"أفراح الجمعيات".. ظاهرة اجتماعية غريبة في مصر هدفها الادخار.. هذه تفاصيلها

تم النشر: تم التحديث:
CELEBRATIONS IN EGYPT
Mohamed Abd El Ghany / Reuters

تتمايل راقصات على إيقاع موسيقى مصرية شعبية صاخبة على مسرح خشبي في الهواء الطلق، فيما يعلن حسن العجمي عبر مكبر الصوت أن أحد المدعوين دفع 5 آلاف جنيه كهدية في حفل عيد ميلاد طفلة صغيرة.

ولا يعرف مقدم الهدية حتماً صاحبة العيد أو أهلها، لكنه يدفع اليوم ما سيحصده غداً في مناسبة اجتماعية خاصة به.

ولا يتخلَّى العجمي عن الميكروفون. هو الوسيط الذي يجمع أشخاصاً لا يعرفون بعضهم البعض يدفعون مبالغ مالية أو "النقوط" في أفراح أو حفلات أعياد ميلاد صاخبة يشاركون بها.

ويوضح العجمي "كل مشارك يدفع مبلغاً معيناً في أكثر من حفل حتى يأتي دوره ويقيم حفله فيجمع كل ما دفع مرة واحدة. هكذا تدور الجمعية".

وباتت أفراح الجمعيات أمراً شائعاً في مصر بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد.


تدوين أسماء دافعي النقود


وينشغل مساعدو العجمي بِعدِّ النقود وكتابة أسماء دافعيها عليها، ثم التدوين في كراسة صفراء صغيرة.

ويقول العجمي: "نحن نحدد مواعيد أفراح للناس. لكل واحد موعد. عيد ميلاد أو عرس أو حفل سبوع طفل، ويأتي الناس للتنقيط"، فيسترد دفعة واحدة ما سبق أن سدده على دفعات.

ويدير العجمي 70 جمعية في القاهرة وثلاث محافظات في دلتا النيل. وتتراوح المبالغ التي يدفعها المشاركون غالباً بين 250 جنيهاً (قرابة 12,5 دولار) و2500 جنيه (قرابة 125 دولاراً).

في بلدة أبو الغيط الصغيرة في محافظة القليوبية (قرابة 35 كيلومتراً شمال القاهرة)، تستقدم الطفلة التي تحتفل بعيد ميلادها إلى المسرح والدها وغيره من المدعوين لإطفاء شموع كعكة عيد ميلادها، في خطوة لم تكترث لها الغالبية العظمى من الحضور.

ويتواجد في العيد مئات المدعوين الذين يرتدي معظمهم الجلابيب الشعبية. ويقام العيد في خيمة كبيرة وسط حقل زراعي، مضاءة بمئات المصابيح، بينما امتدت فوق الرؤوس سحابة بيضاء كبيرة ناتجة عن دخان السجائر والنرجيلة.

بعد منتصف الليل، كانت الموسيقى الصاخبة لا تزال تصدح في المكان الريفي الذي استلزم الوصول إليه عبور أزقة وشوارع ضيقة غير ممهدة، تنتشر فيها منازل صغيرة من طابقين أو ثلاثة على الأكثر.


تمويل شعبي تضامني


وتنتشر في مصر جمعيات بين أشخاص يعرفون بعضهم البعض، يدفع كل منهم مبلغاً محدداً شهرياً، ويحصل على هذه المبالغ شخص واحد منهم كل شهر، وهو شكل من أشكال التضامن الاجتماعي المعروف والمنتشر في مصر منذ عقود.

وغالباً ما يكون الهدف من الجمعية مساعدة الشخص الذي سيحصل على المال على الوفاء بالتزام مهم أو تمويل حاجة ملحة.

إلا أن "جمعيات الأفراح" مختلفة، إذ يشارك فيها أشخاص كثر لا يعرفون بعضهم، والحفلات هي العنصر الرئيسي الذي يجمعهم.

وتحيي الحفلات فرق موسيقية وراقصات ومطربون شعبيون، لجذب أكبر عدد ممكن من المشاركين، وهي مرهونة بإدارة شخص مثل العجمي، يسجل بدقة كم يدفع كل شخص بالضبط، وبالتالي يوجه زبائنه لحفلات مناسبة لما يدفعونه. ويصف المحلل الاقتصادي وائل جمال هذه الجمعيات بأنها إحدى "آليات التمويل الشعبي التضامني".

وهي تقوم في الواقع مقام المصارف في هذه الأوساط الشعبية.

ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية "في كل الدول عندما لا تكون هناك ثقة في نظام المصارف، أو بسبب ارتفاع كلفة الاقتراض، فيلجأ الناس إلى وسائل تضامنية لمساعدة بعضهم البعض على العيش".

وقد يكلف الحفل الواحد 50 ألف جنيه (قرابة 2500 دولار)، لكن صاحب الحفل قد يجني أموالاً تصل أحياناً إلى 200 ألف جنيه (10 آلاف دولار)، بحسب حسن العجمي، الذي شدد على أن "كل شخص يجمع في حدود ما سبق دفعه".

ويشارك الجزار الثلاثيني مجدي رجب في حفل عيد الميلاد، رغم أنه لا يعرف الطفلة أو أيا من أفراد أسرتها. ويقول "جئت لأدفع النقوط. سأظل أدفع لمدة سنة حتى أقيم حفلي وأحصل فلوسي".

ويضيف رجب الذي يستعد لإقامة حفل زفاف قريب له الصيف المقبل أنه سيستثمر أمواله المحصلة في "شراء عربة نقل سوزوكي أو إقامة أي مشروع لتحسين الدخل. موضوع الجمعية يساعد كثيراً في هذه الظروف الصعبة".


الفرحة فرحتان


ودفعت الأزمة الاقتصادية الناجمة عن اضطرابات سياسية وأمنية تشهدها البلاد منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك في 2011، المصريين للبحث عن بدائل لتوفير أي دخل إضافي.

في مدينة شما في محافظة المنوفية (حوالي 70 كلم شمال القاهرة) في دلتا النيل، حيث انتشرت ظاهرة أفراح الجمعيات أخيراً، أقام التاجر وليد أبو سارة حفل زفاف أخيه ليتمكن من جمع أموال دفعها لشهور طويلة فائتة.

على المسرح الخشبي، كان العريس وعروسه يتلقون التهاني من بعض المدعوين، بينما معظم الحاضرين الذين جلسوا أرضاً حول طاولات مذهبة يتناولون الشاي المقدم في أباريق زرقاء والقهوة وبعض المحمصات كالفول السوداني. كذلك تقدم زجاجات البيرة المحلية التي لا يتوقف الطلب عليها دقيقة واحدة.

قبل الحفل، قال أبو سارة بينما كان يشرف بنفسه على إعداد خيمة الحفل "اليوم الفرحة فرحتان. فرح جمعي للفلوس وفرح شقيقي".

وتابع: "هي فرصة جيدة لنساعد بعضنا في الظروف الصعبة التي نمر بها".

وبسبب كثافة الطلب على هذه الحفلات، لم يجد السائق هيثم فواز (27 عاماً) موعداً سوى في سبتمبر/ أيلول المقبل لعقد حفل زفاف ابن شقيقته.

ويقول فواز المنحدر من هذه المدينة، الذي جاء مع ابني شقيقته للاتفاق على حفله "الادخار في الجمعيات أسرع وأفضل من المصارف".