مصادر استخباراتية تدلي بشهادتها حول كاتب تقرير إدانة ترامب.. هذا كل ما تريد معرفته عن الضابط البريطاني السابق

تم النشر: تم التحديث:
S
س

كان الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب حاسماً حين أنكر عدة مرات ما جاء في الملف المُسرَّب عنه، حتى بالمعايير التي أصبح الرئيس الأميركي المنتخب يُحاكَم عليها. وصف ترامب الملف بأنَّه صنيعة الأكاذيب، وشبَّهه بالدعاية النازية؛ بالنسبة له، فالملف "أخبار زائفة" نشرها أناس مريضون.

وفي مؤتمره الصحفي، يوم الأربعاء الموافق 11 يناير/كانون الثاني 2017، تحدَّى الرئيس المنتخب وسائل الإعلام العالمية في تمحيص الادعاءات التي وردت في 35 صفحة، قبل أن يسألهم عن الدليل. ولمَّا لم يكُن أيٌ منهم يملك أي دليلٍ؛ فقد تمَّ الأمر وأُغلقت القضية بالنسبة لترامب.

ولكن في غمرة المساعي لطيّ صفحة التقرير ودحض محتواه، بقى سؤال أساسي واحد: لِمَ شعرت وكالات الاستخبارات الأميركية بأنَّ من الضروري تقديم ملخصٍ بهذه الادعاءات إلى باراك أوباما وترامب نفسه؟


مصداقية كاتب التقرير


تكمن الإجابة عن هذا السؤال -بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية- في مصداقية كاتب التقرير نفسه، فقد كان كريستوفر ستيل ضابطاً سابقاً في جهاز الاستخبارات البريطاني، بالإضافة إلى نوعية المصادر التي كانت لديه، ونوعية الناس الذين كانوا على استعداد للشهادة لصالحه. لكل هذه الأسباب مجتمعة، كان ستيل ذو الـ 53 عاماً محلاً للثقة.

وفي ليلة الخميس 12 يناير/كانون الثاني، عندما كان الجاسوس السابق مختبئاً، بعد أن فرَّ من منزله بجنوب شرق إنكلترا، سارع زملاؤه السابقون في الدفاع عنه، إذ وصفه أحدهم بأنه "موثوقٌ للغاية" وبأنه رصين وحذر وأنه دقيقٌ ومحترف، وذو سجل ممتاز.

وقال مسؤولٌ سابق بوزارة الخارجية، كان قد عرف ستيل لـ25 عاماً ويعتبره صديقاً: "إنَّ الفكرة القائلة إن عمل ستيل مزيف أو غير موثوق به فكرة خاطئة، وغير صحيحة البتة. كريس محترف وذو خبرة ويحظى باحترامٍ شديد وليس هو الشخص الذي يتكلم لغواً".

وأضاف المسؤول: "لو وضع كريس شيئاً في تقرير، فإنَّ هذا يعني أنه يؤمن بأنَّ هناك مصداقية كافية تكفي لاعتبار هذا الأمر. كريس رجل مستقيم للغاية. لا يمكن أن يكون قد استمر في وظيفته التي كان فيها لو كان عرضة للأوهام أو التصرف بطريقة غير مدروسة".

هكذا أيضاً يراه جهاز الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، فضلاً عن الحكومة البريطانية. وليس من الصعب معرفة أسباب هذا الاحترام.

كان ستيل، خريج جامعة كامبردج، واحداً من أبرز المتخصصين في الشأن الروسي في جهاز الاستخبارات البريطاني. وبحسب المعلومات المتاحة لدى الغارديان، فقد ركَّز ستيل على الشؤون السوفييتية بعد انضمامه إلى الوكالة، وأمضى عامين في روسيا في أوائل التسعينات.

كان ذلك في الفترة التي كانت فيها روسيا والكتلة الشرقية بعد تفككها لا يزالان يمثلان محوراً لتركيز لوكالات الاستخبارات البريطانية بشكل رئيسي، وكان العمل في تلك المنطقة وسيلة جيدة للإحاطة بهذا الأمر.

على أيةِ حال، هذا بالضبط ما فعله ستيل. ولم يتناقص اهتمامه بروسيا مع ارتفاعه في الرتب، وذلك بحسب أحد أصدقائه، وأحد المعاصرين للرئيس الحالي لجهاز الاستخبارات البريطانية أليكس ينغر.

أدى ستيل، خلال مسيرته الوظيفية التي استمرت أكثر من عشرين عاماً، عدداً من الأدوار، لكنه دائماً ما بدا منجذباً إلى روسيا. وتقول المصادر إنه كان رئيساً للمكتب الروسي في جهاز الاستخبارات البريطانية. وعندما كانت الوكالة غارقة في الرعب بسبب تسميم عميلها ألكساندر ليتفينينكو عام 2006، احتاج رئيس جهاز الاستخبارات، وقتها، جون سكاريت، ضابطاً كبيراً موثوقاً به لوضعِ خطةٍ للخروج من هذا المأزق، فلجأ إلى ستيل. وتقول المصادر إنَّ ستيل هو من أدرك سريعاً أنَّ موت ليتفينينكو كان "ضربة" من الدولة الروسية، وكان محقاً في ذلك.

وعلى الرغم من مهارة ستيل، إلا أنه كان من غير المحتمل أن يحصل على أية وظيفة مرموقة من وظائف جهاز الاستخبارات البريطانية، ربما لأن اختصاصه لم يكن أولوية في هذه الفترة، إذ تراجع موضوع التجسس على روسيا ليفسح المجال "للإرهاب الإسلامي" والتهديدات القادمة من المجموعات لا الدول. وبالطبع، هناك مالٌ وفيرٌ يمكن جنيه من القطاع الخاص ــ الكثير من المال، خصوصاً في السنتين الأخيرتين. لذا فقد فقرر ستيل الاستقالة من الخدمة عام 2009.

ومع تزايد نفوذ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في كل المجالات، ازدادت قيمة خبرة ستيل كثيراً. ومع عدم استطاعته السفر إلى روسيا، يبدو أنه حافظ على اتصالاته وأقام علاقاتٍ جديدة باستخدام تكتيكات المدرسة القديمة: الخروج ومقابلة الناس، والمصافحة والمصادقة، والدفع مقابل المعلومات.

أنشأ كريس مع شريكه التجاري، كريس بوروز شركة أوربيس الاستخباراتية، ومقرّها لندن، التي كانت قد قامت بالكثير من الأعمال وتوسّعت. وكانت تلك العملية فرصةً جيدةً لأي شخصٍ يحاول جمع معلومات استخباراتية عن روسيا وترامب.

ومن غير المحتمل أن يكون ستيل قد تواصل مباشرةً مع مسؤولي الكرملين الذي لم تُذكَر أسماؤهم، والذين يُزعم أنهم تلقوا معلوماتٍ حساسة حول الرئيس المنتخب. وفي الحقيقة، يعتقد أن الجاسوس السابق لم يكن قادراً على زيارة روسيا لأكثر من عشرين عاماً. ولكنَّ لابد أن ستيل قد زرع مصادره في عمق البلاد، هذه المصادر التي يرجع بعضها إلى الوقت الذي كان يعمل فيه في روسيا، والبعض الآخر شكَّله هناك لاحقاً، بحسب مسؤولين بريطانيين.

في المقابل، لابد أنَّ لهؤلاء الأشخاص مصادرهم الخاصة بهم. ومن المرجح أنَّ ستيل تعاقد من الباطن، في بعض أجزاءٍ من تحقيقه حول ترامب، مع وسطاءٍ موثوقين في موسكو، ولابد أنهم عادوا إليه بالمعلومات من خلال قنوات آمنة.

ربما تفسر هذه الطريقة الاستخباراتية في جمع المعلومات هذا التفاوت الغريب في لغة ملف ترامب، الذي أذيع مساء يوم الثلاثاء. وذكر ستيل، في ملحوظة في مؤتمر صحافي في سبتمبر/أيلول، مجموعة Alpha، في إشارة إلى الجمعية التي يترأسها ميخائيل فريدمان، الشخصية ذات النفوذ القوي. بينما التهجئة الأكثر اعتياداً باللغة الإنكليزية هي Alfa.

من شبه المؤكد تقريباً أنَّ روسيّاً هو من كتب المادة الأصلية، وترجَمَ حرف F بالإنكليزية إلى Ph. وكانت مهمة ستيل أن يجمع ويقيّم ويتحقَّق من المادة المطروحة أمامه قبل تمريرها إلى عميله الأميركي، شركة فيوجن جي بي إس، وهي شركة أبحاث سياسية مقرها واشنطن. وكان واحد من منافسي ترامب الجمهوريين هو من استأجر الشركة في الأساس قبل أن يأخذ العقد ديمقراطيون كبار.

واعترف مسؤولُ وزارة الخارجية الذي تحدث إلى الغارديان، أمس الخميس، بأنَّ ملف ستيل ليس كاملاً. لكنه أشار إلى أنَّ التقارير الاستخباراتية دائماً ما تأتي بـ"تدرج في المصداقية" وتحتوي على عبارات "على درجة عالية من الاحتمالية". وقال المسؤول: "إننا لا نتعامل مع عالم ثنائي يمكننا فيه أن نجزم بأنَّ هذا صحيح وهذا خطأ".

وأضاف المسؤول: "إنَّ أقوى الأسباب التي تعطي هذا التقرير مصداقية أنَّ المحترفين الاستخباراتيين في المملكة المتحدة يتعاملون معه بجدية. لكنهم كانوا مقتنعين بما يكفي بسجل المؤلف ووجدوا أنَّ المحتوى يستحق التمرير إلى الرئيس والرئيس المنتخب".

لا بد أنَّ جهاز الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي قد وضعا في الاعتبار عدة عوامل قبل تحديد مصداقية التقرير. وقد تشمل هذه العوامل تعليقات ترامب العامة أثناء حملته، عندما حث روسيا على اختراق رسائل هيلاري كلينتون. وربما تكون الوكالات أيضاً قد صنفت واعترضت مواد قدمتها وكالة الأمن القومي ومكتب اتصالات الحكومة البريطانية.

وعلاوة على ذلك، لابد أنهم وضعوا في الاعتبار احتمالية أن تكون بعض المزاعم الواردة في التقرير جزءاً من ممارسة تضليلية روسية. وقال المسؤول: "هذا غير محتمل. فالملف متعدد الأبعاد، ويتضمن الكثير من الأشخاص، والكثير من المتغيرات".

ومن غير المحتمل أن تكون آراء ستيل الشخصية حول روسيا شديدة الاختلاف عن آراء رؤسائه السابقين، أو آراء السفير البريطاني السابق في موسكو، المعروف أنه هو من مرَّر الملف إلى السيناتور الجمهوري جون ماكين، الذي مرَّره بدوره إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي.

ولطالما حذَّر جهاز الاستخبارات البريطانية من أنَّ بوتين، الذي لا يواجه تحدياً من الغرب، قد ازدادت ثقته، وأنَّ الكرملين، طبعاً، قد استهدف ترامب. سيبدو الأمر غريباً إن لم يفعل الكرملين ذلك. وهناك إجماعٌ بين المسؤولين الاستخباراتيين البريطانيين أنَّ "بوتين ذئب... وأنه يفترس أضعف الخراف".

لكنَّ الاستخبارات ليست دليلاً، ولابد أن ستيل قد عرف، أكثر من أي شخص آخر، أنَّ المعلومات التي كان يجمعها لم تكن حقائق، ويمكن أن تكون خاطئة. بيد أنه في وسط ضباب عالم التجسس المضاد ليس ثمة الكثير من اليقينيات.

لا تظهر هذه المحاذير في الوثائق، لكنَّ ستيل عرض هذه المحاذير على زبائنه المحتملين الجدد.

وسواء كان بإمكانه أن يتخيل أنَّ ملخص عمله هذا سوف يُستَخدَم بهذه الطريقة، فهذا محل خلاف. فلم يختبئ ستيل في الأسابيع التي سبقت الكريسماس عندما حاولت وسائل الإعلام الأميركية أن تتحقَّق من بعض المزاعم ضد ترامب. كان حينها في لندن، يفكر في الخطوة التالية لشركته أوربيس، يأكل وجبته المفضلة ويتسكع في مقاطعة فيكتوريا، مقر مكتبه الذي قام بتجديده مؤخراً.

من وجهة نظر موسكو، لا يمكن اعتبار مجرد نشر التقرير نجاحاً. ولما كان بوتين عميلاً سابقاً للمخابرات الروسية، فهو يعرف أول قوانين الاستخبارات: العمليات الخاصة لا بد أن تظل سرية. وقال مسؤول وزارة الخارجية: "في العالم الذي يعمل فيه بوتين، لو استطاع الناس رؤية الخيوط، فقد مُنيت بالفشل. سيتساءل الروس: كيف خرجت هذه المعلومات؟".

ليست الشهرة، قطعاً، شيئاً يبحث عنه ستيل. فهو عموماً لا يثق بوسائل الإعلام، فاختار أن يتحدث مع صحفيين يعملون لصحيفة صنداي البريطانية، بعد أن خذلته وسائل الإعلام سابقاً، كما أسرَّ بذلك لبعض أصدقائه.

كانت المجهولية شيئاً يقدِّره ستيل بعد مسيرته الوظيفية في جهاز الاستخبارات البريطانية. ذات يومٍ سأل صحفياً إن كان قد سمع عنه قط، فجاءت إجابة الصحفي حاسمة بأنه لم يسمع عنه. شعر ستيل بالراحة قائلاً: "هكذا أفضل".

أما وقد انكشف الغطاء، فإنَّ خطواته التالية ليست مؤكدة. إنَّ حقيقة كون ستيل مواطناً بريطانياً ومسؤولاً سابقاً في جهاز الاستخبارات البريطانية، تجعله آمناً بشكل نسبي من أي فعلٍ انتقامي من جانب روسيا. ربما يبدو الموقف كئيباً بالنسبة لستيل حالياً. لكن من الممكن أن تتغير الأمور.

قال صديق ستيل: "كل هذا سينتهي قريباً. ما سيتبقى هو حملة دعائية ناجحة. ستيل رجل رزين للغاية، لكنه خفيف الظل أيضاً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.