قصة المكتب الغامض الذي يلاحق الصحفيين الأجانب في مصر.. أعضاؤه تدربوا بأميركا

تم النشر: تم التحديث:
AJANBMLAHQWN
سوشال ميديا

هل تضع الحكومة المصرية الصحفيين الأجانب وراء القضبان إن خالفت تقاريرهم توجهاتها، سؤال بدأ يطرح بجدية في الأوساط الغربية بعد سلسلة من المشكلات والإجراءات التي اتخذتها السلطات المصرية.

أكثر من أزمة وقعت بين المراسلين الأجانب في مصر، والجهات الرسمية، على مدار السنوات الثلاث الماضية، دفعت بعضهم لسرد المشاكل التي يعانونها خلال تغطيتهم للأحداث في صحفهم بدلاً من نشر أخبار مصر، بينما فضل آخرون مغادرة مكاتبهم بالقاهرة.

آخر هؤلاء الذين كتبوا عن مشكلات المراسل الأجنبي في مصر، كان "روجر ماكشين" رئيس مكتب مجلة الإيكونومست في القاهرة، الذي كتب مقالاً بعنوان: "مشكلة العلاقات العامة في مصر" نشره بمجلة 1843 التابعة لمؤسسة الإيكونومست، يعبر فيه عن استيائه من "سوء معاملة السلطات المصرية للصحفيين الأجانب".

مدير مكتب "الإيكونوميست" كتب يشير إلى ما أسماه "مشكلة تتعلق بكيفية إدارة العلاقات العامة"، قائلاً: "نجد الدولة المصرية في الغالب تتحول من أقصى اتجاه إلى عكسه تماماً فيما يتعلق بمعاملة الصحفيين".

ويضيف: "نحن يتم منعنا من تغطية الأحداث ويتم وصفنا بالانحياز، وبعد ذلك تتم دعوتنا لحضور كبرى الاحتفالات والمؤتمرات والتي يتم منعنا خلالها من إعداد التقارير ويتم اتهامنا بالانحياز".

وقال مراسل الصحيفة إن "كل الدول الاستبدادية تسعى إلى السيطرة على وسائل الإعلام، ولكن في مصر التجربة تميل نحو اللامعقول"، مشدداً على أن "الأمور في مصر تميل إلى السخف"، حسب تعبيره.

وأجرى "هافينغتون بوست عربي" اتصالاً بعدد من المراسلين الأجانب في مصر لرواية تجربتهم وهل يتعرضون لمشاكل في عملهم أم أن ما جاء على لسان الصحفيين السابقين مبالغ فيه، بيد أنهم اعتذروا "لحساسية وطبيعة أعمالهم واحتمالات تضررها".


الخارجية ترد


في أغسطس/آب 2016، نشرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية، تحقيقاً تحت عنوان "تخريب مصر"، وردت الخارجية المصرية، على ما نشرته المجلة الاقتصادية الشهيرة، في بيان، على حساب وزارة الخارجية على فيسبوك، تحت عنوان «تخريب الإيكونوميست" اتهمت فيه المجلة بالعمل على "تقويض مصر".

وأزعج مقال الصحيفة البريطانية، الأوساط الرسمية في مصر بعد اتهامها الرئيس السيسي بعدم الكفاءة في إدارة مصر، وتمنت أن يعلن (السيسي) عدم ترشحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة عام 2018 معتبرة ذلك "خطوة إيجابية" لو تمت.

ورد المتحدث الرسمي باسم الخارجية، أحمد أبو زيد، على وصف المجلة للسيسي بعدم الكفاءة، قائلاً إن "المجلة عمدت إلى تجنب أي مظهر من مظاهر التحليل الموضوعي، وتجاهلت العديد من النجاحات والإنجازات، واهتمت بتوجيه إهانات لشخص الرئيس المصري".

وعقب مدير مكتب المجلة بالقاهرة في مقالة على هذه الواقعة قائلاً إن مجرد نشر تقرير به آراء خبير اقتصادي ينتقد سياسة مصر الاقتصادية جعل الحكومة تتعامل معنا وكأننا نتعاون مع "الإخوان المسلمين" ضدها، واعتبر رد الخارجية نوع من العقاب للمجلة أشبه بالضرب على اليد.


ضياع ملايين العلاقات العامة


"ماكشين" أوضح أنه "بالرغم من ملايين الدولارات التي يتم دفعها من قبل الحكومة المصرية لشركات العلاقات العامة الأجنبية، فإن هذه الجهود يقوضها المسؤولون الذين هم دوماً متشككون في الصحافة".

وكشف عن أن "مركز الصحافة"، وهو مركز حكومي تابع لهيئة الاستعلامات مهمته إعطاء تصاريح تسمح للصحفيين الأجانب بحضور اللقاءات الرسمية، "لا يمكنه استصدار تصاريح لحضور الفعاليات التي يشارك فيها الرئيس السيسي".

كما أن "الوزارات ترد على طلبات عقد مقابلات صحفية بعد أسابيع من نشر الأخبار، لو ردوا من الأساس!".

ويستدرك "ماكشين" قائلاً بأنه حتى في الولايات المتحدة "هناك حراسة تحول دون الوصول للمسؤولين، وهناك هيمنة من جانب الأمن وتتم شيطنة الصحافة.. لهذا فقد لا تكون مصر بهذا السوء".


5 ملايين دولار


وتعاقدت مصر مع شركة "غلوبال بارك جروب" الأميركية، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2013 لتحسين صورة نظام السيسي وتعزيز علاقاته مع مسئولين بالكونغرس ووسائل إعلام أميركية بعد عزله الرئيس المنتخب محمد مرسي، مقابل 250 ألف دولار شهرياً، أي ما يزيد على ثمانية آلاف دولار يومياً.

وتظهر الوثائق الرسمية أن مصر دفعت 5.2 ملايين دولار للشركة منذ عام 2013، وحتى مارس 2016، ما يعني وصول المبلغ المدفوع إلى أكثر من 6 ملايين حتى الآن.

وخفضت مصر الرسوم التي تدفعها لشركة الدعاية والاستشارات الأميركية جلوفر بارك غروب GPG من 250 ألف دولار شهرياً، إلى 166.667 ألف دولار، بأثر رجعي من أكتوبر/تشرين الأول 2016 وفقاً لمجلة "بوليتيكو".

وتتعاون مصر مع شركات عالمية أخرى للعلاقات العامة، أبرزها شركة "بوديستا جروب للعلاقات العامة"Podesta Group الأميركية، وشركة الاتصالات متعددة الجنسية WPP التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها.

وضرب مدير مكتب "الإيكونوميست"، مثالاً على ما يقول من تغطية احتفالات افتتاح تفريعة قناة السويس الجديدة، متحدثا عن اقتياد الصحفيين لخيمة مساحتها 100 متر وغلق الأبواب عليهم في حراسة الشرطة العسكرية، ومتابعتهم ما يجري من خلال التلفزيون الحكومي في الخيمة، ما جعلهم يشعرون أنهم في عداد "المفقودين" طوال فترة الاحتفال.

وتكرر الأمر نفسه في احتفالات وتجارب مماثلة مثل المؤتمر الاستثماري في شرم الشيخ، ومؤتمر التجارة الأفريقية في نفس المكان، إذ يقول ماكشين "سمح لي بمشاهدة بعض لوحات في القاعة الرئيسية، ثم طردني حارس أمن الدولة الذي ينظر لنا كمصدر تهديد".

وأشار مدير مكتب الإيكونوميست إلى ما أسماه "غلبة نظريات المؤامرة التي تتهم جهات خارجية مثل إسرائيل وإيران وأميركا بالوقوف وراء مشاكل مصر"، و"الحط من قدر الصحافة الأجنبية باعتبارها امتداداً طبيعياً لهذه الجهات الخارجية"، والقيود التي يعانونها لو نشروا معلومات عن سيناء تخالف مع تعلنه الحكومة، وصدور قانون يسجن من ينشر عمداً "أخباراً أو بيانات غير صحيحة" تتعارض مع الخط الرسمي للدولة.


غادروا مصر


وبدأت مصر تشدد حملة التضييق على الصحفيين الأجانب عقب نشرهم تقارير نقلاً عن بيانات من حسابات في سيناء على مواقع التواصل الاجتماعي تؤكد مقتل قرابة 60 – 100 جندي مصري خلال هجمات قام بها مسلحون في شهر يوليو/تموز 2015 في سيناء، بينما أعلنت السلطات مقتل 21 فقط، وأنها نجحت في إجهاض الهجوم.

وتبع هذا تدشين 5 مواد جديدة في "قانون الإرهاب"، تسجن الصحفي الذي ينشر بيانات ومعلومات تخالف المعلومات التي يعلنها الجيش والحكومة، بخلاف مواد أخرى تسجنه 5 سنوات لأسباب فضفاضة.

وفي أعقاب صدور القانون غادر بعض المراسلين الأجانب مصر بسبب التضييق على أعمالهم منهم مراسل صحفي إسباني نصحته سفارته بالهرب قبل القبض عليه، عقب القبض على مصورين أجنبيين في موقع تفجير القنصلية الإيطالية بالقاهرة.

وقال ريكارد غونزاليس (36 عاماً) وهو مراسل «الباييس» في مصر منذ 2011 وكذلك صحيفة «لا ناسيون» الأرجنتينية، إنه غادر مصر بسبب "خطر الاعتقال الوشيك".

إلا أن المركز الصحفي للمراسلين الأجانب، بالقاهرة، قال في بيان له يوليو/تموز 2015، إن غونزاليس وصحيفته "لا يقدمون دليلاً" على تعرضه لأي مخاطر، وأكد أن "غونزاليس" كان حراً في ممارسة مهنته دون أي قيود" ومن دون التعرض "لأي مخاطر".

وفي أغسطس/آب 2016 ، قالت مراسلة إذاعة "إن بي آر" الأميركية أنها غادرت مصر خوفاً، وكتبت المراسلة "ليلى فاضل" التي تحمل الجنسيتين اللبنانية والأميركية، في 26 أغسطس/آب 2016 عبر حسابها على تويتر تقول: "أغادر القاهرة بعد أن مكثت هنا حوالي 6 سنوات، قطعت تذكرة ذهاب بلا عودة، سأفتقدكم".

وأجرت الإذاعة الأميركية: مقابلة إذاعية مع "فاضل" قالت فيها أن من أسباب مغادرتها مصر "مناخ الخوف الذي تشعر به"، وتغير الأمور بشكل كبير عما كانت عليه عقب الربيع العربي، حيث زادت مساحة حرية التعبير آنذاك.

وأضافت: "الأمور تغيرت الآن بشكل كبير، حرية التعبير التي كانت مزدهرة تختلف جداً عما يحدث حالياً حيث أصبحت خائفة من الخروج بميكروفوني في شوارع القاهرة"، قائلة: "لم تعد هنالك خطوط حمراء وهناك حكومة ودولة تبدو مصابة بقدر هائل من جنون العظمة، ولا يمكن التنبوء بما يمكن أن تفعله".

وروت تجربتها خلال فض اعتصام رابعة قائلة: "14 أغسطس/آب 2013 هو يوم ارتكاب القوات الأمنية مذبحة"، وأشارت إلى اضطرارها للهرب تحت صوت الرصاص، ومشاهدتها رجلاً يسقط بعد إصابته برصاصة في الرأس.


أحدث وسائل تلاحق الصحفيين الأجانب


وأطلقت الهيئة العامة للاستعلامات (هيئة حكومية) مكتباً جديداً لمراقبة الصحافة الأجنبية يحمل عنوان «Fact Check Egypt»، أو «مكتب التحقق من المعلومات بمصر، هدفه مراقبة التقارير الصحفية، والتأكد من طبيعة المصادر وصحة المعلومات المنشورة، بحسب ما أعلن.

بينما يرى مراقبون أن الهدف هو "الرقابة" على الصحافة الأجنبية التي تنتقد النظام الحالي بصورة كبيرة.

وذكر تقرير لـ«هافينغتون بوست»، الأميركية بعنوان: (مصر تريد سجن الصحفيين الذين يخرجون عن الخط بتقنية معلومات تم التدرب عليها في أميركا) أن هذا المكتب تلقى العاملون به التدريب على يد مؤسسة أميركية.

وأشارت إلى أن عدداً من الصحفيين والمراسلين الأجانب من المكتب تلقوا رسائل بريد إلكتروني تستفسر عن التقارير التي نشروها حول الهجمات التي نفذها مسلحون من تنظيم «داعش» في سيناء، في 2 يوليو/تموز 2015.

والرسائل تطالبهم بإضافة أو حذف معلومات لموضوعاتهم، وفِي حالة واحدة فقط تم إعطاء مهلة لصحفي حتى منتصف الليل لتنفيذ ما طلب منه دون تحديد ماذا سيحدث له إذا لم ينصع.

وإن محرر المكتب هو الخبير في الشؤون السياسية والإعلام بمكتب رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، "أيمن محمد إبراهيم ولاش"، وهو من مؤيدي الرئيس السيسي وأحد أنصار حملة المرشح السابق أحمد شفيق، ومن معارضي ثورة 25 يناير.

وانتقد صحفيون أجانب هذا المكتب، ووصفه آخرون بأنه مكتب للرقابة، وأن هدفه هو سجن الصحفيين الأجانب مثل المصريين كما حدث مع صحفيي الجزيرة الثلاثة.

وإن وزارة الخارجية زودت الصحفيين بقائمة بالأوصاف التي يجب أن يطلقوها على الجماعات الإرهابية، كما أقر الرئيس عبد الفتاح السيسي قانوناً بمعاقبة الصحفي الذي يعطي معلومات خاطئة تخالف ما تقوله السلطات بالسجن.

في المقابل ، نفى السفير صلاح عبد الصادق رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ما نشرته الصحيفة الأميركية عن أن الهيئة قد تتجه لمقاضاة الصحفيين ووسائل الإعلام الأجنبية التي تنشر معلومات وأرقاماً غير صحيحة عن الأوضاع في مصر.

وأوضح أن مجموعة من الصحفيين والباحثين المصريين بالتعاون مع عاملين في الهيئة العامة للاستعلامات بدأوا في إنشاء آلية تسمى «fact check Egypt» للتحقق من المعلومات التي تنشرها الصحافة الأجنبية عن مصر لتوضيح حقائق الأوضاع على الأرض فقط.

وقال "عبد الصادق" إن "هذه الآلية تستخدم في العديد من دول العالم عبر استقصاء مصادر المعلومات التي تنشرها وسائل الإعلام"، مضيفاً أن "الهيئة لا تحجر على رأي أحد ولا تمنع صحفياً من قول ما يشاء ولكن من حق مصر أيضاً أن تنشر المعلومات الدقيقة عن أوضاعها".