زحام في سماء سوريا.. مخاوف من اصطدام الطائرات الأميركية بالروسية في المجال الجوي الضيق.. وهذه أفظع الأخطاء

تم النشر: تم التحديث:
SRRIY
Alamy

في ليلة من ليالي الخريف الماضي وبينما طائرة راجار أميركية تحلق في رحلتها التفقدية الروتينية فوق سوريا وردتها إشارة من طائرة روسية منطلقة باتجاهها.

على الفور عمد الطاقم الأميركي إلى إرسال إشارات راديو تحذيرية متكررة على تردد معروف عالمياً أنه لإشارات الاستغاثة، بيد أن الطيارين الروس لم يستجيبوا.

بل بدلاً من ذلك وفيما بدأت الطائرة الأميركية تندفع جنوباً، ما كان من الطائرة المقاتلة الروسية المتطورة Su-35 Flanker إلا أن يممت شطر الشمال الشرقي لتعبر من أمام مقدمة الطائرة الأميركية، مولدة بذلك موجة هوائية مضطربة أمام طائرة الرادار الأميركية شوشت أجهزتها الإلكترونية هنيهة، بحسب تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية.

العقيد الكولونيل بول بيرتش من القوة الأميركية الجوية وقائد مجموعة العمليات الاستطلاعية الـ 380 المتمركزة في الخليج العربي قال "قدّرنا أن ذاك الطيار كان على بعد ثُمنِ ميل (200 متر) وأنه لم يكن يعي ذلك.

ويقول طيارون أميركيون أن المجال الجوي السوري حافل بفرص وقوع حادثة دولية وشيكة، وهذا موقف غير مسبوق يصدف فيه أن تتزاحم الطائرات الروسية والأميركية أشهراً طويلة في المجال الجوي ذاته في حروب متوازية يقصف فيها الطيارون الأميركيون تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، فيما ينتابهم قلق من التصادم مع الطيارين الروس الذين يقصفون معارضين يحاولون لنظام بشار الأسد. ومازالت الطائرات الحربية الروسية التي تقصف كذلك أهداف لداعش تحلق يومياً في سماء سوريا رغم هدنة عقدت مؤخراً ضمن حملة موسكو ضد القوات المناوئة للأسد، وفق ما قاله سلاح الجو الأميركي.

هذا وتوجد بين الجيشين الأميركي والروسي اتفاقية أمن وسلامة عمرها عام واحد، لكن الطيارين الأميركيين ما زالوا يجدون أنفسهم في مواقف دقيقة تكاد توقعهم في حوادث تصادم وشيكة مع الطيارين الروس الذين إما لا يعون قواعد الطيران وإما غير قادرين على اتباعها على الدوام وإما لا يريدون ذلك من أصله.
نادراً ما يردون

ويقول العميد الجنرال تشارلز كوركوران قائد الجناح الاستطلاعي الجوي الـ 380 الذي يقود مهمات قتالية في طائرة متخفية "نادراً جداً يأتينا منهم رد كلامي، هذا إذا ردوا من الأساس، ونادراً جداً يتحركون، هذا إذا تحركوا من أصله. نحن من يتحرك تحاشياً للاصطدام؛ لا نعرف ما مدى رؤيتهم من عدمها، ولا نريدهم أن يصطدموا بأحدنا."

ومما يعقد الازدحام المروري الجوي هو أن الطائرات الروسية لا تصدر أي إشارات تعريفية، غير عابئة بالبروتوكولات الدولية.

ولم ترد عن وزارة الدفاع الروسية استجابة للطلبات الكتابية منها للتعليق على أفعال الطيارين الروس في سماء سوريا.

التوتر الجوي هذا يزيد من تأزم العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا التي ازدادت على خلفية تنامي دور موسكو العدواني في دعم الأسد فضلاً عن مزاعم تدخلها في الحملات الرئاسية الأميركية واحتلالها للقرم فيما مضى؛ وضمن هذه الأجواء يخشى القادة الحربيون الأميركان أن اصطداماً بين طائرات الجيشين قد يكون شرارة تشعل وتلهب فتيل الوضع.

يقول العقيد الجوي الأميركي الكولونيل دانييل مانينغ "إن اصطدمت طائرة فالاحتمال الإحصائي الأكبر أن السبب في ذلك راجع لمشكلة وعطل ميكانيكي لا إسقاطها بفعل فاعل أطلق عليها النار، ولكن وسط ضباب واحتدام الحرب فإن لدى الناس استعداداً أكبر لتستنتج أن وراء سقوط الطائرة عملاً كيدياً مغرضاً."

مذكرة تفاهم قبل عامين

عام 2015 وقع قادة الجيش الروسي مذكرة تفاهم من 4 صفحات تهدف لإبعاد الطائرات الحربية عن مرمى التصادم أو التراشق بالنار فيما بينها.

والآن يسعى مسؤولون كبار في البنتاغون لتعزيز الاتصالات والتنسيق بين الجيشين؛ وعملاً بالمقترح سيقوم جنرالات في البنتاغون من حملة نياشين 3 نجوم بمناقشة عمليات الشرق الأوسط بصفة دورية مع نظرائهم في موسكو؛ أحد الدوافع لمساعي البنتاغون هذا هو الاعتقاد بأن الرئيس المنتخب دونالد ترامب قد يرغب بزيادة التعاون مع موسكو في المنطقة وفق ما قاله مسؤولون كبار في الجيش.

أما في الوقت الراهن فجميع المساعي اليومية لتفادي كارثة جوية تتم عبر العقيد الكولونيل مانينغ الذي يتحدث الروسية ويعمل في قاعدة العديد الجوية الأميركية بقطر. حيث يرتب الكولونيل مانينغ 3 اتصالات أسبوعية بنظيره الروسي الذي هو كولونيل متمركز في سوريا من أجل إفساح وإخلاء المجال الجوي أمام عمليات الجيشين، وفي معظم الأسابيع يكون لديهما اتصالات يومية مرتجلة تحتمها المستجدات اليومية الطارئة، وقد يصل عدد مكالماتهما إلى 10 اتصالات يومياً عندما تشتد وتيرة العمليات القتالية، مثلما حصل الشهر الماضي عندما دمر الطيران الأميركي 168 شاحنة صهريج كانت تنقل النفط لتنظيم داعش.

إضافة إلى ذلك فإن موظفة مدنية من البنتاغون تجري مكالمة فيديو مباشرة مع نظيرها الروسي حول الشأن السوري كل 6-8 أسابيع.

أفظع الأخطاء

وكانت أفظع الأخطاء المرتكبة حتى الآن على يد الولايات المتحدة في شهر سبتمبر/أيلول عندما كانت ضربة جوية أميركية تستهدف مسلحي داعش في دير الزور السورية إلا أنها بدلاً من ذلك قتلت عشرات جنود الجيش السوري النظامي.

تلك كانت حادثة أبرزت مواطن الضعف في خط الاتصال الساخن بين العقيد الحربي ونظيره؛ ففي يوم الحادثة كان العقيد الكولونيل مانينغ بعيداً عن قاعدة العديد.
وعندما بدأ القصف اتصل موظف روسي بالخط الساخن وطلب التكلم مع كولونيل أميركي آخر يعرفه، لكن ذاك الأميركي لم يكن موجوداً، فأغلق الروسي الهاتف ثم مرت 27 دقيقة قبل أن يعاود الروس الاتصال لتحذير الأميركان من أنهم يقصفون الهدف الخطأ حسب رواية مسؤولي الدفاع الأميركان.

في تلك الأثناء أصدر الجيش الروسي بياناً قال فيه "إن كان سبب القصف الجوي خطأ في إحداثيات الأهداف فإن السبب المباشر هو عناد الطرف الأميركي في عدم تعاونه للتنسيق مع روسيا في عملياته ضد المجموعات الإرهابية في سوريا."

وقال العميد الكولونيل مانينغ أن المساعي الحالية للتنسيق تجعل من الحرب آمنة أكثر.

وقال "نحن مستمرون في تقييم أن الطرف الروسي لا نية له في إيذاء قوات التحالف لاجواً ولا براً، ولأننا نؤمن بعدم وجود نية مغرضة تجاه قوات التحالف فإننا قادرون على نزع فتيل التصادم."
الأمر مختلف من قمرة القيادة

لكن الأمور تبدو مختلفة من قمرة قيادة الطائرات، الطيارون الأميركيون يقولون إن الروس أحياناً يبدون كأنهم يغامرون بالاندفاع نحو حافة استفزازية لينظروا هل يسكت الأميركيون أم ماذا يصنعون.

إنه وضع يزيد من تعقيده وجود خليط كبير من الطائرات التي تقوم بمهام قتالية، منهم الأميركيون والروس والسوريون والأستراليون والبريطانيون والدنماركيون والأتراك والإماراتيون والسعوديون والأردنيون. ففي أي يوم عادي تحلق فوق سماء الرقة، معقل داعش، من 50 إلى 75 طيارة آهلة أو غير آهلة من طائرات التحالف، كما تحلق فوق سماء الموصل المتنازع عليها في العراق 150 طائرة أخرى وفق ما قاله أحد موظفي الرادار الأميركيين. وكان التحالف المكون من 64 عضواً ولا يشمل روسيا قد أجرى أكثر من 51500 طلعة جوية ضد داعش، ثلثا هذا العدد قوامه من الطيران الأميركي بدءاً من أواسط ديسمبر/كانون الأول.
قاعدة الثلاثة

الاتفاق الأميركي الروسي عام 2015 أدى إلى مفاوضات على ما يسميها الأميركان "قاعدة الثلاثة." حيث على الطيارين المحافظة على مسافة 3 أميال بحرية (5.5 كيلومترات) تفصلهم أفقياً، و3 آلاف قدماً تفصلهم عمودياً ؛ فإن حدث تقارب بينهم أكثر من ذلك فإن الوضع لن يسمح له بالاستمرار أكثر من 3 دقائق.

يقول الجنرال كوركوران "لقد اتفقنا على التعايش بسلام في [الأجواء]."

لكنّ الروس لديهم ميلاً لتجاهل أعراف السلامة الجوية وفق أقوال الطيارين الأميركيين؛ فجميع الطائرات حول العالم تحمل أجهزة بث إشارات تصدر شيفرة مكونة من 4 أرقام تسمح لمنظمي المرور الجوي بالتعرف على الطائرات.

ولا يبذل الروس الجهد الكافي للرد على "اتصالات الحرس"، وهي اتصالات واستدعاءات عاجلة على تردد راديو معروف للطوارئ. ففي إحدى المناوبات التي تستغرق 8 ساعات يوم 11 ديسمبر/كانون الأول مثلاً، اتصل طاقم طائرة رادار أميركية تدعى إيواكس AWACS حوالي 22 مرة بـ10 طيارات روسية دون جواب واحد منها. وقد اقتربت بضعة طائرات روسية من طيران التحالف مسافة 5 أميال (8 كيلومترات).

فوراً أمر منظم المرور الجوي عل متن الإيواكس جميع الطائرات الأميركية بالانتشار والتفرق تفادياً للروس. وقال الموظف عن تحليق الطائرات بشكل متقارب من بعضها "لقد حدثت معنا الكثير من حوادث التحليق على ارتفاع متماثل."

لكن الطيارين الروس خرجوا أحياناً عن صمتهم عندما اتصلت بهم منظمة مرور جوي امرأة.

ففي أوائل سبتمبر/أيلول لمحت موظفة إشراف جوي أميركي طائرة مجهولة تقترب من طيران التحالف في سوريا، فأرسلت لطيارها رسالة تحذيرية قالت فيها "إنك تقوم بمهمة تقع ضمن أجواء طيران التحالف."

فانطلق صوت كسر صمت ترددات الراديو تثقله لهجة روسية وقال "صوتك جميل يا سيدتي. مساء الخيــر."

وقال الجنرال كوركوران "في بعض الأحيان التي يوشك فيها حادث تصادم على الوقوع أقتنع أنهم لا يدرون بوجودنا."

لكن الأمر ليس كذلك دوماً، ففي سبتمبر/أيلول لحقت طائرة Su-35 روسية طائرة F15 أميركية بعدما أنهت مهمة قصف في سوريا وحلقت لتتزود بالوقود من طائرة تعبئة. لقد صور الطيار الأميركي تلك الطائرة الروسية كيف لحقت الطائرات الأميركية طيلة ميل ونصف، حسب قول العقيد الكولونيل بيرتش.

أحياناً تنطلق الطائرات الروسية لتخترق تجمعات طيران التحالف متلاصقة التنظيم فوق الرقة، ولطالما حلقت طائرات القصف الروسي نحو سوريا متجهة من روسيا عبر إيران والعراق، ما يشوش انتظام الطلعات الجوية للتحالف فوق أرض معركة الموصل.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.