بناء اتحاد فيدرالي يستلزم موافقة تركيا واليونان.. محادثات قبرص تصل بنيقوسيا إلى نقطةٍ تمنحها بصيصاً من الأمل

تم النشر: تم التحديث:
S
س

تعُجّ حوامل الصُحف في كشك بائعها كولا ميراهي بعناوين الأخبار في منتصف النهار وسط مدينة نيقوسيا. ففي عصر الإنترنت، انحسرت مبيعات النسخ الورقية من الصحف اليومية التي تنتجها الجزيرة إلى حدٍ كبير.

ولكن يوم أمس، الجمعة 13 يناير/كانون الثاني، كان استثناءً. إذ استيقظ القبارصة على خبر تعطل الجهود الجارية لتوحيد شطري جزيرتهم، لكن تلك الجهود لم تنتهِ للأبد، وكانت تلك هي الأخبار التي يرغبون في سماعها.

ويقول ميراهي: "بحلول الظهيرة، كانت كل نسخ الصحف قد بيعت تقريباً. وهذا أمرٌ نادر في مثل هذه الأيام، لكن الجميع يريد العودة بالنسخة الأصلية إلى المنزل من أجل قراءتها بتمعّن".

طوال الأسبوع، وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، كانت المفاوضات في جنيف تُراقَب بشيءٍ من الترقب المشوب بالقلق في قبرص. فعلى جانبي المنطقة العازلة التي تقسم العاصمة تحت حراسة الأمم المتحدة؛ يعلم القبارصة اليونانيون والأتراك أن هذه هي آخر فرصة لتحقيق السلام. وفي حال انهيار المحادثات، كانت ستنهار معها الآمال في تحقيق أي تقدم في حل الأزمة.


معاهدة الضمان


s

لكن، بعد انتشار الأخبار عن أن مؤتمر قبرص التاريخي، الذي حضره ممثلون عن المجتمعين، وكذلك الدول الثلاث الضامنة لمعاهدة "الضمان" في حقبة ما بعد الاستعمار، تركيا، واليونان، والمملكة المتحدة، قد انتهى دون التوصل إلى أية نتائج، لم يُصَب المواطنون بالإحباط رغم شعورهم بالقلق. ولكن، بدلاً من ذلك، أصر أنصار المصالحة على أن الوقت مازال سانحاً للتوصل إلى تسويةٍ مناسبة.

ويقول نيكوس ديميتريو، الحلاق الذي يجذب صالونه حشداً متنوعاً من الكبار والصغار: "لقد وصلنا الآن إلى نقطةٍ تمنحنا بصيصاً من الأمل. أنا متفائلٌ جداً جداً".

يبلغ ديميتريو من العمر 70 عاماً، ويزعم ضاحكاً أنه شهد كل مراحل الصراع في قبرص بالعصر الحديث: "أتذكر منظمة إيوكا (منظمة مسلحة للقبارصة اليونانيين حاربت لإنهاء الحكم البريطاني على قبرص)، وأتذكر كفاحنا للاستقلال عن بريطانيا، كما أتذكر ما عاناه القبارصة الأتراك، ناهيك عن ما عانيناه نحن أيضاً عام 1974".

ومثله مثل معظم أصحاب الأعمال الصغيرة في الجزء اليوناني من المدينة التي قسمتها الحرب؛ أصبح مهتماً بشدة بآخر التطورات التي تظهر على شاشة التلفاز الواقع في ركن صالونه. ولم تكن الأخبار التي سمعها في منتصف ظهيرة أمس الجمعة هي كل ما يرغب في سماعه؛ إذ أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن القوات التركية سوف تبقى داخل الجزيرة "للأبد".

ويضيف ديميتريو: "سيكون الأمر صعباً. مسألة الأمن، والدور الذي ستلعبه الدول الضامنة في الجزيرة، ستكون هذه هي القضايا الأكثر صعوبة، لكننا سنتوحد من جديد. ستتوحد قبرص".

وبالنسبة للقبارصة اليونانيين، تحت قيادة الرئيس نيكوس أناستاسيادس، فإن فكرة بقاء القوات التركية في الجزء الشمالي من الجزيرة، بعد 43 عاماً من دخول تركيا إلى قبرص بسبب محاولة يمينية فاشلة على للتوحُّد مع اليونان، هي فكرةٌ مرفوضة تماماً.

لكن القبارصة الأتراك، تحت قيادة مصطفى أقينجي المعتدل، لا يمكنهم أن يقبلوا بفكرة دولة لا يمتلكون فيها مقاليد السلطة اللازمة للحكم.


"لعبة بوكر"


مفاوضات جنيف كانت بمثابة لعبة بوكر عالية الرهانات، فكل التحركات محفوفة بمخاطر جمّة. والتوصّل إلى تسوية لن يحدث دون تقديم تنازلات، والتنازلات لن تأتي دون ألم.

ويقول كونستانتينوس بوليزوس، طالبٌ كان يتناول القهوة مع صديقته آنا: "يمكنك الجلوس على طاولة المفاوضات، لكن المهم هو ما سيبقى في حوزتك بعد أن تترك الطاولة. التسوية يجب أن يتم الموافقة عليها بواسطة استفتاءٍ ثنائي، وهنا تكمُن صعوبة الأمر".

حُلم بناء الاتحاد الفيدرالي بين الدولتين لا يتوقف فقط على التوصل إلى التسوية وتقديم التنازلات، بل يستدعي أيضاً موافقة اليونان وتركيا. ويقول أندرياس نيوفيتو (26 عاماً) تعبيراً عن رأيٍ منتشرٍ في جانبي البلاد: "يجب أن يتعلق الأمر بمستقبل طائفتينا، ولكن ليس هذا هو واقع الأمر. إذ يتعين علينا الرقص على الأنغام التي تعجب أثينا وأنقرة أيضاً. وهذا أمرٌ خاطيءٌ للغاية من وجهة نظري".

أما بالنسبة للقبارصة الأتراك؛ الذين خرجوا من المعادلة بعد رفض الجزء الجنوبي، المعترف به دولياً، والذي يحكمه اليونانيون، لخطة توحيد بوساطة من الأمم المتحدة عام 2004، فإن المساعي الأخيرة تأتي في وقتٍ حساسٍ للغاية بالنسبة لهم.

يقول أورهان إنه من الضروري إحراز تقدمٍ في المحادثات التي من المزمع استكمالها الأسبوع المقبل، قبل إعادة انعقادها في صورة مؤتمر قبرص الدولي الثاني خلال الأشهر القليلة المقبلة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.