العصيان المدني في السودان من النقابات إلى شبكات التواصل الاجتماعي.. هذه فرصه في التغيير

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

في بادئ الأمر، بدا كأن حملة الشبكات الاجتماعية لدعوة الشعب السوداني للمشاركة في إضراب عام والعزوف عن الخروج من المنازل محاولةً محكومة بالفشل، ذلك أن 25% من الشعب السوداني فقط يستخدم الإنترنت. كذلك بالنظر إلى تاريخ السودان فإن الحراك السياسي لطالما كانت ساحته في الاتحادات العمالية، لا الشبكات الاجتماعية. ولكن بطريقة ما، نجحت المحاولة هذه المرة.

ففي 27 نوفمبر/ تشرين الثاني استيقظت العاصمة الخرطوم بشوارع نصف فارغة تزامناً مع إغلاق نصف المحلات والمدارس فيها. ثم تلا ذلك في 19 ديسمبر/ كانون الأول إضراب آخر من المنازل مضاعفٌ بمقاطعة أي تعاملات مع الحكومة. وفي غضون ذلك الوقت تحولت الحملة التي كانت بدايتها مجرد احتجاج على خفض الدعم الحكومي لأسعار البضائع الأساسية إلى حملة تطالب بتغييرات على نطاق أوسع، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

أنكر أعضاء الحزب الحاكم المشاركة الواسعة في حملة العصيان المدني، لكن الرئيس عمر البشير، في إشارة تدل على تصاعد توتر الوضع، تحدى الناشطين "أن ينزلوا إلى الطرقات" متعهداً بأن "هذا النظام لن تسقطه لوحات المفاتيح"، ولم تستجب الحكومة لطلبات صحيفة الغارديان المتكررة للتعليق على الوضع.


مفتاح الدعم للحملة


وحملة العصيان المدني هذه هي الأكبر منذ سبتمبر/ أيلول 2013 حينما قضت قوات الأمن على احتجاجات نزلت إلى الشوارع، كان البعض قد ظن أنها ستجبر الرئيس البشير على التنحي. يذكر أن البشير وصل إلى سدة الحكم عام 1989 بانقلاب عسكري.

يقول ناشط شاب ساهم في تنظيم التظاهرات ضمن حركة تسمى "التغيير الآن" رفض الإدلاء باسمه خشية استهدافه: "نزل ناس إلى الشارع واحتجوا ثم قتلوا، لكن النظام لم يسقط. كان الأمر صدمة بالنسبة لي".

وفقاً لمجموعات الحريات المدنية فقد قتل نحو 200 شخص عندما أطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين (فيما حددت الحكومة عدد القتلى بنحو 80) فيما قيل إن المئات من المتمردين اعتقلوا.

ومع مخاوف تكرار عنف سنة 2013 في العاصمة يقول الناشطون إن طبيعة الحملة القائمة على عدم المواجهة هي المفتاح لجذب المزيد من الدعم.

تقوم آمنة عثمان (23 سنة) طالبة علم نفس، وواحدة من الناشطين السياسيين العديدين الذين انضموا إلى حملة الشبكات الاجتماعية "لن يتم اعتقالك لمجرد مساهمة لك على الشبكة الاجتماعية"، لكن عثمان كانت من بين من اعتقلوا في سبتمبر/ أيلول 2013.

وجاءت الدعوة إلى التمرد المدني بعد أسابيع قليلة من اختتام حوار وطني نظمته الحكومة، ما يشير إلى عدم تصديق الشعب لعملية وعدت بإصلاحات واسعة بعيد احتجاجات 2013، ثم أخفقت في تحقيق التغيير الحقيقي.

وكانت وثيقة تلخص نتائج الحوار الحكومي-الشعبي صدرت في أكتوبر/ تشرين الأول، واطلعت عليها الغارديان، قد بيّنت في نقاط سلسلة توصيات وإصلاحات دستورية يفترض تنفيذها على يد حكومة جديدة تضم أحزاباً أخرى.

ولكن رغم أن الحزب الحاكم (حزب المؤتمر الوطني) كان قد أعلن اختتام أعمال الحوار الوطني بنجاح، إلا أن قوات الأمن استمرت في إحكام قبضتها على الإعلام والمعارضة.

في نوفمبر/ تشرين الثاني اعتقل أكثر من 20 عضواً في حزب المؤتمر السوداني، وفي الشهر ذاته تمت مصادرة نسخة أو أكثر من نسخ 4 صحف مستقلة على الأقل، فيما أغلقت صحيفة الطيار المستقلة 3 أيام في ديسمبر/ كانون الأول.


الوسيلة الواحدة للتغيير


وكانت معظم أحزاب المعارضة السودانية قاطعت الحوار زاعمة أن الحزب الحاكم ليس عازماً على تقديم تنازلات حقيقية مثل تقليل سلطة الرئيس وسطوة جهاز الأمن النافذ.

يقول غازي صلاح الدين عتباني، قائد حركة الإصلاح الآن، وهي حزب معارض ممن شاركوا في الحوار الوطني: "ما سنحصل عليه ليس بجديد، بل سنرى الحكومة بالعناد نفسه وعدم نيتها توفير الخدمات للشعب، بل مجرد ضم أكبر عدد ممكن من الأحزاب لتنضوي تحت جناح حزب المؤتمر الوطني". وقال إن طلبه هو شخصياً، كي يعقد حزبه مسيرة تأييد سياسية قوبلت بالرفض عام 2016.

وفي ضوء ضيق الساحة السياسية يقول الكثيرون، إن العصيان المدني هو الوسيلة الوحيدة الناجعة للمطالبة بالتغيير، ولكن رغم النجاح الأولي الذي حصدته الشبكات الاجتماعية في تعبئة بعض شرائح المجتمع فإن الناشطين يخشون أن تستكين الحركة عما قريب.

يقول محمد ناجي، الطبيب الشاب والناشط في الخرطوم "لا يمكن أن تقوم في السودان ثورة باستخدام وسوم الإنترنت (الهاشتاغ)، فإن لم تكن هناك من خطة واضحة للشعب من وضع جهة معروفة وموثوقة لديهم تقودهم نحو التغيير فهنا أشك أن تستمر هذه الحركة".

وفيما يحاول ناجي تقييم فرص هذه الحملة بالنجاح يشير إلى ثورتي السودان عامي 1964 و1985 عندما تولت الاتحادات الطلابية والحرفية المهنية قيادة تجمع الشعب نحو المطالبة بتغيير النظام. وقتها كان للاتحادات نفوذ وكلمة مسموعة لدى الشعب في تنظيم الإضرابات والتظاهرات الشعبية العامة التي شلت حركة البلاد، ما أدى بالنتيجة إلى تدخل الجيش ومطالبته بعقد انتخابات جديدة.

وعندما تولى البشير سلطة البلاد عام 1989 تفككت الاتحادات أو وضعت تحت إشراف الحزب الحاكم، ما جعل شعلة المجتمع المدني تخبو.

يقول ناجي "يعلم النظام أنه لو كان ثمة خطر عليهم فإن مصدره هو المنظمات المهنية، لأن هذا ما يقوله التاريخ".

لكن هناك إشارات تدل على أن القطاعات المهنية آخذة في تنظيم نفسها مجدداً ولو بطرق غير رسمية.

فمؤخراً ساهم ناجي في حث الأطباء في كل أنحاء السودان على المطالبة بالمزيد من الموارد لصالح قطاع الرعاية الصحية العامة، وقد نظمت اللجنة المركزية للأطباء عبر الشبكات الاجتماعية سلسلة إضرابات في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/ تشرين الثاني، أعقبها اعتقال أكثر من 100 من الأطباء حسبما قيل، لكن الحكومة في نهاية المطاف أفرجت عن المعتقلين ووافقت على النظر في مظالمهم وشكاواهم. مبادرة الأطباء هذه حرضت المهن الأخرى على فعل المثل فكانت المحرض على دعوة 27 نوفمبر/ تشرين الثاني ليكون يوم عصيان مدني.

يقول ناجي "رأيناه انتصاراً" لكن المزيد من الجهود بحاجة للبذل من أجل تحقيق تغيير حقيقي ذي معنى، وليس أقل هذه الجهود تعبئة أرياف السودان وتوحيد معارضة السودان المنقسمة على نفسها بغية بناء منبر سياسي لطريق المستقبل. عندئذ فقط يرى ناجي أن الشعب قد يقبل بالنزول إلى الشارع من جديد.

وختم ناجي في ختام عام 2016 "إن نزلنا الشارع دون تنظيم ومن دون خطة واضحة، أظننا سنخسر. لقد صبرنا 27 سنة، لذا بوسعنا أن نصبر شهوراً أخرى".

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.