معلومات جديدة عما قام به الدبلوماسي الإسرائيلي للتأثير على صُناع القرار في لندن

تم النشر: تم التحديث:

أنشأ المسؤول بالسفارة الإسرائيلية، شاي ماسوت، الذي تآمر لـ"إسقاط" نوَّابٍ بالبرلمان البريطاني ممن اعتبرهم مُعَادين، عدداً من المنظمات السياسية في المملكة المتحدة، كانت تعمل كما لو أنها مستقلةً تماماً.

وكان ماسوت قد صُوِّر سراً بينما كان يتباهى بإنشاء عدة مجموعات، إحداها على الأقل كان يهدف للتأثير على سياسة حزب العمال، في حين يبدو أن هذه المجموعات تحجب روابطها بإسرائيل، بحسب ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية.


مطالبات بتحقيق فوري


ويأتي ظهور هذه التسجيلات في وقتٍ طالَبَ فيه حزب العمال الحكومة بفتح تحقيقٍ فوري حول "التدخُّل غير اللائق في سياساتنا الديمقراطية". وطالَبَ وزيرٌ محافظٌ سابق بالحكومة بتحقيقٍ حول ارتباطات السفارة الإسرائيلية مع منظَّمتين؛ هما مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين (CFI)، ومجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال (LFI).

وفي هذه الأثناء، يعود ماسوت إلى إسرائيل والعار يلاحقه، بينما استقالت الموظَّفة الحكومية، والمسؤولة بحزب المحافظين التي ظهرت في التسجيلات أثناء مناقشتها مع ماسوت سُبُل تشويه سمعة نوَّاب البرلمان، من منصبها.

كان كلٌ من ماسوت وماريا ستيتسولو، وهي مديرة في وكالة تمويل المهارات، ومساعدة لوزير التعليم، روبرت هالفون، قد ظهرا في مقطعِ فيديو صوره رجلٌ عرَّفاه باسم روبن، واعتقدا أنَّه ناشطٌ في مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال، بينما كان في حقيقة الأمر صحفياً متخفِّياً يعمل مع وحدة تحقيقات قناة الجزيرة الإخبارية.

وكان وزير الدولة للشؤون الخارجية، آلان دانكن، من بين نوَّاب البرلمان الذي ناقش ماسوت وماريا "إسقاطهم". ومن المعروف أن دانكن داعم بارزٌ لقيام دولةٍ فلسطينية.

يتباهى ماسوت، في التسجيلات الأخيرة، بتأسيس منظماتٍ "في إسرائيل وهنا (في المملكة المتحدة)". وعند سؤاله عما يقصده، ردَّ المسؤول الإسرائيلي: "ليس باستطاعتي قول شيء، لكن نعم". مضيفاً: "نعم، لأنَّ هناك أموراً تحدث كما تعلمين، لكن من الجيد ترك تلك المنظمات مستقلة. لكنَّنا، في الواقع، نساعدهم".

وتُعد مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال، ومجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين منظمتين قائمتين، أُنشِئَتا في الخمسينات والسبعينات على التوالي، لمساعدة إسرائيل ومواجهة معاداة السامية. وتُظهِر المقاطع التي صوَّرتها الجزيرة أنَّ ماسوت أراد أن يرأس روبن منظمةً جديدة، تُسمَّى "أصدقاء إسرائيل الشباب في حزب العمال".


بداية الفكرة


وفي مقابلةٍ جرت في يوليو/تموز الماضي، أوضح ماسوت أنَّه واتته فكرة إنشاء مجموعة أصدقاء إسرائيل الشباب في حزب المحافظين عام 2015. وقال: "حينما حاولتُ فعل الشيء نفسه في حزب العمال، كانت لديهم في ذلك الوقت أزمةٌ مع كوربن (زعيم الحزب). لذا بدلاً عن ذلك، اصطحبتُ وفداً إلى إسرائيل.. اصطحبتُ مجموعةً من أعضاء الجمعية الفابية (جمعية اشتراكية) إلى إسرائيل".

ويقول ماسوت كذلك في مقطع الفيديو الخاص بهذه المقابلة إنَّه لا يتمنّى أن يشهد فوز كوربن في منافسته مع أوين سميث على زعامة الحزب. وخلال مقابلة أخرى، يصف ماسوت كوربن بأنَّه "قائدٌ مجنون".

قال ماسوت في مقطع الفيديو: "أفضِّل ألّا يبقى الحزب تحت زعامة كوربن". وأضاف، مشيراً إلى عددٍ من نوَّاب البرلمان عن حزب العمال الذين زاروا الضفة الغربية مؤخراً: "بعضهم يعارضون كوربن، لذا من يدري؟".

ونصح ماسوت روبن بأنه يجب أن يطلق مجموعة أصدقاء إسرائيل الشباب في حزب العمال عن طريق تنظيم حفل استقبالٍ أولاً، ثم بعد ذلك يُعد قائمةً بعناوين البريد الإلكتروني لمن سينضم، مضيفاً أنَّ مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال بحاجةٍ إلى تجديد حيويتها بمجموعةٍ من الشباب.

وقال موضحاً: "لا يريد الكثير من الشباب الانتساب إلى المجموعة. فعلى مدار سنوات، كان كل نائب من الحزب يدخل إلى البرلمان يلتحق بمجموعة أصدقاء إسرائيل فيه. لكنَّهم في حزب العمال لم يعودوا يقومون بذلك. أمَّا النواب المحافظون، فيلتحقون تلقائياً بمجموعة أصدقاء إسرائيل في حزبهم. وجميع النواب الـ14 الجُدد الذين فازوا في الانتخابات الماضية فعلوا ذلك تلقائياً. لكن في مجموعة أصدقاء إسرائيل بحزب العمال لم يحدث نفس الشيء. نحتاج إلى أن نضم مزيداً من الأشخاص. في الواقع، يتطلَّب الأمر الكثير من العمل".

وخلال مقابلةٍ جرت في الشهر التالي، اقترح ماسوت أنَّ روبن ربما يود أن يصبح رئيس المجموعة التي يقوم بتأسيسها. وقال أيضاً إنَّ روبن ينبغي ألّا يخبر الأشخاص الآخرين بأنَّ السفارة هي التي أسَّسَت المجموعة. وقال: "مجموعة أصدقاء إسرائيل في حزب العمال منظمةٌ مستقلة. لا أحد يحب أن يدير شخصٌ آخر منظَّمته. هذه تحديداً هي القاعدة الأولى في عالم السياسة".

وفي سبتمبر/أيلول الماضي، بينما كان ماسوت على متن قطارٍ متَّجهٍ إلى مدينة ليفربول من أجل حضور مؤتمر حزب العمال، أخبر روبن بأنَّه أيضاً يؤسِّس مجموعةً جديدة تُسمَّى "أصدقاء إسرائيل في المدينة". وبمجرد وصوله إلى ليفربول، يُظهِر مقطع الفيديو ماسوت أثناء تقديمه لروبن أمام الفعالية الاجتماعية للمؤتمر بصفته "رئيس مجموعة أصدقاء إسرائيل الشباب في حزب العمال".

ومن المُرجَّح أن يثير الكشف عن التسجيلات التي توضح محاولات ماسوت التأثير في شؤون حزب العمال عن طريق تأسيس مجموعة سياسية جديدة، غضب قادة الحزب، الذين اعتبروا بالفعل أنَّ التهديد بـ"إسقاط" نوَّابٍ بالبرلمان مسألةٌ خطيرة تمس الأمن القومي.

وقالت وزيرة الخارجية في حكومة الظل المعارِضة غير الرسمية في بريطانيا، إميلي ثورنبيري، إنَّ "الكشف عن مناقشة مسؤول بالسفارة الإسرائيلية كيفية الإطاحة بوزيرٍ في الحكومة، وأعضاء في البرلمان، أو تشويه سمعتهم بسبب رؤاهم حيال الشرق الأوسط، لهو أمرٌ مزعجٌ للغاية".

وأضافت: "هذه مسألة أمنٍ قومي. يجب سحب مسؤول السفارة المتورِّط، ولابد أن تفتح الحكومة تحقيقاً فورياً حول نطاق هذا التدخُّل غير اللائق، وأن تطلب من الحكومة الإسرائيلية أن تضع حداً لهذا الأمر".

وقال وزيرٌ سابق في حكومة ديفيد كاميرون إنَّ جهود السفارة لممارسة تأثيرٍ غير مشروع على الحياة العامة البريطانية ذهبت حداً أبعد بكثيرٍ من أي تآمرٍ لـ"إسقاط" نوَّابٍ بالبرلمان غير المتعاونين.

وقال الوزير السابق، الذي كتب في صحيفة "ذا ميل أون صنداي" خافياً هُويته: "صارت السياسة الخارجية البريطانية مرهونةً بالتأثير الإسرائيلي على لُبّ سياساتنا، وأولئك القابعون في السلطة تجاهلوا ما يجري".

وأضاف: "عملت مجموعتا أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، وأصدقاء إسرائيل في حزب العمال مع السفارة الإسرائيلية، بل لقد عملتا لصالحها، من أجل تعزيز السياسة الإسرائيلية، والتصدي لسياسة الحكومة البريطانية، وإجهاض تحركات الوزراء الذين يحاولون الدفاع عن الحقوق الفلسطينية".

وقال الوزير السابق إنَّ هناك حاجةً لإجراء تحقيقٍ كامل حول ارتباطات السفارة الإسرائيلية بمجموعتيّ أصدقاء إسرائيل في حزب المحافظين، وأصدقاء إسرائيل في حزب العمال، وإنَّه في حين ينبغي على الأحزاب السياسية الترحيب بالتمويلات القادمة من المجتمع اليهودي في المملكة المتحدة، لا ينبغي عليهم أن يقبلوا أية توافقاتٍ تتعلَّق بإسرائيل حتى تُوقِف المستجدَّات الأخيرة على الأرض الفلسطينية.

وكتب: "هذا التمويل غير الشفَّاف والأداء الخفي هو بمثابة وصمة عارٍ وإهانةٍ وطنية لابد من وضعِ حدٍ لهما".


"موقف ليس مقبولاً"


وقالت الحكومة البريطانية إنَّها اعتبرت المسألة مُنتَهيةً بعد اعتذار السفير الإسرائيلي، مارك ريغيف، إلى المملكة المتحدة. غير أنَّ المتحدِّث باسم لجنة الشؤون الخارجية بالحزب القومي الأسكتلندي، أليكس سالموند، قال إنَّ هذا الموقف ليس مقبولاً.

وأضاف: "أتوقع من الحكومة البريطانية أن تحقِّق في هذه المسألة بصورةٍ كاملة، حتى يكون بمقدورنا الثقة بأنَّ مسؤولينا المُنتَخبين أحرارٌ في تأدية أعمالهم على أكمل وجهٍ، وبدون خوفٍ من تشويه سمعتهم من قِبَل مسؤولي سفارةٍ لا يتَّفقون معهم في آرائهم".

ويبقى الدور الحقيقي الذي يقوم به ماسوت داخل السفارة غير واضح. فمن المعروف عنه أنَّه ضابطٌ سابقٌ في البحرية الإسرائيلية، ويُعتَقَد أنَّه لا يزال موظفاً في وزارة الدفاع الإسرائيلية. وتصفه بطاقة عمله في السفارة بأنَّه مسؤولٌ سياسيٌ بارز، لكنَّ السفارة تقول إنَّه ليس دبلوماسياً.

ويقول ماسوت، على حسابه على موقع لينكد إن، إنَّ عمله يتضمَّن "تأسيس عدة مجموعات دعمٍ سياسي في المملكة المتحدة لتحقيق أقصى قدرٍ من الحماية لإسرائيل". ويقول أيضاً إنَّه ساهم في ضمان إجراء "تعديلاتٍ تشريعية" في المملكة المتحدة.

وقال دبلوماسيون سابقون إنَّه من المُستبعَد للغاية أنَّ يعمل ماسوت دون أن تكون له سلطةٌ في ذلك. وقال السفير البريطاني السابق، ويليام باتي، الذي عمل في المملكة العربية السعودية، والعراق، وأفغانستان، والسودان: "لا أعتبر فكرة عمله من تلقاء نفسه واقعية. نعلم أنَّ هناك جماعات ضغط في هذا البلد تسعى إلى تصوير السياسة الإسرائيلية في أفضل صورةٍ ممكنة، وتشويه سمعة منتقديها".

وقال مسؤولٌ بارزٌ في حزبِ المحافظين: "ما من نائبٍ في البرلمان لديه اهتمام فعلي بشؤون الشرق الأوسط، وليس فقط اهتمامٌ بقضية الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني المحورية، لا يدرك قوة جماعات الضغط الإسرائيلية. وهذه الجماعات، تماماً مثل إسرائيل نفسها، قوية وفعَّالة، وتسير بالقربِ من الخط المقبول عادةً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.