تنبَّأت بقدوم ترامب بدقة مخيفة.. ماذا تعرف عن رواية "The Public Burning"؟

تم النشر: تم التحديث:
TRAMB
سوشيال

اعتبرها أكثر الروايات عمقاً سياسياً في تاريخ الولايات المتحدة، حيث كشفت -بحسب الكاتب والأديب الأميركي توم لوكلير- أن السياسة تعتمد على "الأداء"، وهو ما جعل كاتبها يقدم الأحداث الواقعية في الخمسينيات من القرن الماضي في شكل مسرح يقوده العم سام.

وفي استعراضه لرواية الأديب الأميركي روبرت كوفر المنشورة عام 1977، يستلهم لوكلير روح الغضب لدى كوفر، مؤملاً أن تشعل حماسة أدباء معاصرين ليكتبوا عن الرئيس المنتخب دونالد ترامب كما كتب كوفر عن "نيكسون".

ويختتم المقال المنشور بصحيفة الدايلي بست 7 يناير/ كانون الثاني 2017 بقوله "مع انتخاب ترامب، نحن بحاجة إلى روايةٍ عن إحراق العامة أنفسهم".. فلماذا يطلب الكاتب ذلك.. ربما يحمل نص مقاله الإجابة..


نص المقال


بينما يقترب تنصيب دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة، أصبحتُ أنتظر بالفعل أن ينشر كاتِب سريع وغاضب روايةً تتناول ترامب، فنان الصفقات (في إشارةٍ لكتاب دونالد ترامب: "The Art Of The Deal")". وقبل الانتخابات الرئاسية، عرض الروائي السياسي والمحارب القديم توماس مالون في مجلة "نيويوركر" الأميركية الخطوط العريضة لما قد يضعه في روايةٍ تتناول الحملة الانتخابية، لكن قال إنَّه شعر بالاشمئزاز من كتابتها.

وبالطبع سيمتد هذا الغضب إلى روائيين آخرين ذوي قدرةٍ أكبر على احتمال الحملة الانتخابية القبيحة، والإدارة الأميركية القادمة التي قد تكون أكثر قبحاً، والممتلئة بشخصياتٍ حاقدةٍ لا تعرف شيئاً، واستغلاليين حذرين. وأتمنى أن يُنشَر عملٌ يشبه قصيدة "Dunciad" الهجائية للشاعر الإنكليزي الراحل ألكسندر بوب، فيكون سرديةً ملحميةً، شعراً أو نثراً، تذكر أسماء لأشخاصٍ حقيقيين، مثلما فعل ألكسندر بوب، وتظل خياليةً في الوقت ذاته، كمملكة البلادة التي تحدَّث عنها بوب في قصيدته. لأن لا شيء سوى عملٍ ثاقب الخيال بإمكانه كشف الخرافات الثقافية والنماذج الكامنة فيما نقله الصحفيون عام 2016.

والآن، وبينما ننتظر ظهور عملٍ أدبي يتحدث عن ترامب، وصعوده هو ومن يشبهونه إلى السلطة، وجلبهم الخراب والدمار إلى أميركا، كما حدث في قصيدة ألكسندر بوب، فإننا محظوظون لامتلاك رواية روبرت كوفر "The Public Burning"، وهي روايةٌ موسوعية نُشِرَت عام 1977، وتقتبس كلمات الشاعر ألكسندر بوب: "مذعوراً أقفُ أمام نَصبٍ تذكاري للفجيعة".
فمنذ أواخر ستينيات القرن الماضي وأنا أكتب عن الأدب الأميركي، وأعتقد أن لا رواية أخرى قد تقدّم لنا دليلاً أفضل لفهم انتخاب ترامب من هذه الرواية، حيث يفهم كوفر الغضب.


في عالم كوفر


في عام 2014، نَشر كوفر جزءاً ثانياً لروايته "Origin of the Brunists" من ألف صفحة، وسمَّاه "The Brunist Day of Wrath". وبالتالي سيكون إصدار جزء ثان من رواية "The Public Burning" حدثاً مرحباً به، لكن الرواية الأصلية استغرقت سنواتٍ لكتابتها، وأتى الجزء الثاني لروايته "Origin of the Brunists" بعد 48 عاماً من الأول، كما أن كوفر يبلغ 84 عاماً الآن. ولهذا سنضطر أن نكتفي بالجزء الذي بين أيدينا ونعود مع مخيلة كوفر إلى عام 1953، وتنفيذ أحكام الإعدام بالكهرباء علناً لـ"جواسيس القنبلة الذرية"، إثيل وجوليوس روزنبرغ، في ميدان تايمز سكوير، عاصمة الترفيه في أميركا، في احتفالٍ أداره البطل الخارق المحلّق، ومدير الحلبة، العم سام.

حين أرغب في ترشيح رواية "The Public Burning" لأحد، لا أجد أفضل من سرد الوقائع المحيطة بنشرها. رفض ناشر كوفر الأول إصدار الرواية خوفاً من أن تُعَد تشويهاً يخالف القانون. بينما حاول ناشرٌ آخر التخفيف من حدتها. وكان مقرراً أن تُنشر الرواية تزامناً مع مرور مائتي سنة على إعلان الاستقلال الأميركي، لكن نشرها تأخَّر عاماً كاملاً في دور النشر.

وسرعان ما تلقت الرواية نقداً سلبياً من العديد من النُقاد الذين لم يكونوا قد شهدوا بعد تجاوزات ترامب، وشعروا بالإهانة تجاه تصوير كوفر للزوجين روزنبرغ بصورة ضحايا مطرقة الساحرات، ونائب الرئيس نيكسون في صورة بكّاء متطلع للسلطة، والعم سام في دور رجل استعماري مثلي، بالإضافة إلى التجديد في أسلوب وشكل الرواية.

بُنيت الرواية كسيركٍ تُؤدَّى فيه ثلاثة عروض في الوقت ذاته، إذ جسَّدت ما يصفه الناقد الروسي ميخائيل باختين بالأسلوب الكرنفالي، وهو أسلوب هدمي من السخرية المفرطة تعقّب باختين أصوله إلى عيد الحمقى (وهو عيد كان يحتفل به رجال الدين في أوروبا سابقاً).

وإذا ظن ترامب رقيق الجلد أنَّ ممثلي مسرحية "هاميلتون" الغنائية قد أهانوا نائب الرئيس المنتخب مايك بينس، سيصاب الرئيس المُحب لتويتر بسكتةٍ إذا رأى كيف يسخر كوفر من نيكسون، الذي كان نائب الرئيس آنذاك. وإذا كان ترامب، المصاب بجنون الارتياب، والذي يهاجم حلقات برنامج "ساترداي نايت لايف" المنقَّحة، ضمن الحمقى في رواية "The Public Burningّ"، كان ليشنّ هجوماً قانونياً ضد كوفر وناشره، وكان سيستخدم الرواية كدليلٍ يدعم رغبته في تعزيز القوانين المضادة للتشهير، وإضعاف حرية الرأي.


تحطيم القواعد


تتعمد رواية "The Public Burningّ" انتهاك قواعد الذوق الجيد في الأدب التقليدي، لكنها تظل روايةً تاريخية ذات نزعة فنية استثنائية. أُجريت أبحاثٌ دقيقة حول حياة نيكسون والزوجين روزنبرغ لكتابة الرواية، بينما التُقطَت الشخصيات السياسية الأقل شأناً من الصُحف والسجلات العامة لذلك الوقت.

عرف كوفر أنَّ القرّاء والنقاد على حد سواء سيعارضون سرديته الخيالية لإعدام الزوجين روزنبرغ، ولهذا بذل قصارى جهده لكي يكون الجزء الواقعي من الواقعية السحرية في روايته لا غبار عليه، لينتج عملاً وثائقي الطابع وشديد الواقعية. وحتى الجانب الخيالي من الرواية، المتجسّد في شخصية العم سام، يلخّص التاريخ الأميركي وانحرافه عن مساره.

قال كوفر إنَّه أراد أن تبدو الرواية "كما لو كانت قد كُتِبَت من قبل الأمة بأكملها عبر تاريخها"، لهذا يتفوه العم سام المتبجّح بأقوالٍ مختلفة من مصادر متنوعة من الثقافة الأميركية الدارجة. وبسبب هذا التنوع الموسوعي، وعرضه لوجهات نظر متغيِّرة، وإدراجه لفصول نثرية مع مقدماتٍ شعرية، تبدو رواية "The Public Burningّ" للوهلة الأولى فوضويةً، كحشدٍ خرج عن السيطرة، وتلتهب بشغفٍ قاتل. لكن الرواية في الحقيقة مرتَّبةٌ بعناية، مثلها مثل السيرك ذي العروض الثلاثة.

فمن بين الفوضى، تظهر أنماطٌ من ازدواج الشخصيات، وخيوطٌ متشابكة من المجاز. وتمتزج الكوميديا بالمأساة، بينما تضيق حبكة الرواية وتتجه إلى العبث. أردت بقول كل هذا أن أوضح أن رواية "The Public Burning" ستكافئ قارئها بطريقتها الخاصة، وبطريقةٍ غير كونها تتوقع وتكشف عالم دونالد ترامب.

درس كوفر الأنثروبولوجيا في الجامعة، وكان أثر هذه الدراسة هو ما مكّن كوفر من الغوص في علم النفس، والمجتمع، والاقتصاد، والنظرية السياسية التقليدية، ليكشف الهيكل الخفي للحياة السياسية في أميركا.


الأداء والاستعراض.. والقوة


في كتاب "نيغارا"، للباحث كليفورد غيرتز، وهو دراسةٌ عن حضارة بالي في القرن التاسع عشر، وجد غيرتز، وهذا تبسيطٌ للأمر، أن السلطة والقوة تأتيان من الأداء والاستعراض، وتصبحان أكبر كلما كان الأداء أكثر عظمة، وذلك على عكس المفاهيم الغربية عن القوة والقيادة. وصف غيرتز المشهد السياسي في بالي بـ"الدولة المسرحية". يحمل كوفر هذا التفسير، ويُصوِّر به سياسة الخمسينيات. ولطالما ارتبطت السياسة بالأداء، ولو جزئياً على الأقل، مثل جذب المرشحين للحشود، وأدرك كوفر هذا عندما جعل نيسكون يقول: "هذا الجيل يبحث عن الترفيه". تُضحِّي أميركا في رواية كوفر بالأخلاق الشخصية، والسياسات، والقوانين، وقواعد السلوكيات، وأداء الواجبات، في سبيل الترفيه، وذلك قبل عشرات السنوات من ظهور تلفزيون الواقع، وفيديوهات القطط على الإنترنت.

يلعب نيكسون دور النسخة الواقعية من الشخص الاستعراضي، دور المهرج في سيرك كوفر، والقادر على عرض توسلاتٍ مثيرة للشفقة للبعض، ومقالب مضحكة لآخرين في ذات الوقت. وفي عام 2017، لن تكون شخصية نيكسون، المعدّة بعناية في الرواية، مفاجِئةً مثلما كانت في سبعينيات القرن الماضي، لكن عرض الرواية للرجل الذي صنع نفسه بنفسه (من أجل الآخرين) يظل شيئاً ملحوظاً، بفضل الطريقة التي رَبط بها كوفر التفاصيل السيكولوجية بالقوى الاجتماعية والأنثروبولوجية المحركة للأمور.

يُعَد نيكسون نموذجاً للرجل الديمقراطي "المتحرر" من القيود التي يفرضها وجود هوية موروثة وجذرية. كونه لا يمتلك مشاعر خاصة به، يستجدي نيكسون مباركة، واحترام، واحتفاء الآخرين، خالقاً في المقابل هويةً استعراضية خارجية. نيكسون، في الرواية، مخادع، ومبهرج، وخادم لذاته، ويرثي نفسه، ودائماً واعٍ لوجود "جمهور"، حتى عندما يكون وحده.

يلعب دور نيكسون، الذي عمل بالسياسة طوال حياته في الرواية، الآن دونالد ترامب، مطوِّر العقارات المتعطش للاهتمام، والذي رفع ذاته من مجرد اسم في صحف الفضائح وضيفٍ في برنامج هاورد ستيرن، إلى رجل أعمال فاشل ومؤمن بنظرية المؤامرة، ثم إلى استعراضي ناجح ومرشح سياسي يروِّج للكراهية.

في بداية حياته المهنية، كان ترامب مستعداً للعب دور المهرج في مقابل الدعاية، بوضع اسمه على كل مبانيه الضخمة. وعندما شاركتُ في التظاهر أمام برج ترامب، كنت أقول لمن بدا بوضوح أنهم مؤيدون لترامب إنَّ البرج ليس ما أحتجّ عليه. وعندما سألوني: "على ماذا تعترض إذن؟" قلت لهم: "البرج مجرد واجهة، مثل ترامب".

نحن نعرف كل هذا عن ترامب الآن، ويُحتمل أننا عرفناه لعشرات السنوات عندما كنا لا نأخذه على محمل الجد. ما أدركه كوفر هو أن هذا الأداء متأصل في الثقافة الأميركية منذ 70 عاماً، وقبل وقتٍ طويل مما نعرفه الآن باسم "دولة الترفيه"، قبل أن يصبح الفنان على اتصال بجمهوره 24 ساعة يومياً عبر حسابه على موقع تويتر.

يحاول نيكسون في رواية كوفر الهروب من دوره كمهرج، لكنه يجعل من نفسه أضحوكةً أكبر بتبنِّي دورٍ لا يناسبه مستوحى من الأفلام: المنقذ البطولي لمرأةٍ في خطر، وهي إثيل روزنبرغ.

وبرغم تعرّضه للإذلال في ميدان تايمز سكوير، مثلما أحرج أوباما دونالد ترامب بشأن حملته المشككة في جنسية أوباما الأميركية، في النهاية يتقبَّل العم سام نيكسون، الرجل المحتاج فاقد الهوية، كرئيسٍ مستقبلي. إنّها قصة نجاح ترامب، وهي قصةٌ اعتمدت على أساليب نيكسون في حملتها الانتخابية.


ترامب والأصول الدينية للسياسة الأميركية


تعود السياسة الأميركية والعالمية المعروضة في رواية "The Public Burningّ" لأصولٍ دينية، ومانوية (المانوية هي مذهب يقول بمبدأ النور والظلمة، أو الحق في مقابل الباطل، وهي إشارةٌ إلى صراع أطفال النور الأميركيين ضد قوى الظلام الشيوعية)، كما أنها مفعمةٌ بجنون العظمة، وهو ما يتمثل في خوف الأميركيين من حدوث هجومٍ ذري يشنّه الروس الذين أُدين الزوجان روزنبرغ بالتخابر معهم.

وكما لو كان يحاول تطبيق هذا الجزء من المقال، كتب ترامب مؤخراً تغريدةً تفيد بأن سباقاً للأسلحة النووية قد بدأ، لأنه يخشى أن أميركا تأخرت عن الروس. يُعطي العم سام في الرواية، وهو يجسّد قوة أميركا الاستعمارية، تعليماتٍ لنيكسون عن الاستخدامات السياسية للخوف، وعن براغماتية التضحية بالآخرين. وتنطبق مواصفات الضحايا على الزوجين روزنبرغ، اليهوديين المقيمين في نيويورك، كما انطبقت مواصفات كبش الفداء بالنسبة لترامب على المهاجرين، والمسلمين، و"النخبة" العالمية، عندما أطلق حملته الانتخابية في "قلب أميركا"، أميركا "الحقيقية" وسكانها من المسيحيين البيض غير المتعلّمين.

وفي رواية كوفر، يبدو إغواء تقديم الأداء في أميركا شديداً، لدرجة تجعل الزوجين روزنبرغ يقبلان بأداء دور الضحية. وبعد إدانتهما، يتخليان عن خواصهما الإنسانية، ليصبحا رمزين مجردين للظلم. قد يحاول الأميركيون الذين يراهم ترامب أعداءً للوطن محاربة الدور المفروض عليهم، لكنه يتحكم كلياً في المسرح: وسائل الإعلام المرئية، حيث يتم ترسيخ السلطة، وتكرارها على مسامع الجمهور حتى يعتادها، وحمايتها.

ومثل أي ليبرالي صالح، احترم الزوجان روزنبرغ القانون، وتوقعا أن تحميهما المحاكم، لكن المحاكم لم تكن نداً أمام موجة الهستيريا التي حركها العم سام لترفيه وتوجيه الشعب الأميركي، الذي يُلمِّح كوفر في روايته إلى أنّه أراد إجراء طقوس تضحية شبيهة بتلك التي تجريها الحضارات "البدائية"، لتحمي نفسها من الحضارة ومن الآلهة. تسيطر الرجعية على عالم رواية كوفر، مثل سيطرتها على التجمعات السياسية لحملة ترامب الانتخابية، التي ترفع شعار "لنجعل أميركا عظيمة مرةً أخرى".

تتجلى نبوءة كوفر الأكثر إدهاشاً بقدوم ترامب وجمهوره في "إله" رواية "The Public Burningّ"، العم سام.

بُنيَت شخصية العم سام جزئياً على سام سليك، البائع الأميركي، ويدّعي العم سام أنَّه رجلٌ شعبوي قوي يدافع عن المسيحية الأميركية، ويحمي المستضعفين من الشرور الداخلية والأجنبية. لكن العم سام، في الحقيقة، "بائعٌ فاسد، ونصّاب معسول الكلام"، ومتحوّل الشكل واللون، يمثّل الجوهر البذيء للأداء والترفيه، ويتحكم بالشخصيات والأحداث لضمان دوام قدرته على التحكم بالشخصيات والأحداث.

يُقرِّر سام نقل موقع تنفيذ حكم الإعدام من سجن سينغ سينغ إلى ميدان تايمز سكوير، حيث يجمع القائمين على الترفيه، والمسؤولين، والمشاهير، لإقامة احتفال سيجمع بين الأميركيين برباطٍ من الكراهية والثأر، في مهرجانٍ يحمل نفس مشاعر العنف والشر المتطرف التي ظهرت في تجمعات حملة ترامب.

ومثل ترامب، كان سام بذيئاً دائماً في أقواله وأفعاله. إذ كان يتحدث بجملٍ، وشعارات، وعباراتٍ مبتذلة قالها آخرون، ورسائل سياسية مُوجَّهة تعود لقرونٍ مضت من الشوفينية، والعنصرية، وكراهية النساء.

ومثل ترامب أيضاً، لا يملك سام أي احترام للحقائق: إذ يقول لنيكسون إنَّ التاريخ "هو هراءٌ بشكلٍ أو آخر، مثلما كان هنري فورد يحب أن يقول، كالذهب الذي تركض وراءه الأمة منذ حمى الذهب ببراءة وحكمة الجراء الصغيرة. تحريفٌ وعبث مميت بالحقائق! مظاهر يا صغيري، مظاهر! تكمن السياسة العملية في تجاهل الحقائق! في نهاية الأمر الآراء تحكم العالم وليس الحقائق".

لا يرى العم سام نفعاً للتاريخ، لكن أميركا التي يعرضها كوفر على لسان العم سام توضح لنا أن العداوات والعنف الذي يثيره العم سام ليس شيئاً جديداً في عام 1953، بل هي ملامح قديمة للثقافة الأميركية. في خيال كوفر، جميع رؤساء الولايات المتحدة هم "تجسيد" للعم سام. ويُعتبر دونالد ترامب أحدثهم، لكنه ليس الأول.

لم يكن العمّ سام الشعبوي العاميّ في رواية كوفر مجرد رجل على ملصقات التجنيد العسكري، بل كان بطلاً خارقاً مفتول العضلات ومثلياً، طريقته في تنصيب الرؤساء المستقبليين هي ممارسة الجنس معهم بالإكراه، كما يفعل مع نيسكون في الرواية. وعندما يحرقون إثيل، ويتخبط جسدها في الهواء، يمتلئ وصف مشهد موتها بساديةٍ كارهة للنساء، وتُشبَع رغبات الحشد بالإحراق الشهواني الذي حرّض عليه العم سام. يقضي الزوجان روزنبرغ معظم أحداث الرواية في السجن، والذي يعبر عن أميركا حينما تكون السلطة فيها رجلاً متنمراً يغتصب الشعب، وهي صورة فاضحة قد لا تكون مستعداً لربطها بترامب بعد، حتى وإن كان قد صرّح بفخرٍ أنّه يتحرش جنسياً بالنساء وقتما يحب، وأنَّه يتمتع بقوةٍ جنسية كبيرة.

ومثل سام المنافق، زعم ترامب أنّه التجسّد المنقذ للسلطة الأبوية القديمة، الشخصية، والوطنية، والدينية. وربما كانت تلك الأخيرة، السلطة الدينية، خدعة ترامب العظمى، التي استمال بها الناخبين الإنجيليين مثلما أثارت قرابين سام المحترقة حماس المتدينين في ميدان تايمز سكوير عندما صُلب الزوجان روزنبرغ، اليهوديان مثل يسوع، كهربائياً، واغتُصبا رمزياً من أجل خطايا الأمة.


آثار الاغتراب


بدأت رواية "The Public Burning" كمسرحيةٍ هزلية، وعلى مدار السنوات أصبحت مثالاً رائعاً على "المسرح الملحمي" للشاعر الألماني برتولت بريشت، الذي استخدم "آثار الاغتراب" لمنع الجمهور من التضامن العاطفي القوي مع الشخصيات على المسرح، وإجباره على التفكير في النظم السياسية، والاجتماعية، والتاريخية التي عاشت في ظلها الشخصيات.

ويمكن أن تتسبَّب أدوات الاغتراب التي استخدمها كوفر في إرباك القارئ، إذ تتطلب من القارئ الشعور أحياناً، والتفكير أحياناً، ولذلك أضاف كوفر شخصيةً تقدِّم، كما أعتقد، التأثيرات التي يرغب في إيصالها إلى قرَّائه. تترنَّح هذه الشخصية، التي لم تُسمَّ في الرواية، خارجةً من "منزل الشمع"، وهو فيلم ثلاثي الأبعاد يُعرَض في مدينة نيويورك وقت تنفيذ الإعدامات. ومع استمرار ارتداء الشخصية نظَّارتها المضلِّلة ثلاثية الأبعاد، واجتيازها ميدان "تايمز سكوير" على نحوٍ غريب، يفهم بعض المراسم التي تجري، لكنَّه كذلك ينتحب قائلًا: "احذروا الفنان المجنون".

وكوفر فنان مضطرب، يجعل قرَّاءه يشعرون بالاغتراب من خلال ما يبدو أنَّها تجاوزاتٍ مجنونة، من أجل كشف الدوافع النفسية والأولية التي تؤدي إلى الإحراق في الرواية وفي أميركا، الآن وفي الماضي، كرغبة الحشد الوطني المتّقِدة في الثأر من "الآخرين"، ورغبة السياسيين المحتدمة في التلاعب بشغف الحشود الأهوج، واشتعال حربٍ نووية قد تضع نهايةً للمشاعر التي يحركها الأداء.

تتحدث شخصيةٌ أخرى، قد تكون هي الشبح الشرير نفسه، باسم العقلانيين، والواقعيين، والكثير من النقاد، وتقول: "الحياة دائماً جديدة ومتغيرة، إذن لماذا نفسد كل شيء بهذا الهراء عن أكباش الفداء، والقرابين، ومراسم الافتتاح، والاحتفالات". لكن تلك بالذات هي العناصر التي تحيط بإنجاز كوفر في روايته، والتي تحدد الأشباح المهجورة في ماكينة الدين المدني الأميركي، والتي استدعاها ترامب من بين طيات اللحم المتعرّق لناخبيه.

وبينما كان الديمقراطيون يسخرون عبر حواسيبهم من تجمعات حملته الانتخابية، علم ترامب، من وحي نرجسيته الخاصة، ما علمه العمّ سام: أن الأشخاص المحشورين سوياً لا يترددون في التخلِّي عن النسخ الفضلى من ذواتهم في مقابل الحماقة الشغوفة ( كلماتٌ مقتبسة من الرواية).

بغض النظر عن مدى "غضب" كوفر من التلاعب بالعامة والهستيريا الجمعية، يبقى هو "الفنان" الذي يقوم بكلٍ من الأداء وتفكيكه. وقد أدرك أنَّه "عُرِف عن الفتن أنَّها تدمر الكهنة الذين يفتعلونها"، إذ دُمِّرت الشخصيات الاستعراضية في عديدٍ من قصصه القصيرة، ومع ذلك كان راغباً في أن يخاطر بتحمُّل النقد الشديد الذي تلقَّاه من أجل أن يمنح أميركا ما كان يرى أنَّه روايتها السياسية الأعمق، الرواية التي تحلِّل بشكلٍ دقيقٍ فترة الخمسينيات، وتمتد بأفكارها لتحلل عام 2016 وما بعده، من خلال بصيرتها الأنثروبولوجية، وتفصيلها الإثنوغرافي (العِرقي).

ويضيف كوفر مشهداً بالرواية يتأمل فيه آرثر ميلر، الكاتب والمسرحي الأميركي، وهو جالسٌ في مسرحٍ تُعرَض فيه مسرحيته "The Crucible"، يتأمل في أنَّ "الفن ليس فتَّاكاً كما يبدو". ورغم ذلك يكاد الهجوم والنقد الشديد الذي تقدمه رواية "The Public Burning" أن يكون فناً "مميتاً"، إذ يبذل كوفر أقصى جهده من أجل القضاء على أساطير الاستثنائية الأميركية الأخلاقية، والصنيع الإلهي الذي تقوم به أميركا، من خلال إثبات الجانب المُنتَهَك من الأمور المُقدَّسة التي كثيراً ما يتذرَّع بها الساسة الديماغوغيون.

لقد صَوَّرت هنا فقط الإنجاز العميق والواسع لرواية "The Public Burning". إذا كنت ترغب في معرفة المزيد، فأنا كنتُ واحداً من عددٍ قليل من المراجعين الذين أثنوا عليها (في مجلة "ذا نيو ريببلك"، إذا كان لا يزال لديك بعض من أعدادها من عام 1977)، وكتبتُ عن ذلك بالتفصيل في كتابي "The Art of Excess".

ونظراً للمساحة المحدودة هنا، فقد تعرَّضتُ سريعاً أيضاً لأكثر الطرق وضوحاً التي يتنبأ بها خيال كوفر بعالم الواقع. إذا كنت تتبعت مشوار صعود ترامب بما فيه من فضائح، واحتيال، ووحشية، وهزلٍ ماجن؛ سوف تجد العشرات من التفاصيل المسلية والمفيدة في رواية "The Public Burning"، التي تثبت سبق الإدراك عند كوفر، وتعطيك عدسةً تاريخية يمكنك من خلالها رؤية الصبي الجديد للعم سام في منصبه، والذي بدا في اليوم الذي زار فيه الرئيس أوباما كما لو أن العم سام قد مارس معه الشذوذ كعادته عند تنصيبه للرؤساء.

لم أكتب هذا المقال لقرّاء الأدب والخيال فقط، ولكني كتبته أيضاً لكُتاب الخيال، ولا سيما الشباب منهم الذين لم يصادفوا رواية "The Public Burning". وآمل أن الروائيين الأميركيين سوف يُلهمهم غضب كوفر وشجاعته، وانتباهه إلى أعمق بُنى الحياة العامة، والأساليب المبتكرة التي يستخدمها لتخطي الروايات السياسية التقليدية.

هاجم ترامب باستمرار الصحفيين، الذين يكشفون النقاب عن الكثير من الحقائق الواردة في رواية "The Public Burning". وهاجم أيضاً فنانين دراميين على شاكلة كوفر، يسخرون من التزييف والجهل. ولهذا فنحن بحاجة إلى روائيين يدافعون عن جامعي الحقائق، وعن الفنانين، ويهاجمون بقصصهم البطولية القصص المتشعبة للتيار الترامبوي (أولئك المتبنين لاتجاهات ترامب).

ونظراً لأنه يمكن إثارة استياء وسخط ترامب بسهولة، فإن ملحمة من السخرية مثل رواية "The Public Burning" قد تغويه لكتابة بعض التغريدات الغبية، ولن يمكنه حتى تأليف الأكاذيب لتفادي وطأتها. ولكن حتى إن لم تستطع رواية ملحمية ساخرة الإطاحة برئيس، وإن لم تستطع أن تكون أداة "فتَّاكة"، فإنه يمكنها أن تحشد معارضي زعيم الدَّهْماء، وأن تصبح نصاً للمقاومة، كما كان الحال بالنسبة لرواية "Catch-22" للكاتب الأميركي جوزيف هيلر أيام حرب فيتنام.

توجد في رواية "The Public Burning" جميع أساليب الحرق. ما لم أجده كان معنى كلمة "مَحْرُوق"، كما هو الحال مع كلمتي "مُضلَّل" أو "مخدوع". ولعل هذه الكلمة واضحة لدرجة أنه لا تلزم الإشارة إليها في ثقافة يحكمها الأداء، ومع ذلك، لا تزال هي آخر كلمة لي هنا. مع انتخاب ترامب، نحن بحاجة إلى روايةٍ عن إحراق العامة أنفسهم.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.