياً في 27 أغسطس الماضي يعد الأول في تاريخ مجلس الدولة بمنع رئيس مجلس الدولة السابق ونائبه الأول والمستشار المنتدب في وزارة الخارجية من مباشرة الطعن، وقد قرر رئيس مجلس الدولة الحالي المستشار محمد مسعود بدء تداول الطعن من جديد أمام المحكمة بعد تغير تشكيلها ابتداءً من 8 أكتوبر الماضي.


"أخطاء قانونية" من جانب ممثلي الحكومة


"ارتكبت الحكومة خطأ دستورياً فادحاً" يوصف المستشار علي عوض مقرر لجنة الخبراء العشرة لكتابة الدستور لجوء الحكومة إلى محكمة الأمور المستعجلة لوقف حكم تنفيذ حكم القضاء الإداري، حيث أعلنت الحكومة تقدمها بإشكال أمام محكمة الأمور المستعجلة "المعروفة للرأي العام في مصر بإصدار أحكام عاجلة لخدمة الحكومة" لوقف تنفيذ حكم بطلان الاتفاقية، وفي 29 سبتمبر الماضي فوجئ الجميع بإصدار محكمة الأمور المستعجلة حكماً بوقف حكم محكمة القضاء الإداري بحظر التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية في دعوى أقامها أحد المواطنين وانضمت له الحكومة فيها.

ويعلق عوض المر بأن "الدستور حظر إقامة منازعة تنفيذ أمام أي جهة قضائية غير المحكمة مصدرة الحكم نفسها وأحكام الدستورية العليا أكدت على هذا المبدأ منذ عام 1992 فأحكام محكمة الأمور المستعجلة بوقف تنفيذ أحكام القضاء الإداري باطلة".

ولم تكتف الحكومة بهذا الحكم وإنما أقامت 3 دعاوى قضائية جديدة لوقف تنفيذ حكم مصرية جزيرتي تيران وصنافير، اثنان أمام محكمة القضاء الإداري نفسها الأول من الحكومة والثاني من البرلمان لوقف تنفيذ حكم الصادر عن المحكمة في 21 يونيو ببطلان التوقيع على الاتفاقية، أما الدعوى الثالثة فأقامتها الحكومة أمام المحكمة الدستورية العليا لوقف تنفيذ حكم القضاء الإداري لكونه يتعارض مع أحكام الدستورية العليا المتعلقة بالاتفاقيات الدولية وقد بدأت هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا نظر تلك الدعوى في 8 يناير الجاري وقررت تأجيلها إلى 12 فبراير المقبل.

وهي ما اعتبرها نائب رئيس المحكمة الدستورية العليا السابق مسارات قضائية هدفها التعطيل وإبراز موقف، موضحاً أن المادة 190 من الدستور حددت لمحاكم القضاء الإداري وحدها دون غيرها مهمة وقف تنفيذ أحكامها والمحكمة الدستورية ليس لها أن توقف أو تؤيد حكماً صادراً عن محكمة القضاء الإداري أو المحكمة الإدارية العليا الأعلى درجة.

أسفرت تلك الدعاوى عن تأييد محكمة القضاء الإداري لحكمها حيث أصدرت المحكمة بتاريخ 8 نوفمبر حكماً قضائياً ثانياً ببطلان توقيع رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل على اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية المتضمنة التخلي عن الجزيرتين.

في الوقت الذي بدأت فيه المحكمة الإدارية العليا نظر الطعن المقام من الحكومة في الفترة من 8 أكتوبر وحتى جلسة 19 ديسمبر التي قررت خلالها المحكمة النطق بالحكم في الطعن في جلسة اليوم 16 يناير، وهي الفترة التي شهدت تقدم الحكومة لأول مرة بكافة المستندات المرتبطة بالاتفاقية ومذكرات التفاهم السابقة لتوقيعها، والوثائق المصرية والسعودية التي تؤيد سعودية الجزيرتين، إلا أن تلك الفترة تخللها إصدار هيئة المفوضين التابعة للمحكمة في 5 ديسمبر الماضي تقريراً استشارياً أوصت خلاله الهيئة بالحكم برفض طعن الحكومة وتأييد حكم مصرية الجزيرتين بعد أن تناول التقرير تحليل كافة المستندات المقدمة من الحكومة ومن المحامين المدافعين عن مصرية الجزيرتين.

وهو ما تبعه إعلان الحكومة في 29 ديسمبر الماضي بموافقتها على الاتفاقية وإرسالها إلى البرلمان، "غباء سياسي" يصف أستاذ العلوم السياسية القرار موضحاً "رغم أن الحكومة حصلت في 29 سبتمبر الماضي على حكم كان من السهل أن تستغله في عرض الاتفاقية على البرلمان إلا أنها لم تفعل سوى قبل أيام قليلة من حكم المحكمة الإدارية العليا وبعد ساعات من زيارة وفد سعودي لمصر" لافتاً إلى أن الحكومة افتقدت أبسط مبادئ السياسة ولم تراع مشاعر مواطنيها وتعمدت إرسال الاتفاقية إلى البرلمان في وقت يؤكد على شكوك المواطنين في "تفريطها بالأرض استجابة لأوامر رئيس الجمهورية".

إعلان الحكومة موافقتها على الاتفاقية تبعه إصدار محكمة الأمور المستعجلة في 31 ديسمبر الماضي >حكماً قضائياً آخر بتأييد حكمها بوقف تنفيذ حكم القضاء الإداري، ليعلن رئيس مجلس النواب في 2 يناير الماضي تسلمه ملف الاتفاقية من رئيس الوزراء وهو ما أعقبه تقدم المحامي خالد علي ببلاغ للنائب العام ضد كل من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب إضافة إلى وزيري الخارجية والداخلية، اتهمهم خلاله بالتفريط في الأرض وتعريض الأراضي المصرية للخطر والسعي لنقل تبعية جزيرتي تيران للسعودية عبر اتفاقية أبطلها القضاء.