بعد وصول ترامب إلى البيت الأبيض.. لماذا يتوقع حماة النظام الليبرالي انهياره الآن؟

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Bastiaan Slabbers via Getty Images

في خطابِ الوداع الذي ألقاه في شيكاغو مطلع هذا الأسبوع، قدَّمَ الرئيس باراك أوباما رثاءً حزيناً على العالم الذي يقع تحت الكثير من التهديدات.

أشاد أوباما أيضاً، بحسب تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية، بـ"النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي كان للولايات المتحدة الصدارة في بنائه، جنباً إلى جنب مع بلدانٍ ديمقراطيةٍ أخرى، ذلك النظام الذي لا يستند فقط إلى القوة العسكرية أو الانتماءات القومية فقط، بل على المبادئ أيضاً". لكنه حذَّرَ من "التحديات التي تواجه هذا النظام".

وقبل أسبوعٍ واحدٍ من تنصيب الرئيس الأميركي المُنتَخَب، دونالد ترامب، الذي وَصَلَ إلى السلطةِ في ظلِ موجةٍ من الغضب الغربي على المؤسسةِ الأميركية، صدرت ثلاثة تقارير مُنفَصِلة يعرض كل منها رؤيته الخاصة فيما يتعلق بتداعي النظام الليبرالي.


ارتفاع الدخل وتفاوت الثروة


وفي ورقةٍ سياسيةٍ أصدرها المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو منظمةٍ تُعبِّر عن قوى العولمة، يظهر جدالٌ بأن "ارتفاع الدخل وتفاوت الثروة" ربما يكونان أكبر دافعين للتيارات السياسية العالمية في السنواتِ المُقبِلة. وترى المنظمة أن دولَ الغربِ قد "تشرع في فترةٍ من الانغلاق".

لكن الأكيد أن مثل هذه التوقعات المتشائمة ليست جديدة على المنظمة، فقد جاء تقريرها الدوري في عام 2012 بعنوان "بذور الواقع المرير". لكن حالة الغموض التي تفرضها رئاسة ترامب، إضافةً إلى المكاسبِ السياسيةِ الأخيرة التي جنتها الأحزاب السياسية المتشكِّكَة في سياسات الاتحاد الأوروبي والمعادية للاجئين، تلك الأحزاب التي لم تكن تمثل إلا قوى هامشية في الأمس القريب، ستُخيِّم بظلالها على الاجتماع المُغلق للمنتدى الاقتصادي العالمي، الأسبوع المقبل في مدينة دافوس السويسرية، ذلك الاجتماع الذي لطالما وصفه النُقَّاد بأنه تجمُّعٌ للنخب العالمية المنعزلة في أبراجها الشاهقة.

لكن شعبوية اللحظة لا تتعلَّق فقط بالعدالة الاقتصادية. ففي الولايات المتحدة وغيرها من الدول، انفجر الغضب ضد النخب على خلفية رفض التعددية الثقافية، ومعاداة المهاجرين، واحتقار اللاجئين.

وقد أدى ذلك بالقادة "الليبراليين"، مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إلى الكفاح من أجل الدفاع عن المفاهيم والالتزامات الدولية في مواجهة القلق المتنامي لدى المواطنين حول فقدان السيادة في الداخل والتهديدات الأمنية من الخارج.

ويُحذِّر المنتدى الاقتصادي العالمي من أن "المزيج بين اللامساواة الاقتصادية والاستقطاب السياسي يُهدِّد بمفاقمة المخاطر العالمية، ما يؤدي إلى تفكيك التضامن الاجتماعي، الذي تقوم عليه أنظمتنا السياسية والاقتصادية".

أوضح مدير منظمة هيومان رايتس ووتش، كين روث، هذه النقطة بشكل أكثر صراحةً، في مقدمة التقرير العالمي السنوي للمنظمة بعنوان "ديماغوجيون يهددون حقوق الإنسان".

كتب روث: "يصعد بعضُ السياسيين، بل ويكتسبون السلطة، من خلال تصوير حقوقٍ مثل حماية المُشتَبَه في كونهم إرهابيين أو طالبي اللجوء، وكأنها تأتي على حسابِ الأمان، والرفاه الاقتصادي، والأفضليات الثقافية للأغلبية المُفتَرَضَة".

وأضاف: "إنهم يتعاملون في ذلك مع اللاجئين، وجاليات المهاجرين، والأقليات كأكباشِ فِداء. غالباً ما تكون الحقيقة هي الضحية. العنصرية وكراهية المهاجرين والأجانب والمسلمين آخذة في التصاعد".


مثال حي على سياسات التعصّب


ويرى روث أن فوز ترامب في الانتخابات هو "مثالٌ حيٌ على سياسات التعصب".

ويربط روث بين شعبوية ترامب والسياسات التي يتبناها حُكامٌ مستبدون في أجزاءٍ أخرى من العالم، مثل روسيا في ظل فلاديمير بوتين.

كتب روث: "يتوازى صعود الشعبوية باسم أغلبيةٍ مُفتَرَضَة مع الافتتان الجديد بحكم الرجالِ الأقوياء، ما كان ظاهراً بشكلٍ بارزٍ بالأخص أثناء حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية".

وأضاف: "يبدو أن التفكير في الأمر يسري على النحو التالي: إذا كان كل المهمِ في الأمر هو المصالح المُعلَنة للأغلبية، فلماذا إذاً لا تشمل هذه المصالح المستبد الذي لا يتورع عن التأكيد على رؤيته "الأغلبية" - التي يبدو أنها تخدم مصالحها الذاتية - والذي يُخضِع كل المُختلفين؟".

سيكون لتفكيك النظام الليبرالي آثاراً جيوسياسيةً حقيقية. ويتوقع مجلس الاستخبارات القومية الأميركي، وهو وحدةٌ تابعةٌ لمكتب مدير المخابرات القومية، الذي يُعد وكالةً حكوميةً أميركية، أن: "السنوات المقبلة ستشهد تصاعداً في التوتراتِ بين البلدانِ وداخلها".

يطرح مسؤولو الاستخبارات في مجلس الاستخبارات القومية، كل أربعة أعوام، بعض التوقعات للمستقبل. ويشير التقرير الصادر هذا الشهر إلى تصاعد القومية في العديد من مناطق العالم على خلفية استمرار تدفُّق اللاجئين وتباطؤ النمو الاقتصادي. وقد يُحفِّز ذلك المزيد من الصراع، لا سيما إذا تراجعت التكتلات أو التحالفات الدولية الكبرى، كالاتحادِ الأوروبي وحلف الناتو.

وترسم الدراسة صورةً مُظلِمةً لحروبِ المستقبل على النحوِ التالي:

"ستغدو الحروب أقل انحصاراً في المعارك المباشرة، وأكثر استهدافاً لزعزعة المجتمعات.. سيُستَهدَف غير المقاتلين بشكلٍ أكبر، أحياناً من خلال تحريضِ الفئات العرقية والدينية والسياسية ضد بعضها، من أجلِ عرقلة التعاون المجتمعي والتعايش داخل الدول. وتشير هذه الاستراتيجيات إلى اتجاهٍ نحو صراعاتٍ أكثر كُلفةً لكن أقلِ حسماً".

تشير الدراسة أيضاً إلى إرجاع السياسات العالمية إلى وقتٍ كانت فيه القوى الإقليمية في حالةٍ دائمةٍ من الصراع، والحُكَّام القوميين يرون "العلاقات الدولية ضرورية من أجلِ البقاء".

وفي خضم الكثير من الادعاءات الساخنة، يُقدِّم الملف الاستخباراتي المثير للجدل، الذي نشره موقع BuzzFeed الأميركي حول علاقة ترامب بروسيا، تحليلاً مُقنِعاً يتناول سعي بوتين لـ"زرع الانشقاقات والانقسامات في التحالف الغربي"، من أجلِ "تعزيزِ العودةِ إلى سياسات القوى العظمى في القرن التاسع عشر". أما ترامب فمن جانبه قد أشار مراراً إلى عدم اهتمامه ببناءِ سياسةٍ خارجيةٍ على المبادئ والقيم العالمية.

يجادل تقرير مجلس الاستخبارات القومية بأن "سواء كان أفضل أو أسوأ، يقترب المشهد العالمي الناشئ من نهاية عصر الهيمنة الأميركية التي تلت الحرب الباردة"، ليكشف لنا التقرير عن مُجمَل اهتماماتِ أوباما، ويضيف: "هذا هو الحال أيضاً بالنسبةِ للنظامِ العالمي المبني على القواعد، والذي نشأ بعد الحربِ العالميةِ الثانية".

ويُحذِّر آخرون من مثل هذه الكآبة وهذا الشؤم، فيقول الكاتب ديفيد بروكس في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية ساخراً: "سيحب ترامب التسكُّع حول المؤسسة العالمية بالطريقةِ التي أحبها في زفافِ هيلاري وبيل كلينتون".

ليس بوسعِ أوباما، وغيره من الأميركيين الذين يدركون ما اكتسبته أمتهم من "النظام العالمي المبني على القواعد"، إلا أن يأملون أن يكون هذا صحيحاً.

- هذا الموضوع مُترجم عن صحيفة Washington Post الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.