لا يشعر بالحرج ويريد حكومة صورية.. ترامب ليس رئيساً عادياً إنَّه مُحير وهكذا عليكم التعامل معه

تم النشر: تم التحديث:
S
s

يتبقى أسبوعٌ واحد على تولِّي دونالد ترامب مهام منصبه، والأمر كله موضع بلبلة. سيؤدي ترامب يوم الجمعة المقبل، 20 يناير/ كانون الثاني، اليمين الدستورية كرئيس الولايات المتحدة الأميركية. ولكن لا أحد هناك لديه فكرةٌ عن كيفية التعامل مع ما هو قادم.

يبحث السياسيون، والصحفيون، والدبلوماسيون، في الولايات المتحدة وحول العالم عن أي دليل، ويتصفحون باستماتة صفحات كتب القواعد، المليئة بالسوابق الماضية والأعراف التي أتقنوا التعامل معها طيلة حياتهم المهنية، إلا أنَّ ترامب حرق هذه الكتب ومزَّقها منذ أشهر، بتصرفاته غير المتوقعة.

في الأوقات العادية، كان شيئاً بسيطاً، كالتسريبات الخاصة بترامب التي نُشِرَت هذا الأسبوع، سيكون كافياً لإبطال تنصيب الرئيس المقبل. ولنضع جانباً التفاصيل الرهيبة لما حدث في غرف الفندق في موسكو، بافتراض أنها غير صحيحة. ولنركز بدلاً من ذلك على حقيقة أنَّ وزارة العدل الأميركية سعت وحصلت في نهاية المطاف على إذنٍ سري من المحكمة للتحقيق في أمر بنكين روسيين وصلاتها بمجموعة من شركاء ترامب، وفق ما جاء في صحيفة الغارديان.

تذكَّر مدى الضرر الذي أُلحِق بهيلاري كلينتون عندما أُعلِنَ أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يحقق (مرةً أخرى) في استخدامها لخادم بريد إلكتروني خاص. وبغض النظر أن مكتب التحقيقات الفيدرالي لم يتوصل إلى شيء في تحقيقاته، فإن مجرد حقيقة التحقيق بشأن هيلاري أضرَّت بسمعتها على نحوٍ سيئ، وربما حرمتها من الرئاسة. لكن الآن، نحن نعلم أنَّ المحققين الفيدراليين كانوا حريصين على استجواب فريق ترامب، لا بسبب معاملاتهم على البريد الإلكتروني كهيلاري كلينتون وفريقها، ولكن بسبب شيءٍ أكثر خطورةً بكثير، ألا وهو صلاتهم المحتملة مع قوةٍ أجنبية معادية.

علمنا أيضاً أن هذا الملف تضمَّن ادِّعاءً بلقاءاتٍ سرية بين مساعدي ترامب والمسؤولين الروس. والآن، رغم أن هذا الادِّعاء لم تثبت صحته بعد، ويمكن أن يتَّضح في النهاية أنَّه كما أصَرَّ ترامب على وصفه "قمامة"، لكنَّه يأتي من وثيقةٍ تُعتَبَر ذات مصداقيةٍ بما فيه الكفاية من قبل وكالات الاستخبارات الأميركية، التي أطلعت كلاً من الرئيس أوباما وترامب على محتوياتها.


الجديد لا يمكن ائتمانه على أية أسرار


في السياق نفسه، وفي تطورٍ مذهل، ذكرت الصحف الإسرائيلية أنَّ مسؤولي الاستخبارات الأميركيين حذَّروا نظراءهم الإسرائيليين من مشاركة معلوماتٍ سرية مع إدارة ترامب، خشية تسريب هذه المعلومات إلى موسكو، ومن ثمَّ إلى طهران. في الواقع قال هؤلاء العملاء الأميركيون إنَّ الرئيس الجديد لا يمكن ائتمانه على أية أسرار، لأن فلاديمير بوتين لديه "وسائل للضغط" عليه.

في الظروف العادية، مجرد إجراء هذه التحقيقات سيكون كافياً لإحراج الرئيس والإضرار به بشكلٍ بالغ. ولكنَّ الظروف الحالية ليست طبيعية. بالفعل، الدرس المستفاد من العام الماضي هو أن ما من شأنه عادةً أن يُدمِر سياسياً عادياً، بالكاد يترك خدشاً على ترامب، بل وأحياناً يجعله أقوى.

في هذه الحالة بالذات، لا توجد ضمانات بألا يقف أنصار ترامب مع بوتين في حالة حدوث معركة بين وكالات الاستخبارات ووسائل الإعلام من جهة، وبوتين من جهةٍ أخرى. وبعد كل هذا، أظهر استطلاعٌ للرأي الشهر الماضي أن عدد الجمهوريين الذين يحملون وجهة نظر إيجابية تجاه الرئيس الروسي يفوق عدد أولئك الذين يؤيدون أوباما بنسبة 37% إلى 17%.


ترامب كامل غضبه ضد وكالات الاستخبارات


إذا حوَّل ترامب كامل غضبه ضد وكالات الاستخبارات الأميركية، وهو الأمر الذي بدأه على نحوٍ هزيل، مذكِّراً الأميركيين بكارثة أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم تحدث أبداً، ومتجاهلاً بأريحية ذِكر الضغوط التي وضعتها إدارة بوش على هذه الوكالات لتأتيها بالنتائج التي أرادت أن تسمعها، من الذي سيبلغه بأن هذه معركةٌ لن يفوز بها؟

سيكون الثمن الرأي العام الأميركي، الذي لن يُصدِّق بعد ذلك أجهزة المخابرات حتى عندما تحذِّره من مخاطر حقيقية على الأمن القومي، ولكن ترامب لن يعبأ بذلك؛ فهو لا يمانع سحق المؤسسات الرئيسية طالما يحقق ذلك مصالحه.

الخطأ هو أن نُطبق على ترامب المعايير التي تُطبَّق بشكلٍ طبيعي على أي رئيسٍ قادم. ولننظر إلى الدراما الموازية التي حدثت هذا الأسبوع، مع امتثال العديد من المرشحين في إدارة ترامب أمام الكونغرس لتأكيد تعيينهم؛ فجميعهم صَرَّحوا بكلماتٍ بارعة من الطمأنينة: إذ أكَّد المدعي العام القادم أنه لم يكن شخصاً عنصرياً، وصرَّح وزير الخارجية بأنه لم يتم استغلاله من قبل بوتين. واطمأن سياسيو واشنطن بهذا الفتات من كلمات الطمأنينة، خصوصاً عندما غَرَّد ترامب معترفاً بوضوح بأن أعضاء فريقه مختلفون معه بشأن عددٍ من القضايا الأساسية، قائلاً: "أريدهم أن يكونوا أنفسهم، وأن يعبروا عن وجهات نظرهم الخاصة، وليس عن وجهة نظري".


أعضاء حكومته مجرد واجهة


ولكن ماذا لو كان هذا الترخيص الذي منحه ترامب لأعضاء حكومته للتفاخر فقط؟ ربما ترامب ليس لديه أية خطة لاستخدام أعضاء حكومته لأي شيء إلا كمجرد واجهة. فعلى مستوى السياسة الخارجية، يمكن أن ينتهي الحال بريكس تيلرسون لأن يكون سفيراً مُبجَّلاً، كما يقول روبن نيبليت، مدير مؤسسة "تشاتام هاوس" البحثية في لندن، فالسلطة الحقيقية لاتخاذ القرار قد تكون في يد ترامب، وصهره جاريد كوشنر، وستيف بانون، الرئيس التنفيذي لشبكة أخبار "Breitbart"، ومستشار الأمن القومي الجريء مايك فلين، إذ يقول نيبليت إنَّ هذا "التركيز للسلطة بشكل أوثق حول الرئيس التنفيذي" يناسب ترامب وشخصيته.

أو ربما كانت تنظر واشنطن ببساطة من خلال عدستها القديمة؟ بالتأكيد ربما تكون حقيقة الأمر أن ترامب سمح لمرشحيه أن يقولوا ما هم مضطرون لقوله، صحيحاً كان أم خاطئاً، فقط من أجل تأكيد تعيينهم من قبل الكونغرس. فبالنسبة لترامب اتساق القول مع الفعل، والامتثال للحقيقة، أمورٌ لا يفعلها سوى الخاسرين، وبكل بساطة، يمكنه الكذب إذا كان ذلك سيجدي نفعاً. لذلك تيلرسون لم يكن بحاجة إلى الدخول في حالة جدل طويلة حول سياسة الولايات المتحدة تجاه روسيا: كان عليه فقط أن يقول إنَّه هو وترامب لم يناقشا أبداً هذه المسألة، وهو أمرٌ غير قابل للتصديق كما يبدو. وهكذا تم إنجاز المهمة.

أما بالنسبة للمنتقدين، فهذه مشكلةٌ محيرة؛ فكثيراً ما يتعاملون مع ترامب كما لو أنَّه سياسي عادي، يلتزم بالأعراف المعتادة، بما في ذلك الشعور بالإحراج عند الوقوع في الكذب. لكنَّ ترامب ليس سياسياً عادياً؛ إذ إنه لا يشعر بالخزي. وفي حين يستحي معظم السياسيين إذا تعرضوا لمثل هذه المواقف المتضاربة، وناهيك عن افتقاره للأمانة، فترامب لا يشعر بالحرج، حتى الرئيس الأميركي الراحل ريتشارد نيكسون كان يحاول التملص من تلك المواقف عن طريق قول جملةٍ يمكن تحليلها على أنها حقيقة. أما ترامب، الذي يعتبره أنصاره الإمبراطور الروحي، فببساطة يهاجم كل من ينتقده، ويتهمه بأنه "كومة فاشلة من القمامة".


لم يكن هناك أي رئيس أميركي يمكن مقارنته بترامب


لا توجد هناك أية سابقة تُرشد وسائل الإعلام أو صنَّاع القرار، لأنه لم يكن هناك أي رئيس أميركي يمكن مقارنته بترامب على الإطلاق. فالتمسُّك بكتاب القواعد القديم، الذي أصبح متفحماً الآن وفي حالةٍ يرثى لها، سيكون خطأً فادحاً. ولا يوجد مكان يقترب الوضع فيه مما يحدث هنا سوى بريطانيا حالياً.

كان النمط السائد في لندن منذ عام 1945 أن تكون العلاقات مع واشنطن وثيقة قدر الإمكان. وهذا ما يقتضيه الدليل الذي يتم تسليمه لكل دبلوماسي، ولكل شاغلٍ لمنصب جديد في الحكومة البريطانية. وللتأكد من أنَّ تيريزا ماي، رئيسة الوزراء البريطانية الحالية، تتبع هذا الدليل، أوفدت تيريزا رئيس هيئة الأركان البريطانية، بدلاً من السفير البريطاني، إلى برج ترامب، للتوسل للحصول على موعد اجتماع مبكر بين الزعيمين.

هذا هو بالتأكيد ما يمكنك أن تتوقعه من رئيسة وزراء بريطانيا إذا كان هناك رئيسٌ أميركي عادي على وشك تولي مهام منصبه يوم 20 يناير/ كانون الثاني. إلا أن تيريزا لم تستوعب جيداً أن ترامب يُمثل انحرافاً عن المعتاد، وبالتالي لا ينبغي تطبيق القواعد المعتادة معه تلقائياً. (وكانت أنغيلا ميركل أكثر حذراً بكثير في هذا الشأن).

بدلاً من ذلك، تُكرر تيريزا نفس الخطأ الكارثي الذي ارتكبه توني بلير عام 2001؛ إذ اعتقد أنه ينبغي عليه أن يكون أقرب إلى جورج بوش الابن كما كان الحال مع بيل كلينتون، ولم يدرك أن الرجلين كانا مختلفين تماماً، وأن بوش كان محاطاً بأفرادٍ لديهم هواجس أيديولوجية، وكانوا عاقدين العزم على شنِّ الحرب على العراق منذ البداية. ولم تتمكن تيريزا من تمييز الأمر كذلك. وفي إطار شوقها للأصدقاء والشركاء التجاريين بعد استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، تستعد تيريزا للتقرُّب إلى رجلٍ جعل بوش الابن يبدو وكأنه أبراهام لنكولن. ويبدو أن هذا سيكون خطأها الأكبر.

ولكن يمكنك أن تستوعب السبب وراء ذلك؛ فتيريزا وموظفوها لا يعرفون أي وسيلةٍ أخرى للعمل. ومثلهم مثل الجميع، لا يزالون متشبثين بالأمل في أن ترامب على وشك أن يُحوِّل نفسه إلى سياسي يمكنهم استيعابه وفهمه.

لكنه لم ولن يفعل ذلك. نحن وهم بحاجة إلى التوقف عن خداع أنفسنا، والعمل على محاولة فهم كيفية التعامل مع ترامب كما هو.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.