غيرت رسالتها للدكتوراه ببريطانيا من أجلهم.. كيف ساعدت امرأةٌ سورية أطفال بلدها في التخلص من آثار الحرب؟

تم النشر: تم التحديث:
S
س

ضحكت فاطمة؛ السيدة بشوشة الوجه، التي كانت ترتدي سترة رمادية لامعة، وحجاباً ملفوفاً بإحكام يبرز وجهها الباسم المستدير، وهي ترحِّب بي داخل منزلها في مدينة مانشستر، وتقودني إلى غرفة المعيشة المُرتبة التي تبعث على الراحة، رغم أنهم انتقلوا إلى هذا البيت منذ أسبوعين فقط.

قدمت لي المكسرات والبسكويت، قبل أن تنقلب ملامح وجهها ويتغير أسلوبها. اعتدلت في كرسيها، واختفت ابتسامتها. ونظرت إلى الأرض. وبدأت الحديث عن حياتها في سوريا.

تقول فاطمة، بحسب ما ذكر تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية: "استمررنا في التنقل من مكانٍ إلى مكان، في محاولةٍ للعثور على بقعةٍ آمنة. لكن في كل مرةٍ كانت تُفاجِئنا القنابل بنفس الكمية وعلى نفس القدر من السوء". وأضافت أنهم في النهاية أصبحوا شبه فاقدي الوعي، يعيشون فقط لأنهم لم يموتوا بعد.


"نسينا كل شيء"


تابعت حديثها قائلةً: "لقد نسينا كل شيء. نسينا حتى أطفالنا. كل ما استطعنا أن نفكر فيه هو أننا لا نريد أن نموت. لن أنسى أبداً الغارات الجوية. كان الأطفال يرتعدون خوفاً من الأهوال التي رأوها بأعينهم.. جثة جدهم بعد تعذيبه حتى الموت.. واختطاف عمّهم ووجهه مغطى بقميصه (ولم يره أحد منذ حينها). وانفجار المنزل بعد ضربه بأحد البراميل المتفجرة.. لقد نجونا من الانفجار، لكن جارتنا وطفلها قُتلوا يومها".

ابنة فاطمة أصبحت مثقلةً بالخوف، وتحول ابنها إلى شبحٍ بالكاد يشبه ما كان عليه في السابق. لذلك، بعد وصولهم إلى مدينة مانشستر منذ عامين؛ عندما طُلب منها المشاركة في برنامجٍ تربوي لمساعدة الأطفال السوريين الذين لا زالت أسرهم تعيش في مناطق الصراع والمخيمات؛ سارعت لاستغلال الفرصة دون تفكير. وتقول فاطمة: "كان التوقيت مثالياً. لقد أصبحنا أخيراً نعيش في أمان، وبإمكاننا الآن التركيز على الأطفال".

لكن هل كانت النصائح التربوية لتفيدها خلال الأيام المظلمة في سوريا؟ أجابت فاطمة دون تردد: "نعم. إذا ما ذكرني أحدهم بما يتعين عليّ فعله، أو تم تعليمي كيفية تقديم المساعدة؛ لكنت استفدت من تلك النصائح بكل تأكيد".

المرأة التي تقف وراء هذا المشروع هي آلاء الخاني. تجلس آلاء معنا لتترجم كلمات فاطمة العربية. آلاء هي أمٌ لطفلين ومدربة تربوية، وقد بدأت التحضير لدرجة الدكتوراه في الفلسفة بجامعة مانشستر بعد بداية الأزمة السورية. والدا آلاء سوريان في الأساس؛ ورغم أنها وُلدت وترعرعت في المملكة المتحدة لازال بعض أفراد أسرتها يعيشون في سوريا.

زوجها عمار جراحٌ من أصلٍ سوري أيضاً، يعمل بهيئة الخدمات الصحية الوطنية، وكان منذ وقتٍ قريب يُسافر بانتظامٍ إلى سوريا مع المنظمات الإنسانية مثل مؤسسة ديفيد نوت؛ قبل أن يعود مصدوماً مما شاهده حاملاً قصصاً وصوراً فوتوغرافية كثيرة.

تقول آلاء: "كان يحمل صورةً لطفلٍ صغير يبدو عليه الحزن الشديد. قُتِلَ والده. وأصبحت والدته تعتني بطفليها ووالديها المسنين وحدها. وكان زوجي وزملاؤه يقيمون في الطابق السفلي من المبنى. وفي يومٍ من الأيام سمعوا صراخاً، فاندفعوا خارجاً بسرعة. كانت الأم قد استقلت سيارة أجرة لتذهب لشراء الخبز، وتعرضت لإطلاق نار بواسطة أحد القناصة. لم يتمكنوا من إنقاذها.. قضيت أياماً أفكر في ذلك الطفل الصغير. كان الممكن أن يكون ابني، أو ابنك".

عادةً ما تركز المساعدات المقدمة لسوريا ومخيمات اللاجئين على الاحتياجات الأساسية: الغذاء والمأوى والمستلزمات الطبية. لكن بمشاهدتها لأهوال الحرب في سوريا ليلةً بعد ليلة على شاشات التلفاز؛ لم تستطع آلاء التفكير سوى بالأطفال. كيف كان طفلاها سيتغيران في إذا عايشا مثل تلك التجارب والظروف الصعبة؟ وكيف كانت هي ستتعامل مع الوضع في حال شاهدوا مثل تلك الأهوال؟

تقول آلاء إن الصحة النفسية لها نفس أهمية الصحة الجسدية، وتؤكد الأبحاث أن الدعم الأسري له تأثيرٌ نفسي كبير على سلامة الأبناء. واكتشفت دراسةٌ أن جودة العلاقة الأسرية تُعد مؤشراً أفضل على صحة الأطفال النفسية، أكثر من التجارب التي مرّوا بها في زمن الحرب.

وترى آلاء أنه إذا كانت الرعاية والتربية الآمنة والحنونة تُوفران الحماية بهذه القوة للأطفال، فإن المساعدة على توفيرها لابد أن تُقدم لأولئك الذين هم في أشد الحاجة لها.


تغيير رسالة الدكتوراه


غيرت آلاء موضوع رسالة الدكتوراه الخاصة بها لاكتشاف سبل دعم الأسر والأطفال في مناطق الحرب ومخيمات اللاجئين المجاورة، وسافرت إلى سوريا وتركيا للحديث مع الآباء اللاجئين، وقالت عن ذلك: "كل الآباء الذين قابلتهم كانوا يعانون من التغيرات العاطفية والسلوكية لدى أطفالهم. وقد حاول بعضهم استشارة الأطباء، والمدرسين، والمنظمات الأهلية، لكن بعضهم كان منهمكاً للغاية في دوره الأساسي، والبعض الآخر لم يكن يمتلك الخبرات اللازمة لتقديم المساعدة".

في المملكة المتحدة عملت آلاء مع راشيل كالام، أستاذة علم نفس الطفل والأسرة بجامعة مانشستر، وكيم كارترايت، أخصائية نفسية، من أجل تصميم منشور يشرح للوالدين أن أعراض التبول اللاإرادي، والكوابيس، والانسحاب، والعدوانية، هي ردود فعل طبيعية للصدمات النفسية في مرحلة الطفولة، كما يقدم المنشور نصائح تذكيرية واقتراحات للوالدين من أجل العناية بأنفسهم وأطفالهم.

تقول آلاء: "عندما يتركز اهتمامك على النجاة بحياتك، ستنسى تقديم الثناء لأطفالك، واللعب معهم، وعناقهم، والتحدث إليهم". وبعد حديثها مع آلاء، عادت إحدى الأمهات لتخبرها بأنها توجهت إلى خيمتها لتقرأ لطفلها قصةً قبل النوم لأول مرةٍ منذ وصولهم إلى المخيم.

ولاختبار فاعلية المنشور؛ قامت آلاء وزملاؤها بتقديم المنشور لمجموعةٍ من الآباء والأمهات اللاجئين الذين وصلوا لتوّهم إلى مدينة مانشستر، ومنهم فاطمة. قرأ الآباء المنشور وأثنوا على ما ورد فيه، ولكن كيف سيتم توزيعه دون ميزانية على آلاف الأسر في بيئةٍ فوضوية؟ وجاءت الإجابة على لسان أحد العاملين بالمنظمات الأهلية: هذه "الإسعافات الأولية النفسية" يجب أن يتم تسليمها للاجئين مع الخبز. ورقتان (المنشور واستمارة ملاحظات) وقلم سيتم إرفاقها مع أرغفة الخبز وتسليمها للأسر ومقدمي الرعاية في شمال سوريا. واستجاب 60% من الأسر لمحتوى المنشور، وهو رقمٌ كبير، خاصةً عندما نتحدث عن مناطق الصراع.

تتذكر آلاء سعادتها بفتح استمارات الملاحظات. أكثر من 80% من الأسر النازحة التي استجابت قالوا إن المنشور كان مفيداً، وأضافت 400 أسرة تعليقاتها. جاءت معظم الملاحظات عن المنشور إيجابية، بعضها كان دعواتٍ بتحسن الأحوال، والبعض طلب مزيداً من المعلومات خاصةً عن الشعور بالفقدان والأرق. يبدو أن المنشور قد أصاب وتراً حساساً.

لذلك قرر فريق مانشستر وضع المنشور على الإنترنت (باللغتين العربية والإنكليزية) ليكون متاحاً للجميع استخدامه وتوزيعه، بالإضافة إلى نسخةٍ (بلغاتٍ مختلفة) تم تعديلها من أجل اللاجئين الذين وصلوا إلى أوروبا. وعندما وُضِعَت نسخةٌ باللغة السويدية على موقع الصحة السويدي، تم تحميله 343 مرة في أول 45 دقيقة، وهو أكبر تفاعل على الموقع الإلكتروني منذ افتتاحه. وتم ترجمة المنشور مؤخراً للغتين الأوردية والبشتوية، ومن المنتظر توزيعه قريباً مع الصحف في باكستان، على أمل أن يصل المنشور لأكثر من مليون أسرة.

ولتحقيق طلبات اللاجئين السوريين الذين يريدون المزيد من المعلومات، ستتم تجربة نموذج أولي لكتيبٍ موسع، وندوةٍ لمدة ساعتين مع اللاجئين السوريين في أوروبا هذا العام. كما يعمل فريق مانشستر حالياً على برنامجٍ جديد يستند إلى الشهادات الخاصة بالأطفال الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمات.

أما تقنيات التعافي، التي أنتجتها مؤسسة "الأطفال والحرب" النرويجية-البريطانية الخيرية، فقد بدأت تؤتي ثمارها بنجاح مع الأطفال الذين يعانون من الصدمات؛ بدايةً من مناطق الحرب، وحتى كارثة عبَّارة زيبروغ (التي غرقت عام 1987 وراح ضحيتها 193 من الركاب وطاقم العبَّارة).


دورة للأطفال ومقدمي الرعاية


وقامت آلاء وفريقها بعمل دورةٍ مدتها خمسة أسابيع للأطفال ومقدمي الرعاية، وقدمت الدورة بنجاح داخل مدرسةٍ للأطفال اللاجئين في تركيا. وحضرت الـ13 أسرة المؤهلة جميع جلسات الدورة، وأظهرت النتائج تحسناً كبيراً في سلوك الأطفال وصحتهم النفسية.

تقول آلاء: "نعمل الآن على تطوير مقاطع فيديو، وبرامج تدريب عبر سكايب، ستسمح لنا بالوصول إلى المزيد من الأسر في المناطق التي لا يمكننا زيارتها".

وتوضح أن الهدف الرئيسي لهذه الجهود هو مساعدة الأسر، لكنها في الوقت نفسه تصبّ في مصلحة الدول المضيفة. فدون تقديم المساعدة، سيتحول الأطفال ذوو الاضطرابات النفسية إلى بالغين يعانون من العديد من المشاكل.

كانت فاطمة تشعر بالسعادة ونحن ننتظر أطفالها أمام المدرسة. خالد، ذا الـ10 أعوام، ومريم، ذات الـ9 أعوام، كانا يركضان ويقفزان في كل مكان. لقد أعجبتهم المدرسة، وتمكنوا من تكوين صداقاتٍ عديدة. يتسم خالد بالهدوء والوقار، بينما مريم أكثر مرحاً، وتتحدث بخليطٍ من اللغتين العربية والإنكليزية.

وفي منزل العائلة، طلبت من الطفلين أن يخبراني ما الذي يتذكرانه عن سوريا. ادَّعى خالد أنه لا يتذكر اعتياده على التعرف على أنواع التهديدات القادمة من السماء بمجرد سماع صوتها.

بينما أشارت مريم مباشرةً إلى ندبةٍ بطول ذراعها، وحكت لي بترددٍ عن السيارة التي صدمتها أثناء الفوضى التي أعقبت إحدى الغارات الجوية، وكادت تودي بحياتها. ذكرت أيضاً عمتها الميتة، وخطورة الخروج من المنزل، وخلافاً عائلياً بسيط تسبب في توترها بشدة.

وفجأة، وضعت يديها الصغيرتين على وجهها، وتجمدت للحظة، قبل أن تنفجر في البكاء. عانقتها آلاء، بينما علقت والدتها ببساطة: "لقد تذكرت شيئاً ما".

وبعودة الطفلين إلى الضحك مرةً أخرى، بدأنا في تناول تشكيلةٍ مختارةٍ من الخبز السوري. تشعر فاطمة بالسعادة لقدرتها على تقديم العون لآلاء في عملها، فهي ترى أن تقديم النصائح التربوية، سواءً داخل لفافة خبز أو بأي وسيلةٍ أخرى، كان سيجعل الأيام أقل ترويعاً لها ولأسرتها. وتقول فاطمة: "كان من الممكن أن تغير هذه النصائح من تعاملي معهم، كُنا بحاجةٍ إلى ذلك. لقد بدأ الأطفال في التعافي الآن. أصبحت لدينا حياةٌ مرةً أخرى، حياةٌ حقيقية".

تم تغيير بعض الأسماء الواردة في المقال.

يمكنكم الاطلاع على النشرة والمزيد من المعلومات عن عمل فريق مانشستر على الرابط التالي: http://research.bmh.manchester.ac.uk/pfrg/resources

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.