أنصاره ومعارضوه اتفقوا على أنه استثناء بين رؤساء أميركا.. هذه هي علاقة ترامب بنظرية "الرجل العظيم" في التاريخ

تم النشر: تم التحديث:
A
ء

يُثير صعود دونالد ترامب الوشيك إلى رئاسة الولايات المتحدة، وهو الرجل الذي يتَّفق أنصاره ومعارضوه على حد سواء على استثنائيته في سياق التاريخ الأميركي، تساؤلاً يفضِّل المؤرِّخون، وعلماء الاجتماع بشكلٍ عام، تجنُّبه: إلى أي مدى يعتمد التغيُّر في مسار التاريخ على تصرُّفات حفنةٍ من الأشخاص غير العاديين، أي الرجال والنساء العظماء الذين كانوا بمثابة رموز للعظمة في التاريخ، في مقابل العوامل غير الشخصية واسعة النطاق وطويلة المدى؟

أكَّد الأكاديميون المتخصِّصون، من المؤرِّخين، وعلماء السياسة، وعلماء الاجتماع، وغيرهم، الذين حاولوا تقديم منظورٍ لتفسير انتصار ترامب ورئاسته المقبلة بشكلٍ عام على تلك القوى غير الشخصية.

فهم يميلون -بحسب تقرير لمجلة فورين بوليسي الأميركية- إلى اعتبار أنَّ الظاهرة الأساسية في انتخابات 2016 كانت هي "الشعبوية"، التي تعني تصاعد العداء للنخب التقليدية، التي يفسِّرونها من خلال الإشارة إلى التغيُّرات الاجتماعية والظروف الثقافية التي جعلت مجموعةً كبيرة من الأميركيين البيض ضعفاء اقتصادياً، وخائفين من الأجانب، ويشعرون بسخطٍ مرير. وهم ينسبون كذلك الفضل في حشد هذه المجموعة معاً إلى ترامب، لكنَّهم يكرِّسون مزيداً من التحليل للظاهرة الاجتماعية أكثر من ترامب نفسه.


قوة الشعبوية


لكنَّ قوة الشعبوية كتفسير قد تكون أكثر قدرةً على تفسير الانتخابات من قدرتها على التنبؤ بما على وشك أن يحدث بعد ذلك. ورغم أنَّ العوامل غير الشخصية ربما أدَّت إلى صعود ترامب، فإن الرئيس المُنتَخب نفسه عصيٌّ على التحليل باعتباره عاملاً غير شخصي يمكن التنبؤ به.

ولذا، حتى حين يطلب ترامب تفويضاً من أجل إعادة جعل الولايات المتحدة عظيمةً، ربما يُرغِم علماء الاجتماع والمؤرِّخين على النظر من خلال عدسةٍ أخرى غير أدواتهم التحليلية المُعتادة، حتى يكونوا قادرين على تفسير رئاسته.

هذه النزعة الأكاديمية في تقديم تفسيراتٍ بنيوية ليست مفاجئة، وليس فقط لأن معظم الأكاديميين يجدون من الصعوبة بمكان أخذ دونالد ترامب على محمل الجد (فلسوء الحظ، برهن التاريخ مرةً تلو الأخرى، أنَّنا يجب أن نميِّز بين احترام الناس، وأخذهم على محمل الجد).

وقد وجدت العلوم الاجتماعية الحديثة دوماً صعوبةً في التعامل مع هذا النوع من الظواهر الجامحة، التي لا يمكن التنبؤ بها، التي يقدِّمها ترامب. فمنذ القرن الـ18 فصاعداً، أخذت هذه المجالات، بما فيها التاريخ، وضعها باعتبارها "علوماً" بشكلٍ جدي.

ويعني ذلك أنَّها أخذت فكرة أنَّ باحثيها بإمكانهم اكتشاف أنماط تغيير منتظمة، يمكن التنبؤ بها، بصورةٍ جدية، بغض النظر عن التقلُّب والالتباس الواضحين للتاريخ. وهذه الأنماط المنتظمة التي يمكن التنبؤ بها ربما لا تتمتَّع بنفس الجودة المطلقة التي يمكن التحقُّق منها لقوانين العلوم الطبيعية، لكنَّ، مع ذلك، فإن أهميتها أكبر من شخصية أو تصرُّفات أفراد بعينهم، مهما كانت أهميتهم.

اشتهر المؤرِّخين الماركسيون وعلماء الاجتماع كثيراً بوضعهم هذه الادِّعاءات في المقدمة، لكنَّ إيماناً بقوة العوامل غير الشخصية واسعة النطاق نادراً ما كان مقتصراً على اليسار.

كتب المفكِّر اليساري الفرنسي الكبير في القرن الـ19، ألكسيس دو توكفيل، دراستين عظيمتين حول الديمقراطية الأميركية، وجذور الثورة الفرنسية، لم يذكر فيهما تقريباً الشخصيات التاريخية الأكثر شهرةً. وكان البطل الحقيقي في كلا الكتابين فكرة المساواة في حد ذاتها، التي كان توكفيل يراها باعتبارها السمة المُميِّزة للعصر الحديث: فهي قوةٌ كبيرة أطاحت بالملوك والرؤساء، تماماً كما فعلت مع سائر أعضاء المجتمع.


أشخاص تاريخيون في العالم


y

وكان هناك دوماً منشقَّون عن هذا التقليد. فيؤكد هيغل، في كتابه "Philosophy of History" على دور ما يُطلِق عليه "الأشخاص التاريخيين في العالم"، وأبرز الأمثلة على هؤلاء هم يوليوس قيصر، ونابليون بونابرت. وألقى توماس كارلايل، الكاتب البريطاني في القرن التاسع عشر، سلسلة محاضراتٍ في ثلاثينات القرن التاسع عشر، جادل فيها بأنَّ "تاريخ الكون، تاريخ ما أنجزه النوع الإنساني في هذا العالم، إنَّما هو في الأساس تاريخ الرجال العظماء الذين عملوا هنا".

ومع ذلك، رأى كل من هيغل وكارليل في نهاية المطاف أنَّ الأفراد الذين ميَّزوهم بطريقةٍ ما يتوجَّهون أو يتبلورون، أو على الأقل يرضخون ويُجبَرون، من خلال عوامل غير شخصية. وعلى سبيل المثال، رأى كارلايل أنَّ نابليون نجح فقط بسبب إيمانه بـ"أنَّ هذه الديمقراطية الوليدة الضخمة.. حقيقةٌ لا يمكن كبحها، ولا يمكن للعالم القديم بأسره، وبقواته ومؤسساته القديمة، أن يقضي عليها".

ومع ذلك، لم تستطع النماذج "العلمية" أبداً، برغم سطوتها الفكرية، أن تقضي تماماً على نمط التفسير الأقدم الذي يُمكن أن تسميته بـ"البطولي"، وهذا يسبغ أهميةً أكبر بكثير على الأسئلة حول شخصيات الأفراد وتأثيراتها.

ولدى الأميركيين نقطة ضعف تحديداً مع هذا الأسلوب في فهم التغيُّر التاريخي. إذ لديهم إقبالٌ غير محدود على الكتب التي تحتفي بالأباء المؤسِّسين لأميركا. ويحبون اعتبار صمود جورج واشنطن السبب في نجاح الثورة الأميركية، وشجاعة أبراهام لينكولن ورؤيته على أنَّهما العاملان الرئيسيان في تأمين انتصار الشمال في الحرب الأهلية.

وتستغل المجلَّدات، مثل الكتب الأكثر مبيعاً للكاتب الأميركي ديفيد ماكولوغ عن السيرة الذاتية للرؤساء ثيودور روزفلت، وهاري ترومان، وجون آدامز، هذا الذوق العام المحب لمثل هذه التفسيرات.

وليس من قبيل الصدفة أنَّ ماكولوغ اختتم سيرته حول ترومان باقتباسٍ للصحفي إيريك سيفاريد يقول فيه: "أتذكَّره وهو يذكِّر الناس بما ينبغي على الرجل في هذا المنصب أن يكونه. إنَّها شخصيةٌ، فقط شخصية. وهو ثابتٌ الآن في الذاكرة كما لو كان صخرةً راسخة".

تميل مثل هذه الأحكام على الشخصيات، التي تدعمها أوصاف ماكولوغ الحيوية والممتعة لترومان الصلب، والعاقل، والمحتشم دائماً، إلى التقليل من قيمة وأثر العوامل التاريخية المعقدة التي شكَّلت الرئاسة الأولى خلال الحرب الباردة، رئاسة ترومان، وجعلها مجرد خلفية تاريخية بسيطة لما يحدث، يتم المرور عليها سريعاً من أجل الوصول إلى القصة المثيرة عن قصف ترومان لليابان بالقنابل النووية.

وبصفتي أمتهنُ التأريخ، هذا النمط من التحليل متناقضٌ تماماً مع الطريقة التي تدرَّبت عليها، التي كانت تنص على مراقبة التغيُّرات الاجتماعية التي تظهر عبر قطاعاتٍ واسعة من المجتمع، وليست النابعة عن أفرادٍ بعينهم.

وعلاوةٌ على ذلك، تدرَّبتُ في فرنسا، في كنف ما يُسمَّى مدرسة "أنال" في التاريخ، التي تختلف رؤيتها للتاريخ تماماً عن المدرسة التي تميل إلى التفسيرات "البطولية". إذ علَّم فرناند بروديل، أحد زعماء المدرسة، أتباعه أن يولوا اهتماماً إلى العوامل العميقة، والبطيئة، والجيولوجية، والمناخية وتأثيرها في تحديد شكل القارات، وأنماط ظاهرة الاحتباس الحراري، والتبريد العالمي، التي في نهاية المطاف تشكِّل كذلك المجتمعات البشرية.

وقَارَن كل هذه الموضوعات بالتيارات العميقة التي تتحرَّك عبر المحيطات. وكان يشبّه القرارات التي يتخذها الأفراد الأقوياء في التاريخ، والتي تسلط عليها المدرسة المقابلة الضوء على حساب الأحداث التاريخية "غير المهمة"، بالرغوة عديمة الأهمية التي تطفو على سطح المحيط.

ومعظم الكتابات التاريخية المتأثِّرة بفردناند بروديل، نادراً ما ذكرت أشخاصاً بعينهم، ناهيك عن نسب إحداث تأثيرٍ حاسمٍ لهم وحدهم فقط. باختصار، كانت قناعتي الفطرية هي أن أتعامل مع هذا "النمط البطولي" باعتباره نمطاً ساذجاً ومضلِّلاً.

لكنَّ مسيرتي المهنية الطويلة في تدريس التاريخ الأوروبي الحديث لطلبة الجامعات زعزعت ببطء هذه الثوابت. وكان من الصعب بشكلٍ خاص تدريس تاريخ أوروبا في القرن العشرين دون الانزلاق كثيراً إلى النمط البطولي، أو بالأحرى نمط "الأبطال والأشرار".


هتلر وستالين


ss

وكان من الصعب تجنُّب الخروج باستنتاجٍ مؤدَّاه أنَّه بسبب تزايد القوة التدميرية للدول بشدة في القرن العشرين، وبسبب اتِّساع نطاقات أنشطة الدول، تزايدت أهمية شخصية الأفراد الذين يقودون تلك الدول، خصوصاً في الدول الديكتاتورية.

ويُعَد أدولف هتلر وجوزيف ستالين أوضح مثالين على ذلك. فمن الممكن المجادلة بأنَّ العوامل التاريخية واسعة النطاق قد أدَّت إلى وصول رموزٍ مثلهما إلى السلطة في كلٍ من ألمانيا والاتحاد السوفييتي، وأنَّ هذه العوامل نفسها فرضت عليهم الكثير من السياسات التي انتهجوها في الواقع.

لكن هذه العوامل الأوسع لم تفرض بحالٍ من الأحوال جميع الأشياء التي قام بها هؤلاء الطغاة الجامحين المخيفين. فشخصياتهم، والاختيارات التي قاموا بها، كان لها تأثيرٌ كبير. فقرار انتهاج التحوُّل السريع، والمثير للاضطِّراب على نطاقٍ واسع، إلى التصنيع في الاتحاد السوفييتي، إلى جانب تطبيق الجماعية الصارمة في الزراعة، اعتمدا على شخصية ستالين، واستراتيجياته الخاصة بالاستيلاء على القوة والاحتفاظ بها لنفسه.

ومن المشكوك فيه أنَّ أيَّاً من منافسيه السياسيين كان سينتهج نفس السياسات، أو يطبِّق التجويع المتعمَّد المرعب لأوكرانيا، أو الإرهاب العظيم الذي قام به في الفترة من 1937-1938 (التطهير الأعظم الذي قام به ستالين في هذه الفترة ضد مسؤولين بالحزب الشيوعي، والجيش، والحكومة، والفلاحين، والأشخاص العاديين، وشهدت اعتقالات وإعدامات على نطاقٍ واسع).

وبالنسبة لهتلر، على الرغم من أنَّه يمكن المجادلة بأنَّ العوامل التاريخية واسعة النطاق دفعت ألمانيا نحو الديكتاتورية الشمولية والعسكرية العدوانية، فإنه من الصعب تخيُّل أنَّه كان من الممكن لأي ديكتاتوري ألماني آخر أن يتبنّي نظرية هتلر العنصرية المجنونة. وهذه النظريات هي التي قادت إلى الهولوكوست، ومحاولة غزو ألمانيا للاتحاد السوفييتي. وكانت هذه المغامرة المتهوِّرة الأخيرة، محاولة غزو الاتحاد السوفييتي، هي التي أدَّت إلى الانهيار السريع لهتلر.

في محاضراتي كذلك للطلبة غير الخريجين، أُشير إلى أهمية شخصيةٍ أخرى: وينستون تشرشل. فتشرشل، العنيد، والحالم، والإمبريالي المتشدد، كان على الأرجح السياسي البريطاني الأقل تأثراً بمذبحة الحرب العالمية الأولى المروعة، والتي جعلت معظم الزعماء الآخرين مستعدين لدفع أي ثمن ممكن في مقابل السلام.

لكن تشرشل لم يكن فقط مستعداً لمحاربة ألمانيا النازية قبل عام 1939، لكنه أيضاً تمكَّن من حشد الشعب البريطاني بخطاباته عن المجد والشرف، الأمور التي ظنَّ معظم جيله من السياسيين أنها فقدت مصداقيتها للأبد نتيجة لأهوال حرب الخنادق في الحرب العالمية الأولى. وخلال الساعات الحاسمة لمعركة بريطانيا (سلسلة من المعارك الجوية بين ألمانيا النازية وبريطانيا في الحرب العالمية الثانية)، كانت شخصية تشرشل مهمةً بشكلٍ كبير.

هذه الأمثلة تشير أيضاً إلى أن الشخصية تَهُم أكثر في لحظاتٍ بعينها أكثر من غيرها. فبعد عام 1942، على سبيل المثال، أصبحت شخصياتٌ كهتلر، وستالين، وتشرشل أقل أهميةً وتأثيراً مما مضى.

فالقرارات الأكثر أهمية التي كانت تتطلب شخصياتٍ قوية لاتخاذها كانت قد اتُخِذَت بالفعل، كاتجاه الاتحاد السوفيتي إلى التصنيع والترويع، وقرار الحرب، ومعركة بريطانيا، وغزو هتلر للاتحاد السوفيتي.

وبعد عام 1942، كانت القوة الصناعية للحلفاء، وتمكُّنهم من الحصول على الموارد الطبيعية، وكلها عوامل اجتماعية واقتصادية لا علاقة لها بشخصياتٍ بعينها، هي العوامل الأكثر أهمية التي ساعدت على إنهاء الحرب.

ونفس الأمر ينطبق على الحرب الأهلية الأميركية. فكما يقول جايمس ماكفرسون، المؤرخ الأبرز لهذه الحرب، فإنَّ قادة الحرب، ومن ضمنهم أبراهام لينكولن، كان لدورهم الأهمية الأكبر خلال صيف عام 1862 ومعركة أنتيتام (تُعَد أضخم معارك الحرب الأهلية الأميركية).

فبعد انتهاء هذه المعركة، والتي صدَّت هجوماً طموحاً للكونفدرالية، وأنهت آمالها في الحصول على الاعتراف والدعم الأوروبيين، زادت أفضلية الولايات الشمالية في عدد السكان، والصناعة، والموارد أكثر وأكثر، وتفوَّقت على غير العادة على إدارة الولايات الجنوبية العسكرية.

ولكن، حتى معركة أنتيتام، كان للقرارات الفردية التي اتخذها لينكولن، ورئيس الولايات الكونفدرالية الأميركية جيفرسون ديفيس، وبقية الجنرالات البارزين حينها، والتي كانت مُعتمِدةً كلها على شخصياتهم، أهميةٌ كبيرة.


هيلاري كلينتون


s

إذاً، كيف يمكن لهذا التاريخ أن يساعدنا في فهم الوضع السياسي الحالي في الولايات المتحدة الأميركية؟ من ناحية، وبشكلٍ واضح، فإن الشخصية كانت أمراً هاماً في انتخابات الرئاسة الأميركية عام 2016. ففيما يتعلق بهيلاري كلينتون، رشَّح الحزب الديمقراطي الأميركي واحدةً من أقل السياسيين جاذبيةً في التاريخ الحديث.

إذ كانت تفتقر هيلاري لقدرة زوجها، الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون، الغريبة على تكوين علاقاتٍ مع الآخرين، وكذلك قدرة الرئيس الأميركي باراك أوباما على إلهام الناخبين وإثارة حماستهم بالخطابات الرنَّانة. وحتى النهاية، كانت لازالت في حاجة إلى دعم المشاهير لها لتتمكن من اجتذاب الجماهير، في الوقت الذي كان خصمها فيه يراقب ما تفعله بدقة، وعلى نحوٍ قاسٍ.

أما ترامب، فعلى العكس من ذلك، وأياً كانت فكرتك عنه، فقد تمكَّن من تكوين علاقةٍ وتواصلٍ شخصي قوي مع ملايين الناخبين. ولم يفهم ترامب فقط غضبهم ويوجِّهه تجاه النخبة السياسية الأميركية، التي يعتقد الناخبون أنَّها قد تخلَّت عنهم، لكنه أيضاً تمكَّن من تسلية الناخبين بازدرائه التام للقواعد التي يزعم أن هذه النخبة قد وضعتها، وسخر منها تحت اسم سياسات "التصحيح السياسي".

وبالطبع، في انتخاباتٍ كانت نتيجتها متقاربةً كتلك، يمكن للعديد من العوامل أن تكون قد أثَّرت في النتيجة، منها القرصنة الروسية، والسلوك غير المعتاد لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، لكن شخصية المرشحين كانت بالتأكيد عاملاً هاماً أيضاً.

لكن، رغم ذلك، فإن حقيقة أن ترامب قد فاز بالانتخابات في العام نفسه الذي صوَّتت فيه بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأيضاً شهد صعوداً كبيراً للقوى الشعبوية في جميع أنحاء أوروبا، تشير بوضوح إلى أن أي تفسيرٍ لما يحدث اعتماداً على الشخصية فقط سوف يكون تفسيراً محدوداً. فبعد حوالي أكثر من 25 عاماً على انتهاء الحرب الباردة لصالح الولايات المتحدة الأميركية، تبدو الآن الديمقراطية الليبرالية ذات الأسواق الحرة ممزَّقةً ومبتذلة.

وفي العالم الغربي، تبدو الفجوة بين النخب المتعلمة الثرية، ذات الأغلبية العلمانية، وبين معظم باقي السكان، أوسع من أي وقتٍ مضى. وأضحت حرية تنقل الأفكار، والبضائع، والبشر عبر الحدود يُنظَر لها من قبل هذه النخب على أنها نعمةٌ كبيرة، بينما يراها غالبية المواطنين العاديين كتهديد.

لو كان ترامب لم يترشح لهذه الانتخابات، ولم يستغل هذا الإحباط لدى المواطنين الأميركيين الذين أوصلوه إلى الرئاسة، كان مرشحٌ غيره سيفعل ذلك على الأرجح، وإن لم يحدث ذلك في هذه الانتخابات كان سيحدث في وقتٍ قريب. فشخصية ترامب، التي تتسم بالفظاظة، والتسلُّط، وازدراء آراء الآخرين، وتعظيم الذات، كانت ملائمةً بشدة للانتخابات الحالية.

ومع ما سبَّبته هذه الصفات من احتقارٍ وخوفٍ لدى الليبراليين منه، وهو ما حدث بالفعل، إلا أنها لاقت صدى لدى ملايين الناخبين، الذين رأوا في هيلاري كلينتون كل ما يكرهونه بخصوص النظام السياسي الأميركي الذي يرونه فاسداً بالأساس. ولكن، وبالتأكيد، صفات ترامب هذه نفَّرت الكثيرين منه أيضاً.

باختصار، من الصعب ألا أتَّفق مع زملائي من الأكاديميين الذين وضعوا الشعوبية وصعودها الحالي، بدلاً من الشخصية، في قلب تحليلاتهم لانتخابات الرئاسة الأميركية.

لكن، حتى وإن كانت الشخصية لم تكن هي العامل الحاسم في تحديد نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2016، فإن رئاسة ترامب سوف تكون قصةً مختلفة. فترامب لن يصبح فقط رئيساً للدولة الأقوى في التاريخ، ولكن، بفضل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس الأميركي، وقريباً على الأرجح على المحكمة العليا الأميركية أيضاً، فإنَّه لديه القدرة على أن يصبح الرئيس الأقوى في التاريخ الأميركي. وهو واحدٌ من أكثر الرؤساء الأميركيين المنتخبين صعوبةً في التنبؤ بأفعاله. إذ لا تقوده الغريزة، أو الأيديولوجية، وكذلك لا تَحُدُّه أشياءٌ مثل التواضع ومراجعة الذات.


سياسة ترامب


وفي السياسة الخارجية، أحاط ترامب نفسه بمجموعةٍ من المستشارين أمثال مايكل فلين وفرانك غافني، اللذين يصدقان نظريات المؤامرة، ويرون الإسلام، وليس الحركات الجهادية المتطرفة فقط، كتهديدٍ وجودي للولايات المتحدة الأميركية.

وفي السياسة الداخلية، جمع ترامب مجموعةً من الأشخاص الذين تتناقض علاقاتهم بالأعمال التجارية الدولية ومستنقع الفساد الأميركي مع كثيرٍ من خطابه الشعبوي.

ورغم هذه السلطة الهائلة التي يمتلكها الرئيس الأميركي، فإن معظم من شغلوا هذا المنصب، حتى حين كانت أحزابهم تسيطر على الكونغرس، شعروا بوجود قيودٍ على تصرفاتهم وقراراتهم، بسبب مجموعةٍ من الظروف والأوضاع البنيوية المختلفة.

إذ يريد الرئيس الأميركي الذي يشغل المنصب دائماً ألا يخيف سوق الأسهم، وألا يَضُر بفرص حزبه في الانتخابات القادمة، وألا يَضُر بالاتفاقيات الدبلوماسية ومفاوضاتها، وهكذا. ودائماً يُقَدِّر الرؤساء الأميركيون قوتهم وسلطتهم بشكلٍ أقل من غيرهم. وهذه القيود، التي تتغير بشكلٍ أبطأ بكثير من مزاج الرئيس الأميركي نفسه، تجعل أفعال الرؤساء الأميركيين متوقعةً بشكلٍ أكبر، وأكثر قابليةً لتحليلها من خلال العلوم الاجتماعية.

لكن دونالد ترامب عنيد، وسريع الغضب، وشديد الثقة بقدراته، ومعجب بالغموض الذي يحيط به، وفي نفس الوقت لا يستطيع التركيز على أية قضية بعينها، إلى درجة أنه على الأرجح لن يتمكن من تقدير وزن هذه القيود التي حدَّدت من قدرة سابقيه في المنصب، أو حتى فهمها. وفي الغالب لن يستمع إلى مستشاريه، وفوق ذلك، فمستشاروه أنفسهم أيضاً يجهلون الكثير عن مجالات خبراتهم المزعومة، أكثر من أية مجموعة مستشارين وُجِدَت من قبل في تاريخ الرئاسة الأميركية.

حتى في الأزمات، فإن الرؤساء الأميركيين عادةً يفعلون ما بوسعهم لاتباع بروتوكولات اتخاذ القرار الموضوعة، والتي يمكن التنبؤ بمآلاتها. فهذه العروض التلفزيونية، التي تعرض مشهداً للرئيس وهو يتخذ قراراتٍ مصيرية تحت ضغطٍ هائل، مستخدماً غريزته فقط، ومعتمداً على عددٍ قليل من المستشارين في الغرفة، لا تعرض العمليات البيروقراطية الواسعة التي تتم لتوفير المعلومات، وتقييم مدى مصداقيتها، وتحليلها، ومحاولة استقراء النتائج المختلفة المحتملة لكل قرار.

وحتى الآن، وفي معظم المواقف، احترم الرؤساء الأميركيون هذه العمليات البيروقراطية. إذ كانوا يعلمون مدى أهمية وجود بروتوكولات ثابتة ومتوقعة لحل الأزمات في عالم الأسلحة النووية.

وجميعهم يتذكَّرون جيداً أن ثبات ضابط سوفيتي واحد هو ما منع قائد الغواصة الروسية من إطلاق صاروخ نووي على المدمرة الأميركية أثناء أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، وهو ما كان سيؤدي إلى إشعال حربٍ نووية. إلا أن دونالد ترامب، ويا للأسف، على الأرجح سيكون أقل التزاماً بهذه البروتوكولات من سابقيه. وفي حالة حدوث أزمة، ماذا سيفعل ترامب؟ هل يعرف أحد؟

مع انتهاء عام 2016، مازال العالم يبدو بعيداً عن الأزمات من النوع الذي تصبح فيه لشخصياتٍ كستالين، وهتلر، وتشرشل دوراً كبيراً في تحريك الأحداث. فالحرب الأهلية في سوريا، رغم فظاعتها، تظل صراعاً إقليمياً ذا احتماليةٍ ضئيلة، على الأقل في الوقت الحالي، لإشعال صراعٍ إقليميٍ أوسع.

ولكن توجد بالفعل سيناريوهات عديدة لأزمات محتملة ربما تضطر الرئيس الأميركي إلى اتخاذ بعض القرارات شديدة الأهمية، كحدوث هجومٍ إرهابي كبير في الغرب، أو انهيار الاتفاق النووي الإيراني، أو اعتداءٍ روسي آخر على إحدى الدول المجاورة التي تزعم روسيا أنها تقع في منطقة نفوذها، وغيرها.

وعند اتخاذ هذه القرارات، سيصبح لشخصية ترامب، رغم صعوبة تخيُّل ذلك، أهميةً تاريخية عالمية. وكنتيجةٍ لذلك، ستصبح شخصيات زعماء آخرين، وعلى الأخص فلاديمير بوتين، مهمةً بطريقةٍ حاسمة وحرجة، عند دخولهم في صراعٍ مع ترامب. وبالتالي، حتى وإن كانت العوامل غير الشخصية هي ما أدت إلى صعود ترامب، فإنَّه من السهل الآن أن نتخيل أن شخصيته المضطربة يمكن لها أن تقود دولته إلى الانهيار.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.