هذه أعقد عقدة على الإطلاق.. تعرف على كيفية بنائها والفائدة منها!

تم النشر: تم التحديث:

في إنجاز حطَّم أحد أعتى الأرقام القياسية في دنيا العلوم تمكّن فريق علماء كيميائيين من بناء جزيء لولبي ثلاثي دائري circular triple helix أو بكلمات أكثر بساطة: إنها أعقد عقدة مربوطة بإحكام على الإطلاق.

وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، فقد صنع الباحثون من مانشستر بالمملكة المتحدة تلك العقدة المحكمة من خيط ذرات تلتف على بعضها عدة مرات لتصنع حلقة ثلاثية ثم تتقاطع مع نفسها 8 مرات. قوام الجزيء 192 ذرة متصلة مع بعضها في سلسلة، ولا يبلغ عرض الجزيء إلا 2 بالمليون من الملليمتر الواحد (أي 0.000002 ميلليمتر)، أي أنه أرفع من شعرة الإنسان بـ200 ألف مرة.

وبناء هذه العقدة الجزيئية ليس مجرد استعراض للدقة المتناهية للتحكم الذي بات بوسع علماء الكيمياء استخدامه للتحكم والسيطرة على الأجسام المجهرية بل وعلى المستوى الجزيئي؛ إذ بتعلم كيفية نسج وحياكة خيوط من الذرات يأمل العلماء بفتح أبواب عالم جديد من المواد.

يقول ديفيد لي أستاذ الكيمياء في جامعة مانشستر البريطانية: "كلنا يعلم كم أحدثت الحياكة والخياطة ثورة للناس في العصر الحجري، فقد كان أثرها عظيماً على الثياب والأدوات وشبكات الصيد وما إلى ذلك. لعلنا الآن سنشهد مزايا عظيمة مماثلة بتمكننا من فعل هذا بالخيوط الجزيئية".


درجة إحكام العقدة


وتُعرَف درجة إحكام العقدة بأنها المسافة التي تفصل نقاط تقاطع الحبل أو الخيط أو سلسلة الذرات في مثالنا هذا مع بعضها. ففي حالة الحلزون اللولبي الثلاثي الدائري الذي بناه فريق علماء مانشستر فإن تلك المسافة التي تفصل نقاط الالتقاء والتقاطع لا تبلغ سوى 24 ذرة فاصلة. يقول لي: "إن هذه درجة إحكام شديدة بالفعل، وهي قطعاً أكثر هيكل فيزيائي محكم العقد على حد علمنا قاطبة".

وقد أصبح بناء العقد الجزيئية مثار اهتمام شديد للبروفيسور لي، فالعقدة الجديدة تحطم الرقم القياسي الذي كان فريقه قد سجله قبل 4 سنوات عندما صنعوا عقدة سمّوها "عقدة الرقاقة الخماسية" Pentafoil Knot مكونة من 160 ذرة، كانت تلك العقدة بدورها قد تفوّقت على بناء سبقها سموه "عقدة الرقاقة الثلاثية" كانت ذات 3 نقاط تقاطع.

وفي تعليق له ألمح فيه إلى انهماكه وفريقه في العمل مستقبلاً قال البروفيسور لي: "في الواقع ثمة مليارات العقد المختلفة المعروفة لدى علماء الرياضيات".

s


تجمّع نفسها


والعقدة الجديدة التي شارك في تصميمها وبنائها الزميل الباحث جوناثان دانون وآخرون تقوم بتجميع نفسها ولملمة أجزائها من محلول يحتوي على 4 خيوط من ذرات الكربون والنيتروجين والأوكسجين. وعندما يمزج المحلول مع أيونات الحديد والكلوريد في مادة مسيّلة مسخنة، فإن الخيوط الذرية تبدأ في تشكيل الهيكل الأساسي لشكل العقدة في غضون يوم واحد. ثم تكون الخطوة التالية أن تندمج أطراف الخيوط مع بعضها لتتكون لدينا حلقة مستمرة من الذرات؛ ثم تُغسَل العقدةُ من أيونات المعدن والكلوريد التي بها لتتبقى أمامنا العقدة فقط.

ويقول لي: "إن هذه الخيوط التي ننسجها ونعقدها صغيرة جداً لدرجة لا يمكنك إمساك أطرافها وعقدها بنفسك كرباط حذائك، بل بدلاً من ذلك نستخدم عملية كيميائية تسمى "التجميع الذاتي" نمزج فيها أحجار البناء العضوية مع الأيونات التي يحبسها الهيكل البنائي ثم يلتف من حولها على بعضه متقاطعاً مع نفسه في الأماكن الصحيحة".

وقد صمم العلماء العقدة مستعينين بأجهزة الحاسوب الآلي ومنظفات الأنابيب (عبارة عن أسلاك معدنية مرنة زاهية الألوان قابلة للطيّ والثني تستخدم في تنظيف الأنابيب الضيقة أو في لعب الأطفال وأشغالهم اليدوية)؛ بيد أنهم كانوا في شك من أمرهم كلياً غير متأكدين من نجاح الفكرة أو فشلها حتى قاموا بمزج كل العناصر سوية، فعندها تأكد لديهم ما كانوا يأملونه باستخدام صورة رسم كريستالي بالأشعة السينية كشفت التناسق والتناظر الفريد لتلك العقدة الجزيئية. يقول لي في انبهار "إنه بناء جميل".

وكان العلماء قد وجدوا وظيفة لجزيئهم ذي الرقاقة الخماسية الذي كانوا قد صنعوه عام 2012؛ ومن خلال أبحاثهم الأخيرة توضح لديهم أن الهيكل العقدي لبناء الرقاقة الخماسية يجعل منها حاملاً محفزاً جيداً للتفاعلات الكيميائية.

يقول لي في الختام: "ينبغي أن يكون للعقد أهمية واستعمالات متعددة في عالم الجزيئات تماماً مثلما لها أهمية ودور في عالمنا اليومي، لكننا إذا لم نتمكن من ربط شتى أنواع العقد، فعندها لن نعرف ما هي هذه الخواص ولا كيف لنا الإفادة منها".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.