طالب إيراني يترجم أمهات كتب الأدب إلى اللغة الكردية.. ما الذي دفعه إلى ذلك؟

تم النشر: تم التحديث:
S
س

يقول "مادح بيريونيسي" إنَّ حبه للأدب تطوَّر وهو في سن صغيرة أثناء طفولته التي قضاها في إيران.

"لا أدري إن كان القول إنَّ كل إنسان يولد وفي داخله شاعر ضرباً من المبالغة"، هكذا قال مادح ضاحكاً، بينما كان يجلس في مقهى مزدحم بقرب جامعة "تورونتو" في كندا، التي يدرس بها للحصول على درجة الدكتوراه في الهندسة المدنية، وفقاً لتقرير موقع "ميدل إيست آي".

ومع أنَّ لغته الأم هي اللهجة السورانية الكردية، الشائعة بين أكراد إيران والعراق، قال "مادح" ذو الـ25 عاماً إنَّه يجد صعوبة كبيرة في العثور على كتب بلغته الأولى، واضطر إلى قراءة الشعر بالفارسية بدلاً منها.

وأضاف: "عندما كنا أطفالاً، كانت الكتب الكردية نادرةً للغاية. أتذكَّر أوَّل بضعة كتب قرأتها بالكردية. قلت لنفسي: (ياللعجب! إن هذا لا يزال أدباً لكنه مختلف)".

اليوم، يسعى "مادح"، الذي تعود أصوله إلى مدينة "مريوان" بالقرب من الحدود الإيرانية-العراقية، إلى مشاركة شغفه بالأدب عن طريق ترجمة أمهات الكتب والشعر إلى الكردية.

أوَّل كتاب ترجمه إلى الكردية كان "أغاني كبير"، الذي يضم مجموعة من قصائد المتصوف الهندي "كبير داس" الذي عاش في القرن الخامس عشر وترجم كتبه إلى الإنكليزية الشاعر البنغالي "روبندرونات طاغور" الحاصل على جائزة نوبل في الأدب.

ومؤخراً، ترجم "مادح" أعمال الشاعرة الأميركية "إيميلي ديكنسون" إلى الكردية.

قال "مادح" إنَّه يأمل بأن يجعل الأعمال الأدبية الشهيرة في متناول الناطقين بالكردية، خصوصاً الذين يعيشون في دول الشرق الأوسط، ويأمل أيضاً في المساهمة في حفظ اللغة الكردية من الاندثار.

وأضاف أن الكُتَّاب الأكراد عبر التاريخ "كانوا يشعرون بمسؤولية الكتابة بالكردية" لأنها لغة "جميلة وجديرة بالحفظ".

وتابع: "أعتقد بأني أفعل الأمر نفسه، لحماية اللغة الكردية".


تاريخ الأدب الكردي


يبلغ عدد الأكراد في العالم 35 مليون نسمة تقريباً، يعيش معظمهم في تركيا، وإيران، وسوريا، والعراق؛ وقد أصبح شرق العراق منطقة كردية تتمتع بما يشبه الحكم الذاتي تحت سلطة "حكومة إقليم كردستان".

يتحدَّث الأكراد عدة لهجات، منها الكرمانجية (الكردية الشمالية) التي تغلب لدى أكراد تركيا، والسورانية (الكردية الوسطى) التي يتحدثها أكراد العراق وإيران.

تُكتب الكرمانجية بحروف لاتينية في تركيا، التي تبنَّت الأبجدية اللاتينية في عشرينات القرن الماضي مع تأسيس جمهوريتها الحديثة. أمَّا السورانية فتُكتب عادةً بنسخة معدَّلة من الأبجدية العربية.

ومع أنَّ معظم الأدب الكردي قبل القرن العشرين كان شفهياً، تعود بعض المجموعات الشعرية الكردية إلى القرن السادس عشر، وفقاً لـ"جعفر شيخ إسلامي"، المدرس المساعد بجامعة "أوتاوا" الكندية، والمتخصص في اللغة الكردية.

وقال "جعفر" إن معظم تلك القصائد كان مكتوباً بلهجة كردية قديمة تُدعى "الغورانية"، بينما كُتب بعضها بالكرمانجية.

وأضاف لـ"ميدل إيست آي" أنَّه وبحلول نهاية القرن التاسع عشر "بلغت الكتابة الأدبية بالكردية مبلغاً كبيراً، والسبب في ذلك ليس مفاجئاً؛ إذ شهدت هذه الفترة صعود القومية الكردية".

وفي الوقت الذي ازدهرت فيه الكرمانجية في العراق، واجه الأدب المكتوب بالكرمانجية صعوبةً في التطوُّر في تركيا، التي منعت الأكراد لعدة عقود من استخدام لغتهم في الكلام والكتابة، وحتى من تدريسها.

وأضاف "جعفر" أنَّ تلك الفترة هي التي شهدت تأسيس نظام الدراسة بالكردية، وأصبحت هي اللغة المستخدمة في التدريس في المناطق المحيطة بأربيل والسليمانية في شمال العراق.

وتابع: "كان هذا إيذاناً بأن يقرأ الأكراد ويكتبوا بلغتهم".


غياب لغة موحدة


قال "جعفر" إنَّ أول كتاب غربي تُرجِم إلى الكردية كان الإنجيل، الذي ترجمه المبشرون المسيحيون الذين تعلَّموا الكردية أثناء عملهم في المنطقة.

ونشرت ترجمات مبكرة أخرى في الدوريات الكردية في أوائل القرن العشرين، بدءاً من المقالات الصحفية والتعليقات السياسية والتاريخية، وحتى التحليل الأدبي والقصص القصيرة.

ومنذ بداية التسعينات من القرن الماضي وتأسيس "حكومة إقليم كردستان"، نُشرت مئات الكتب بالكردية في العراق، بينما نُشرت في تركيا آلاف الكتب من ألوان أدبية وفكرية مختلفة، وفقاً لما قاله "جعفر".

في الوقت الراهن، تمَّت ترجمة أعمال "ويليام شكسبير" و"ويليام فوكنر" الكلاسيكية إلى الكردية، جنباً إلى كتب شهيرة من الأكثر مبيعاً على قوائم "نيويورك تايمز"، من بينها سير ذاتية لقادة أميركيين ورموز سياسية أخرى.

لكن الترجمات تعاني، وفقاً لـ"جعفر"، من تقطُّع في الإنتاج وسط غياب الدعم المؤسسي والحكومي في جميع أنحاء المنطقة الكردية.

وقد جعل غياب لغة أدبية كردية موحَّدة من الصعوبة بمكان مشاركة الأعمال الأدبية بين الأكراد المنتشرين جغرافياً على مساحات شاسعة والذين يتحدثون بلهجات مختلفة.

وقال "جعفر" إنَّ الانقسامات السياسية والجغرافية في غياب دولة كردية موحدة منعت ظهور لغة موحدة.

وأضاف: "عموماً، تحتاج اللغة، والثقافة، والمترجمون إلى أكبر قدر ممكن من الدعم؛ إذ من دونه لا يمكن للغة نفسها أن تبقى".

وتابع: "الترجمة يمكن أن تجعل أية لغة غنية جداً وأكثر حداثة وقدرة على التعامل مع القضايا الحديثة، من الصحة حتى التكنولوجيا والسياسة.. وكل الأمور التي نتعامل معها (في حياتنا)".


إثارة جدل


أقرَّ "مادح"، الطالب والمترجم، بأنَّ توزيع ترجماته إلى الكردية كان أمراً صعباً. على سبيل المثال، استغرق إنهاء الترجمة الفارسية لشعر "إيميلي ديكنسون" ثلاثة أشهر، بينما استغرق إعداد النسخة الكردية أكثر من عام كامل.

وقال إن التشظي الجغرافي الذي يتسم به المجتمع الكردي هو أحد الأسباب التي تؤدي إلى ذلك، بالإضافة إلى أنَّ الأكراد يتحدثون بعدة لهجات.

لكن "مادح" لا يزال يختار ترجمة الأعمال الأدبية التي تضرب في عمق الموضوعات المهمة، والتي تساهم في إثارة قضايا مهمة ونقاشات في داخل المجتمع الكردي.

وأضاف أنَّ "رسالة المتصوف "كبير" هي رسالة تسامح، وأعتقد بأن هذه الرسالة مهمة للغاية في المجتمع الكردي، لأن الأكراد لديهم ديانات مختلفة ولهجات مختلفة".

بينما تكتب "إيميلي ديكنسون" بقوةٍ عن القضايا التي تتصل بحقوق المرأة والموضوعات التي يشترك فيها العالم كله وفكَّر بها البشر من قديم الأزل، مثل الطبيعة، والحياة، والموت.

وتابع: "أعتقد بأنَّ المجتمعين الكردي والفارسي، وكل أولئك الذين يتحدثون لغات شرق أوسطية أو شمال إفريقية، معتادون أكثر على الحسّ الشعري، وعلى اللغة الأدبية. إذا تحدَّثت معهم عن طريق الأدب، فأغلب الظن أنهم سيفهمون رسالتك".

وأضاف: "أعتقد بأنَّ هذه الأعمال الأدبية ستؤثر في المجتمع، سواء أأحببت ذلك أم لم تحبه.. أنا موقن بأنها تثير في نفوسنا الأسئلة نفسها".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye البريطاني. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.