رحيل رفسنجاني يضع الرئيس الإيراني في اختبار صعب.. روحاني مُطالب بملء الفراغ الذي تركه معلّمه

تم النشر: تم التحديث:
S
س

توفي الأحد 8 يناير/كانون الثاني 2017 الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني (82 عاماً) الذي تولى رئاسة إيران من عام 1989 حتى 1997 وكان أحد أهم رموز ثورة البلاد الإسلامية التي أطاحت بالشاه عام 1979؛ لوفاته وقع كبير قد لا يقتصر على تقويض مساعي الإصلاحيين الإيرانيين والمعتدلين فحسب بل قد يودي بكل مستقبل إيران السياسي القريب، حسب موقع ذا ديلي بيست الأميركي.

جاءت وفاة رفسنجاني في الوقت الذي ترأس فيه "مجلس تشخيص مصلحة النظام" الذي هو هيئة استشارية ذات نفوذ واسع تقدم المشورة للمرشد الأعلى؛ والآن مع رحيله فقد أعضاء المجلس من الإصلاحيين سندهم وعضدهم القوي، لكن ما هذا إلا غيض من فيض الآثار التي سيتركها رحيل رفسنجاني والفجوة التي سيخلفها وراءه بلا شك.

فعلى مدار الـ10 سنوات الماضية وضمن أوساط السلطات العليا كان رفسنجاني الدرع الحامية لإصلاحيي إيران وغيرهم من الفرقاء والأطراف ذات التوجه المماثل التي فقدت بريقها وقوتها؛ فجرأته وشجاعته في مواجهة المتشددين وحتى أمام المرشد الأعلى آية الله خامنئي مع براعته في تسخير الإعلام لتلك المواجهة كلها عوامل خلقت توازناً في السياسة الإيرانية بين المعتدلين وبين المتشددين الأصوليين أنصار خامنئي. وفاة رفسنجاني ستخلف وراءها فجوة كبيرة ستحدث خللاً في توازن القوى هذا بين المتشددين والمجموعات الأكثر اعتدالاً في الجمهورية الإسلامية.


أول المتضررين


حكومة الرئيس حسن روحاني الإصلاحية أول المتضررين من رحيل السياسي الكبير، فالعام الحالي سيشهد انتخابات رئاسية سيحتاج فيها روحاني إلى الدعم السياسي لإعادة انتخابه تماماً مثلما احتاجه في ساعة العسرة بعد توقيع اتفاق إيران النووي. أما وقد توفي رفسنجاني وخلت الساحة من رجال سياسة إصلاحيين من حجمه ومقامه، فسيضطر روحاني لمجابهة أسراب المتشددين وجماعات الأصوليين وحيداً دون سند.

تحدث موقع فوكاتيف الأميركي عن مخاوف الشارع الإيراني وقلة ثقته بالقيادة الإيرانية بعدما ظل روحاني أعزل وحيداً في وجه الأصوليين، فقد نقل عن مغردين إيرانيين على موقع تويتر "هاقد وجدنا أنفسنا وحيدين أكثر أمام المرشد الأعلى آية الله خامنئي. إن خبر موت رفسنجاني لا يقلقنا فحسب، بل يخيفنا جداً جداً".

فيما شد البعض الآخر من عزيمة الإيرانيين داعياً إلى جعل منح روحاني أصواتهم الانتخابية في مايو/أيار أولوية فوق كل شيء، ما قد يستدر تعاطف بعض الناخبين الإيرانيين لمنح روحاني صوتهم بعدما غدا وحيداً أعزل دون ظهر يحميه، حسب موقع فوكاتيف الأميركي.

(تغريدات من موقع فوكاتيف: "لن يعود شيء كما كان بعد وفاة رفسنجاني". "ليس الأمر أننا كنا نحبه، بل كنا بحاجته").

كذلك من شأن وفاة رفسنجاني، وحسب موقع ذا ديلي بيست الأميركي، التأثير على انتخابات مجلس مدينة طهران المرتقبة، فقد كانت آمال فريق رفسنجاني خصوصاً ابنه محسن هاشمي منعقدة على هذه الانتخابات التي كان يطمح الابن من خلالها لتولي منصب عمدة طهران، لكن وفاة الأب تعني أفول نجم آل رفسنجاني وخبوّ بريق حظهم، لكنهم لا يشبهون آل الخميني الذين حافظوا على صدارة موقعهم في دنيا السياسة والدين اعتماداً على اسم الخميني وشهرته ومقامه؛ بل على العكس، فأحزان وأتراح آل رفسنجاني تواً بدأت.


إجهاض أحلام سياسية


لكن بعيداً عن كل هذا، فإن في وفاة رفسنجاني إجهاضاً للعديد من أحلام الإصلاحيين مثل الإصلاحات الدستورية الهادفة لنقل القيادة العليا إلى يد المجلس بدلاً من حصرها في منصب رجل واحد، أو مثل زيادة السلطات الإشرافية الممنوحة لمجلس الخبراء على المرشد الأعلى. تلك أحلام سياسية يرجع زمنها حتى إلى أيام الخميني، لكن الآن فات الأوان على تحقيق أي منها لتصبح واقعاً.

كذلك كان رفسنجاني مركز ثقل مجموعة سياسيين لم يقتصر فعلهم على مساعدة الإصلاحيين للنهوض بل نجحوا أيضاً في إقناع بعض الأصوليين المحافظين من أمثال علي أكبر ناطق نوري وعلي أكبر ولايتي ورئيس البرلمان علي لاريجاني بدعم حكومة روحاني. أما الآن فتضاءلت أي فرصة لعقد تحالفات بين الإصلاحيين والأصوليين كثيراً جداً.

لم يكن بوسع رفسنجاني استعمال كثير من الدهاء في دور المفاوض السياسي، فمثلاً لم يقدر على الحؤول دون استبعاد المرشحين الإصلاحيين من سباق الترشح، إلا أن دوره في إرشاد سياسيي الإصلاح كان من الأهمية بمكان، فضلاً عن دوره في مفاوضات الاتفاق النووي مع الغرب ودعم قضايا إصلاحية مثل إطلاق السجناء السياسيين، كما أنه تمكن إلى حد ما من التأثير على خامنئي كي يمنعه من الاستئثار بإصدار قرارات أحادية الجانب.

أما الآن فأمام المتشددين فرصة سانحة للالتفاف الكامل حول المرشد الأعلى وصد أي تأثير من التيار المعتدل عليه. لقد كان رفسنجاني يمارس لعبة السياسة بنفس القواعد التي كانت على أيام آية الله خميني، أو على الأقل هكذا كان يحاول إيهامنا، لكن بوفاته الآن انفرط عقد "خط الأئمة" من وجوه بارزة مقربة من الخميني منذ أول أيام الثورة وشارفت خرزاته على النفاد.


مشهد سياسي جديد


إضافة إلى ما تقدم فإن وفاة رفسنجاني تقضي على مصدر هام لمعارضة العديد من المتشددين المحافظين في السياسة الإيرانية من المحسوبين على خامنئي، ومنهم الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، والرئيس السابق للسلطة القضائية الإيرانية محمد يزدي، كذلك الزعيم الروحي للمتشددين الإيرانيين محمد طاغي مصباح يزدي والمرشد الأعلى نفسه أيضاً. يبقى لنا أن نراقب هل يحل أحد ما محل رفسنجاني ليكون رأس المعارضة أمام كبار رؤوس التشدد هؤلاء.

لكن وفاة رفسنجاني مع ذلك تشكل فرصة للرئيس روحاني كي يخرج إلى النور من بعد بقائه في ظل رفسنجاني زمناً، ويحاول بنفسه هذه المرة ملء الفراغ الذي خلفته وفاته. فلطالما علق رفسنجاني آماله العريضة على الرئيس روحاني الذي كان وما زال حتى الآن أهم أتباع وتلاميذ رفسنجاني الواعدين. بيد أنه على روحاني الآن اجتياز اختبار النضال لكسب إعادة الترشح من جديد ضد المتشددين الذي اشتد أزرهم وساعدهم بوفاة معلمه.

وبهذا لم يبق من حلفاء روحاني إلا القليل، فالإصلاحي السابق الرئيس محمد خاتمي الذي أجبر على الخروج من ساحة السياسة وبات حتى ذكر اسمه من محرمات الإعلام الإيراني، والزعيمان الإصلاحيان مير حسين موسوي ومهدي كروبي، كلهم موضوعون تحت الإقامة الجبرية على خلفية احتجاجات انتخابات عام 2009 الرئاسية. إذاً الحِمل الآن ملقى بأكمله على كاهل روحاني كي يتحول إلى "عراب" جديد للإصلاحيين والمعتدلين.

هي مهمةٌ ليست أبداً أهون من الفوز بالانتخاب ولا من صون الاتفاق النووي. إن روحاني الآن مطالبٌ ليس فقط بالذود عن حياض إرث رفسنجاني السياسي، بل عليه أيضاً حماية تحالف وتكتل رفسنجاني من التهاوي والتفتت، فمن دون هذا التحالف يستحيل على أي معتدل أن يؤثر في الرأي العام أو حتى أن يعقد اتفاقات سياسية جديدة. فترة روحاني الرئاسية الأولى لم تأت بنجاحات عظيمة على هذا الصعيد، لكن لعل السبب أنه كان يعيش في كنف رفسنجاني آمناً في ظله.

المؤكد الآن لدينا هو أن وفاة رفسنجاني إيذان بدخول السياسة الإيرانية عهداً جديداً.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.