الركاكة انتصرت.. 3 أخطاء لافتة في خطابات ترامب.. رؤساء أميركا حافظوا دائماً على إلقاء خطب نموذجية

تم النشر: تم التحديث:
S
s

"كل هذه الأخبار مزيفة، أشياء مزيفة لم تحدث... أظن أن لدينا واحدةً من أعظم الإدارات التي جُمِعت معاً... لا تكن وقحاً. لا تكن وقحاً. لا. تكن. وقحاً... لن أعطيك أي سؤال. لن أعطيك أي سؤال. أنتم قناة أخبار مزيفة". كان الرئيس المنتخب دونالد ترامب، في أول مؤتمر صحفي له، مُتقداً، وفظاً، وارتجالياً. كانت طريقة كلامه لا تشبه الرؤساء، وإنما تشبه ممثلاً من ممثلي تلفاز الواقع معتلي المزاج.

كانت الخطابة العامة في القلب من المشروع الأميركي منذ عهد مؤسسيه الأوائل؛ فاتخذ كُتَّاب الدستور الأميركي لأنفسهم أسماء مستعارة كلاسيكية في مراسلاتهم، وصاغوا، عن قصدٍ، جمهوريتهم الجديدة على نسق الجمهورية الرومانية. كل فترة رئاسية شهدت خطباً نموذجية، وتميزت نقاط التحول في فترات الرئاسة تلك بخطب تاريخية. أما مع دونالد ترامب، فنحن أمام خطيب رئاسي مختلف عن البقية، وفق ما ذكرت صحيفة الغارديان.

ما الذي ينبئنا به هذا عن الوجه العام لإدارته؟ كيف تبدو لغته؟ ثلاثة أشياء تلفت انتباهنا، على المستوى اللغوي البحت:

1) يستخدم ترامب مجموعة محدودة جداً من الكلمات. لا يبدو الأمر استراتيجية واعية من قِبَله، مع أنَّها تؤدي وظيفتها كما لو كان يستخدمها بوعي. معظم كلماته في المستوى الابتدائي، وباستخدام لوغاريتمات مستوى القراءة لتحليل خطاباته (على الرغم من أنَّ هذه الطريقة غير موثوقة)، نجد مستوى خطاباته في مستوى الصف الرابع، أي في مستوى فهم طالب متوسط المستوى بعمر 9 سنوات.

2) تركيب الجمل، والإملاء، وعلامات الترقيم، أقل ما يقال عنها إنها كارثية. في تغريدات ترامب على تويتر، نجده ميالاً إلى الجمل غير المكتملة، وكتابة الكلمات بالحروف الكبيرة بغرض التعبير عن الصراخ، والأخطاء الإملائية التي لا تليق بالرؤساء، وإساءة استخدام الكلمات، واستخدام أقواس الاقتباس بغرض التأكيد، وعلامات التعجب مع جمل دون أفعال. أما في الكلام، فنجده ميالاً إلى استخدام جمل ذات تركيب نحوي متهالك، والتكرار باستخدام الجمل الانعكاسية.

3) أدواته الخطابية مشحونة، لكن الأوصاف والأحوال مفرغة من المعنى. إنه يصف الأشياء بأنها "عظيمة"، و"مدهشة"، و"مذهلة"، و"الأفضل"، أو أنها "فاسدة" و"مزيفة" و"غير عادلة"، و"فاشلة". يسرف ترامب في استخدام أدوات التأكيد مثل: "إنه رجل مدهش جداً جداً جداً. مطور عظيم عظيم".

كل هذه الأشياء سالفة الذكر، على الرغم من أنها مدعاة للسخرية، إلا أنَّ هناك ما يقال عنها باعتبارها استراتيجيات تواصلية. فاللغة البسيطة تصل إلى أكبر مدى ممكن من الجمهور، وتعطي انطباعاً بالصدق (أدرج نكتة حزينة هنا). لطالما كان هذا الأسلوب البسيط -الكلمات القصيرة والنحو المبسط والطريقة الشعبية في الكلام- وسيلة ناجحة للرؤساء. هل تتذكرون تظاهر جورج دبليو بوش بالكلام كأنه راعي بقر من تكساس؟ هل تذكرون لعب رونالد ريغان دور "ابن البلد"؟ هل تذكرون لعب كلينتون لدور "الفهلوي"؟ الناس لا يثقون بالمتحدثين الفصحاء، ولذلك لم تكن فصاحة أوباما الاستعراضية شيئاً في صالحه طوال الوقت.

بساطة التركيب النحوي (أو غيابه بالكلية) لا تترك للمستمعين شيئاً شاقاً في مستوى حبل الأفكار، وإنما تتركهم مع مجموعة عشوائية من المصطلحات العاطفية، المكررة على سبيل التأكيد. ما تخرج به بعد سماع خطبة لترامب هو شعور بأنَّه ليس في كلامه حجة منطقية.

ومع ذلك، فالأسلوب البسيط لترامب غير متغير. وعدم التغير هذا جزء أساسي من روح ترامب، أو الطريقة التي يعرض بها نفسه للجمهور. معظم السابقين على ترامب كانوا قادرين على استدعاء عدد من الأساليب. فقد كان الأداء الرئاسي، الفخم، المستعلي متاحاً لجورج دبليو بوش، حتى في الأوقات التي كان يواجه فيها مشكلات في استعمال النحو (وهي مشكلات لم تؤذه بالضرورة، كما هو الحال مع ترامب). كانت هذه الأساليب وفيرة في حالة أوباما. بل إنها حتى كانت جزءاً من الأسلوب الشعبي لريغان.

في الحقيقة، فإنَّ القدرة على التحويل بين الأساليب في أثناء الخطاب، كأن تقول شيئاً تاريخياً، ثم تأنسنه بنكتة خاصة، أو بذكر "أهل البلد"، أو تحكي حكاية شخصية ساخرة، لطالما كانت مهارة رئاسية أساسية. كانت هذه المهارة لدى لنكولن بالقطع. وكان استخدامها للتعبير عن خطورة الشأن، أو إعطاء إيحاء بالسيطرة على الأمور، إلى درجة التعبير عن الازدراء في صورة المزاح. فكر في الهجوم المباغت الذي قام به أوباما على جون ماكين حين قال: "لا أعتقد أنَّ السيناتور جون ماكين لا يبالي بما يحدث في حياة الأميركيين. أظن فقط أنه لا يعرف" أو سخرية ريغان من جيمي كارتر: "ها أنت تفعل الشيء ذاته مرة أخرى...".


مميزة لكلامه من الكبرياء الجريح.. وحب النكاية


فيما يتعلق بترامب، نجد سمة مميزة لكلامه من الكبرياء الجريح، وحب النكاية، يصعب أن نجد مثلهما في التاريخ الرئاسي الحديث، اللهم إلا في المحادثات الخاصة لنيكسون. قال ترامب: "ميريل ستريب.. واحدة من أكثر الممثلات المبالغ في تقديرهن في هوليوود". ترامب، ببساطة، لا يبدو كما لو كان رئيساً على الإطلاق. ليست لديه أساليب مختلفة لمناسبات مختلفة. فهو دائماً ما يبدو متبجحاً، وانتقامياً، ومتنمراً، وساذجاً.

بالنسبة للكثيرين منا، يبدو هذا فشلاً. لكن بالنسبة للبعض، فينبغي لنا أن نقبل حقيقة أنها ورقته الرابحة، فهو لا يبدو كما لو كان رئيساً عادياً، ولهذا يحبه الناس. فليس هناك سوى دونالد ترامب واحد. ما تراه هو ما تحصل عليه. يمكن أن يعتبر هذا نوعاً من الصراحة.

ومن النقاط المتصلة بذلك: أقوى مناحي اختلاف لغة ترامب عن كل من سبقوه من الرؤساء، قدرته على مناقضة نفسه بشكل قاطع ودون خجل. لا أقول هذا الكلام لألمح إلى مدى شناعته، وإنما لإظهار تعجبي من استفادته من هذا التناقض على مستوى الخطاب.

معظم الرؤساء يجيدون الكلام المبهم. فهم "مقتصدون في استخدام الحقائق القاطعة" و"يستخدمون معلومات غير صحيحة"، وعند الضرورة، يراوغون في جدل فارغ حول معاني الأشياء. لكنهم لا يحبون أن يقولوا شيئاً قاطعاً، يمكن أن يكون على خلاف سلوكهم أو تصريحاتهم السابقة.

يرجع هذا إلى القاعدة التي تقول إنَّ الكذب، وابن عمه النفاق، هما أكثر الأضرار فاعلية ضد أي سياسي. بإمكان وسائل الإعلام أن تتهمك بأنك على خطأ، أو أنك حتى شرير. لكنَّ هذه الهجمات لن تمنعك من الحركة، إذ يمكن عزوها إلى المعارضة الأيديولوجية أو اختلاف تفسير المعلومات. لكنك لو قلت شيئاً ما وفعلت عكسه، أو قلت شيئاً ما وثبت أنك كنت تعرف أن العكس صحيح، فقد غرقت. تكون بهذا قد أدنت نفسك بنفسك.

يبدو أنَّ هذا القانون لا يسري في حالة الرئيس المنتخب دونالد ترامب. نعم، يكون ترامب في كثير من الأحيان مبهماً. لكنه عندما يقول أشياء ملموسة، يقولها بشكل مباشر: لم أؤيد حرب العراق قط. أليشيا ماتشادو صورت مقطع فيديو جنسيا. رأيت آلاف المسلمين مبتهجين بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول. هيلاري كلينتون هي من بدأت الشائعات حول شهادة ميلاد أوباما، لكنَّ دونالد ترامب "هو من أنهى هذه الشائعات"، إلخ. عادة ما يمكن إثبات عدم صحة هذه الأشياء، أو مناقضة شيء قاله سابقاً. ومع ذلك فيبدو أنَّ هذا الأمر لم يضره على الإطلاق.

أظن أنَّ عجبي من هذا الأمر لا يقل عن عجبكم. تخميني أننا إزاء ناخبين اعتادوا على ضبابية السياسيين، ويشعرون بالغضب العارم تجاهها، إلى حد أنَّ فضيلة عدم مشابهة ترامب لباقي السياسيين تفوق نقيصة كونه واحداً من أكبر الكذابين. بعبارة أخرى، نفضل أن يكون لدينا كذَّاب لا يتوارى أكثر من سياسي تقليدي. فلنَرَ كيف ستجري الأمور.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.