أزمة نفط تلوح في الأفق.. كيف ستتعامل معها أميركا في ظل رئاسة ترامب؟

تم النشر: تم التحديث:
B
ب

في عالم غارق بالنفط الخام بأرخص الأسعار تمتلئ جميع صهاريجه وخزاناته حتى عنقها، نكاد ننظر إلى أيام الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود وأسعار البنزين المرتفعة وكأنها حقب من التاريخ السحيق؛ ولكن مهلاً، فالطوابير الطويلة والأسعار المرتفعة قد تعود إليكم من جديد في الجغرافيا السياسية لعالم ترامب-بوتين الجديد، حسب مقالة لموقع ذا ديلي بيست الأميركي.

عندما كان ترامب مرشحاً رئاسياً، توعّد بـ"قصف كالجحيم" لحقول النفط الواقعة تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، ودعا إلى سرقة النفط من دول أخرى، ثم عدّل مقولته لاحقاً بالقول إن نيته هي تعويض أميركا عن التكاليف التي تكبدتها من غزو العراق وغيرها من العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. وأعلن ترامب خلال حملة ترشحه للرئاسة "إني أجيد الحرب بطريقة معينة"، وقال أيضاً: "أحب الحرب.. بما في ذلك الأسلحة النووية، نعم، بما فيها السلاح النووي".

وسواء كانت تلك نية ترامب الفعلية أم أنها مجرد قطعة لحم شهية يلوح بها لإغراء قاعدته الانتخابية، فإن الزمن وحده كفيل بتبيين ذلك؛ بيد أن الخطاب العدواني قادر على الاستجرار إلى الحرب، والحرب لا تعود بالخير أبداً على استمرارية إمدادات النفط.

لا يخلو الوقود الهيدروكربوني الرخيص من مساوئ، فهو ليس خيراً مطلقاً؛ ذلك أنه يقلل من الطلب على موارد الطاقة المتجددة التي من شأنها إبطاء عجلة التغير المناخي، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

والنفط ما هو إلا نوع من أنواع تخزين طاقة الشمس، وفي الأرض طبقات تليها طبقات أخرى من الغاز الطبيعي والميثان المتجمد وصخور الكربون التي نسميها "الفحم"، ناهيك عن الذهب السائل الذي نسميه "النفط".

الخبير الاقتصادي روس مكراكن، مدير تحرير Platts Energy Economist، يقول إنه حتى بوجود كميات كبيرة من النفط الصخري في الشمال الأميركي فإن العالم يظل اعتماده على النفط و"على شرق أوسط غير مستقر. ثمة ما يكفي من النفط في العالم، لكن خطوط الإمداد ستظل محكومة بجيولوجيا الشرق الأوسط وجغرافية الطلب".

نضيف إلى معادلة التخمة العالمية عامل إيران التي عاودت -من بعد رفع العقوبات عنها- تصدير نفطها بصورة قانونية مشروعة، وهو ما كانت إيران تفعله رغم عقوبات الأمم المتحدة عليها، وذلك بمساعدة شركات خارج أميركا تابعة لشركة ExxonMobil، التي كان ريكس تيلرسون يرأسها آنذاك، الرجل نفسه الذي يوشك أن يغدو وزير الخارجية الأميركي.

إضافة إلى ذلك فإن تقلص الأراضي الخاضعة لسيطرة داعش –وهي عملية تتم ببطء لكن باستمرار عن طريق القصف الجوي والعمليات الحربية غير العادية لاغتيال قادة التنظيم- معناه أن المزيد من النفط سيتدفق من الآبار والحقول العراقية حتى مع استمرار الحرب في سوريا المجاورة.


حلقة مفرغة


لكن تلك الإمدادات بحد ذاتها غير مستقرة أو ثابتة، ما يعمق مشكلة الاستقرار العالمي في حقبة ترامب-بوتين وينذر ببدء حلقة مفرغة لا تأتي بخير حيث عدم استقرار الإمداد يؤدي إلى عدم استقرار سياسي، ما يؤدي بالتالي إلى زيادة عدم استقرار الإمداد أكثر فأكثر. يقول جيمس هاميلتون، أستاذ الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا بسان دييغو المهتم بدراسة هذه الصناعة: "إن الأحداث الجيوسياسية ساهمت إلى حد كبير في مسائل إمدادات النفط، وأظن أن ذلك سيستمر".

البعض يساوره القلق من حرب أميركية جديدة في الشرق الأوسط في تطور قد يخدم المآرب السياسية لكل من ترامب وبوتين، أما الضحية التي ستذهب على حسابهما فهي محفظتك.

يريد ترامب إظهار أنه رجل قوي بوسعه القضاء على "الإرهاب الراديكالي الإسلامي" بكل سرعة فضلاً عن فض الاتفاق الدولي مع إيران الذي يسمح لها بالعودة علناً إلى الأسواق العالمية. إن زيادة في النشاط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، خاصة في ضوء مهاجمة ترامب للمؤمنين بدين الإسلام، لا شك سيعزز كراهية أميركا وحلفائها الغربيين ويشجع المزيد من الشباب على التوجه إلى العنف. مخاطرة ترامب تكمن في أن رفع أسعار النفط قد يثير سخط ناخبيه أنفسهم، إلا إذا اقتنعوا بأن التضحية بالمزيد من نقودهم لقاء الوقود الغالي أمرٌ يدل على وطنية.

أما بوتين فسيستفيد من تورّط أميركا في حرب شرق أوسطية تحدث بلبلة في طرق إمدادات النفط، فشركات النفط تجني معظم أرباحها تقريباً من الشركات الروسية الكبرى، وهكذا فإن ارتفاع أسعار النفط معناه أرباح أكثر للنفط الروسي الذي سيكتسب المزيد من الأهمية بتعزز مكانته مصدراً للطاقة خاصة بالنسبة لأوروبا.


اقتصاد يعتمد على صادرين اثنين


لذلك بوتين بحاجة لارتفاع أسعار النفط لأن اقتصاده الضعيف الذي لا يبلي بلاء حسناً يعتمد بشكل حصري تقريباً على صادرين اثنين من أجل تحصيل العملة الصعبة: تصدير الهيدروكربونات والسلاح.

فالهيدروكربونات تمنحه ورقة ضغط على ألمانيا وغيرها من الدول الصناعية التي هي بحاجة إلى الغاز الطبيعي في الشتاء؛ وبالطبع فإن مصنعي السلاح والذخائر هم من يستفيدون من الحرب، والعديد من الأسلحة النارية التي استخدمت في قتل الجنود الأميركان في العراق وأفغانستان كانت من صناعة روسية.

ليس الشرق الأوسط المكان الوحيد الذي تخلق فيه الحروب مشاكل نفطية، فالحروب المدنية والهجمات الإرهابية على حقول النفط في نيجيريا وشمال إفريقيا هي الأخرى كذلك قادرة على بلبلة خطوط إمداد النفط وفق ما يقوله هيرمان ت. فرانسن رئيس استشاريي الطاقة الدولية، التي هي شركة استشارية ذات صلات وطيدة بالشرق الأوسط، وهو أيضاً من كبار خبراء الاقتصاد سابقاً في الوكالة الدولية للطاقة.

الأكثر من ذلك أن انخفاض أسعار النفط منذ بدأ عام 2014 على يد السعودية في محاولة منها للحفاظ على حصتها في سوق النفط العالمية، وهو آخذٌ في التسبب بالمشكلات والبلبلة الاقتصادية لهذه الدولة الغنية المعروفة برفاهية خدماتها العامة.

قد يكون أغلب الأميركيين غير مدركين لحقيقة أن الولايات المتحدة كانت فعلاً أكبر دولة منتجة للنفط الخام في العام الماضي وفي عام 2015؛ أحد أسباب ذلك هو التطور الذي تشهده صناعة النفط الصخري بدافع من آخر ارتفاع شهدته أسعار النفط. فالنفط الصخري يستخرج بتقنية تسمى "التكسير/التصديع" قوامها ضخ الرمل مع مواد مذيبة في الصخور اللينة تحت الأرض بهدف استخراج الكميات القليلة نسبياً من مخزون الكربون فيها.

إن آبار تكسير وتصديع الصخور تنتج 5 ملايين برميل نفط أميركي يومياً، أي حوالي ثلث الإنتاج الأميركي.

يقول فرانسن إن أصحاب بعض آبار النفط الصخري الحالية في حوض Permian Basin بتكساس قد يجنون ربحاً مقداره 25 دولاراً للبرميل الواحد، أما معظم المناطق الأخرى فلا غنى عن تسعير برميل النفط فيها بـ54 دولاراً أو أكثر.


إخراج النفط الصخري من المنافسة


خفض السعودية لأسعار النفط استهدف إخراج النفط الأميركي الصخري من المنافسة، لكن ما حصل هو تحفيز مزيد من التقدم في كفاءة التنقيب واستخراج النفط الصخري؛ فحتى رغم انخفاض أعداد بريمات حفر البترول الأميركي العاملة من 2000 بريمة إلى أقل من 200 خلال العامين الأخيرين إلا أن الحفر والتنقيب والاستخراج بحد ذاته لم يتراجع بمعدل ثلاثة أرباع. ففي وسع بريمة النفط الحديثة حفر عدة آبار بالحفر الأفقي عبر الصخور، وأما البريمات غير المستخدمة فيتم تفكيك قطع منها واستغلالها كقطع غيار، ما يقلل من التكلفة.

قال ترامب إنه يريد أن يُبقي على أميركا في الصدارة وإن النفط الصخري سيكون جزءاً من هذا الهدف. إن التخلص من قيود الأنظمة عنصر أساسي من وعوده للناخبين، ولعل هذا سيشمل مسائل متعلقة بالتكلفة البيئية لعملية تصديع الصخور. لكن قد يواجه ترامب معارضة لأن الزلازل التي تلاحق منازل أوكلاهوما وغير ذلك من أضرار عملية تصديع الصخور من شأنها إثارة حنق الناخبين. كذلك ثمة مشاكل بيئية أخرى قد تدخل إلى الحلبة مثل التسرب من أنابيب النفط القديمة المهترئة.

عام 2015 استخرجت أميركا نفطها الخام المحلي بمعدل 15 مليون برميل في اليوم الواحد وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الفيدرالية الأميركية، وحلت السعودية في المرتبة الثانية مع 12 مليون برميل تقريباً، فيما جاءت روسيا ثالثة مع 11 مليون برميل، ورابعة كانت الصين بأقل من 5 ملايين برميل يومياً.

إن احتياطيات النفط المثبتة، أي كميات الخام الأرضي التي تعدّها الشركات في عداد أصولها نظراً لإمكانية سحبها من تحت الأرض، ستفي بكمية الوقود الكربوني الكافي لسد حاجة الطلب العالمي المتوقع حتى عام 2040 وفق آخر تقرير لرؤية الطاقة السنوية الذي وضعته إدارة معلومات الطاقة الفيدرالية.

لكن ذلك لا يعني جفاف النفط وتعطش العالم له بعد 24 عاماً، فالاحتياطيات النفطية المثبتة ما هي إلا مقياس حسابي، لا مقياساً جيولوجياً. إنها لا تشمل النفط غير المكتشف بعد أو النفط الذي لا جدوى اقتصادية من استخراجه بالتقنيات والأسعار الحالية وغيرها من العوامل. لكن هذا المقياس يخبرنا بأن أسعار النفط العالمية الحالية ستظل رخيصة فترة طويلة على فرض أن السلام النسبي سيستمر.

لكن رخص أسعار النفط قطعاً ليس من مصلحة روسيا ولا من مصلحة دول الشرق الأوسط وإفريقيا التي يحكمها قادة استبداديون ديكتاتوريون وملوك بحاجة لجني الربح من النفط إرضاء لشعوبهم وحفاظاً على موقعهم في السلطة.

وحتى لو وقعت في الشرق الأوسط بلبلة كبرى لطرق إمداد النفط فإن ذلك قد لا يرفع من أسعار النفط بما يكفي لتتمكن روسيا من حل مشكلات اقتصادها المتعثر. لقد تعهد ترامب بتخفيف الأنظمة كي تستخرج أميركا نفطاً أكثر من حاجتها وتبقى في صدارة الإنتاج.

بهذا قد يستمتع الأميركيون برخص أسعار الوقود حتى في الوقت الذي يجاهد فيه الأوروبيون للحصول على ما يكفيهم من نفط الشرق الأوسط لتعبئة خزانات وقود سياراتهم ذات كفاءة الوقود العالية، وفيما أيضاً يضطرون لدفع الأسعار الباهظة للنفط الروسي.

لعل عدم استقرار السعودية وجيرانها الأغنياء بالنفط قد يغذي المزيد من كراهية أميركا والغرب، ما قد يؤدي أيضاً إلى الحروب والثورات، ما يزيد من الحيرة والضبابية بشأن إمدادات النفط ومن يسيطر عليها.

إذاً لعل النفط في يومنا هذا وافر غزير تحت الأرض وفي مخازن الاحتياط، إلا أن ذلك قد يتغير بسرعة، ولدى كل من دونالد ترامب والرئيس الذي دوماً يبدي إعجابه به، فلاديمير بوتين، مصالح قد تلتقي بطرق قد تعني خوض المزيد من الحروب ضد بعضهما، لينتهي بذلك عصر النفط الرخيص المضمون.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.