"نُكات للمسلَّحين".. مجموعة حيل أدبية لفانتازيا الواقع العربي

تم النشر: تم التحديث:
PHOTO
sm

في مجموعته القصصية "نُكات للمسلحين" الصادرة عن منشورات "الكوكب – رياض الريّس"، يقدم القاص الفلسطيني مازن معروف عدة حيل وألاعيب فنية، ويضفّرها في مجموعة من الثيمات المتكررة على مدار قصص المجموعة، فيمنح هذا المزيج المجموعة القصصية شخصيتها وأجواءها.

وفازت "نكات للمسلحين" بجائزة ملتقى القصة القصيرة في دورتها الأولى، بعد منافسة مع عدة مجموعات قصصية.



photo

وتحكي أغلب القصص بالضمير الأول، ضمير الأنا، ويتناول فيها السارد مجموعة من الثيمات والمحاور التي ترسم الأجواء العامة للمجموعة، يفتتحها معروف بثيمة العلاقة مع الأب، وهي المحور الرئيسي لقصص مثل "نكات للملسحين" و"غرامافون"، كما تحضر الحرب والقذائف في القصص، وبالمثل نجد تكراراً للأجساد المشوّهة والمعاقة بالأطراف المبتورة والعيون المسمولة وحتى حالة التحوّل إلى مسخ محني الظهر.

النُكات أيضاً ثيمة مكررة بتأويلات مختلفة، لا تعريف واضح للنكتة، هي ابتسامة خافتة على مر القصص، أو قهقهة في وسط القراءة، مرح سوداوي سوريالي يبثه معروف بمهارة، وبالتساوي، بين الأربعة عشر نصاً، مع الأخذ في الاعتبار أن قصة "نكات للمسلحين"، عبارة متتالية قصصية صغيرة ورشيقة و"أُعجوبية" إن صح التعبير.

تلعب قصص "نكات للمسلحين" في مساحات خيالية مفتوحة، لا تبالي بقوانين الواقع، قدر اعتنائها بجماليات النص ومنطقه الداخلي، من الطبيعي هنا أن يموت شخص واحد ثلاث مرات، أو أن ينبت ذراعان للأب مبتور الذراعين، ولا عجب في أن يحاول الطفل الراوي أن يبيع أخاه التوأم للمسلحين مقابل أموال يشتري بها عيناً زجاجية لأبيه ليخيف بها المسلحين الذين يضربونه ويستهزئون به.


المنطق السائد هنا هو منطق الحكاية الملبّدة بالخيال:


"كنت أمنّي النفس بأن يكون المسلحون من هواة الأعضاء. فقد وجدت في أخي الأصم بضاعة رابحة. حسناً، ليست بضاعة باب أول. أعترف. فأخي كون أذنيه لا تعملان، يعني أن جزءاً منه غير موجود. وهذا صحيح لأن أخي على ما يبدو استعمل أذنيه كثيراً أثناء إصابته بالحمى، حتى ما عاد عنده سمع. كما أن هناك اثنين منه. أنا. وهو ما سيخفّض حتماً من سعره. لكن سعره زائد ما في القجة سيمكنني من شراء عين زجاجية لأبي. كما أن هناك سبباً آخر سيدفع المسلحين حتماً إلى شرائه. أخي له قلبان. هذا ما كانت تقوله أمي".

يلحظ القارئ على امتداد المجموعة، وجود حالة من الإحساس بالدونية، ومحاولة تعويض ذلك بانتهاج نوع من الشر الساذج والحيل العبثية، توليداً للمفارقات التي تمنح "نُكات للمسلحين" شخصيتها، بالطبع إلى جانب هذا العمق العبثي السوداوي والفكاهي.

المدهش في "نكات للمسلحين" هو تماسّها المباشر بالواقع اليومي في الكثير من البلدان العربية، رغم أنها مبلّدة بالفانتازيا بشكل كامل، وتطغى عليها أجواء فوق واقعية، إلا أن تكرار حضور المسلحين ورجال المليشيات والقذائف والأسلحة والأطراف المبتورة، خلق تماساً مباشراً بما يراه الناس في سوريا وفلسطين واليمن وليبيا والعراق وغيرها من الدول العربية.

من هنا ربما وجدت المجموعة طريقها إلى القارئ العادي غير المتخصص، إذ تحمل القصص مستويات للتأويل والتلقي، هناك القصص العبثية العجائبية المحزنة المضحكة، وهناك مستوى مرتبط بالإضافة الفنية وحرفية الأسلوب وجماليات السرد يرصدها الناقد والمتخصص.

لا يهتم مازن معروف في مجموعته بمسألة تكثيف حجم النص، أو الوصول به إلى أقل عدد من الكلمات، لا يولي عناية كبيرة باجتراح هندسات شكلية أو الاشتغال على التقطيع مثلاً.

فجل فنّيات "نُكات للمسلحين" تتجسد في عجائبيتها وأجوائها التي تبدو فيها الشخصيات كتكعيبيات بيكاسو.

تلك التكعيبيات، مليئة بالشخصيات الكفكاوية، شخصية الراوي الذي يشعر دوماً بالدونية، ويعاني إحساساً فادحاً بالنقص، تجعله شخصاً وضعياً غير ذي شأن، ويتجلى ذلك النقص في شكل فيزيقي عبر الأعضاء المبتورة أو الأجزاء الناقصة من جسم الإنسان، وربما يفسّر ذلك إحساس القارئ بواقعية الأحداث رغم كونها فنتازية مغرقة في الخيال، إلا أنها في الوقت عينه تشبه مثلاً وجود أكثر من مليون عاجز منذ اندلاع الثورة في سوريا.