"ثلاث سويديات في مصر".. 100 عام من تاريخ "أم الدنيا" بعيون روائية أجنبية

تم النشر: تم التحديث:
PHOTO
sm

في 28 يونيو/حزيران من العام 1875، افتتح الخديوي إسماعيل - حاكم مصر آنذاك - المحاكم المختلطة، للفصل في قضايا الجاليات الأجنبية المختلفة التي كانت تعيش في مصر في ذلك الوقت، فانتدب القضاة من دول مختلفة للعمل في تلك المحاكم، التي استمرت حتى يوليو/تمُّوز العام 1952.

ومن هنا جاءت الكاتبة آن ايديلستام بأحداث رواية "ثلاث سويديات في القاهرة" الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية في العام 2016 للمترجمة مروة إبراهيم آدم.

وتعتبر الرواية رحلة في تاريخ مصر الحديث منذ العام 1927 وحتى العام 2011، من خلال سرد الرواية ليوميات ثلاث سيدات ينتمين إلى أسرة واحدة عاشت في القاهرة في فترات زمنية مختلفة.


محاولة التعايش


وتبدأ أحداث الرواية بحكاية هيلدا التي جاءت بصحبة زوجها القاضي طورشتين سالين، ليبدأ عمله قاضياً في المحاكم المختلطة في العام 1927.

وتروي هيلدا وضع المرأة في مصر في ذلك الوقت، وكيف استطاعت التعايش مع مجتمع لا يعترف بحقوقها، ولا يعاني خجلاً في حرمانها حق التعليم والميراث وممارسة الحياة بحرية.

وعاصرت بداية حركة تحرير المرأة، ومطالبتها بالمساواة والتحرر من قيود المجتمع، عن طريق صداقتها بهدى شعراوي، وكيف استقبل المجتمع المصري تلك الحركات التحررية بالرفض والهجوم.

ورصدت هيلدا رحابة المجتمع المصري في ذلك الوقت، والتنوع الثقافي الذي نتج عن تعدد الجنسيات والأديان وتقبل كل منهما للآخر، ولكن رغم هذا التنوع افتقدت مصر المساواة بين جميع طوائف الشعب.


الاصطدام بالتمييز


وأكدت بطلة الرواية على أن مظاهر التحضر والترف والتعليم وحتى الصحة كانت تقتصر على البعض فقط، مثل العائلة المالكة والأغنياء والقضاة؛ أما باقي أطياف الشعب من الفلاحين والعمال فكانوا معدومي الحقوق والإرادة.

ورأت الروائية أن الاندماج في المجتمع، ومواجهة صعوبات الحياة تكمن في التعايش مع كافة طوائفه ومستوياته.

وسلطت "ثلاث سويديات في القاهرة" الضوء على أحداث الحرب العالمية الثانية، ومعاناة الشعب المصري في ظل ظروف الحرب، وتوافد المزيد من الجنسيات المختلفة على البلاد، وأهم التغيرات السياسية والاجتماعية التي أدت إلى قيام ثورة يوليو/تمُّوز في عام 1952، من خلال يوميات السيدة الثانية انغريد - الابنة الوحيدة لهيلدا والقاضي طورشتين -، التي ولدت في مصر وعاشت طفولتها وشبابها، حتى تجبرها الظروف على ترك مصر في أعقاب ثورة يوليو/تموز.


حكي بالمراسلات


وتبتعد انغريد عن الحياة فى مصر، إلا من مراسلتها لبعض الأصدقاء، ومن خلال تلك المراسلات ترصد الرواية التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي نتجت من الحروب التي توالت على مصر، بداية من العدوان الثلاثي في العام 1956، وحتى حرب أكتوبر/تشرين الأول في العام 1973.

وتعود انغريد عقب حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 للحياة في مصر مرة أخرى، كونها زوجة لسفير دولة السويد.

لتبدأ حكاية آن - السيدة السويدية الثالثة -، التي كانت حياتها في مصر خلال تلك الفترة شاهد عيان على مرحلة شائكة في تاريخ المجتمع المصري، وأدق ما شاهدته من تغيرات للمواطن الذي انتهج الهجرة إلى البلاد العربية؛ لتلبية احتياجات ومغريات دخيلة على المجتمع الناتجة عن سياسات الانفتاح الاقتصادي.

وشهدت تلك الفترة أيضاً تولي الجماعات الإسلامية مقاليد العمل المجتمعي في البلاد، وكيف أثرت تلك الجماعات في الحياة الثقافية والاجتماعية، التي انتهت بمقتل الرئيس السادات. لتدخل مصر عهداً جديداً بسياسات بدت في ظاهرها جديدة؛ ولكنها في حقيقة الأمر تكرار مقنع لسياسات قديمة، ما اضطر آن للعودة إلى السويد مرة أخرى.


تدهور الأوضاع


وابتعدت آن عن الحياة في مصر إلا من بعض الزيارات التي حرصت عليها، وتنقل الكاتبة من خلالها تدهور الأوضاع في العديد من المجالات، مثل التعليم والصحة، وفساد الحياة السياسية والفتن الطائفية وتبني سياسة التوريث.

وعقدت الكاتبة عن طريق تلك الزيارات مقارنة بين صورة مصر في واقع تحياه، وبين صورتها في حكايات الأم ومذكرات الجدة.

ويجدر الذكر بأن الكاتبة اهتمت بإلحاق الرواية ببعض الصور الخاصة بالعائلة، لتوثيق ما تناولته من أحداث وحكايات خاصة بالعائلة.

واهتمت كذلك بتقديم صورة حية لثقافة مختلفة من خلال رحلات العائلة إلى السويد، وفي مقدمة الرواية التي تناولت فيها الكاتبة جذور العائلة في مدينة ستوكهولم.


مصر بعد 2011


وتنتهي أحداث الرواية حين تصادف إحدى زيارات آن إلى مصر قيام ثورة 25 يناير/كانون الثاني العام 2011، وما ترتب عليها من انفلات أمني، وتخبط في الحالة الاجتماعية والسياسية في ذلك الوقت.

ورغم تلك الظروف، ترفض آن أن تترك مصر دون أن تطمئن على مصير الثورة والثوار؛ ليأتي الواقع الذي نحياه خير من يجيب عن هذه التساؤلات التي تركتها الكاتبة بلا إجابة في نهاية صفحات الرواية.