من لاجئين إلى مبرمجين موهوبين.. تدريب لسوريين وعراقيين على برمجة الكمبيوتر ووظائف عمل تنتظرهم

تم النشر: تم التحديث:
1
vocativ

يبدأ يوم شادي عبد الله خالد بعد انتهاء صف برمجة الكمبيوتر الذي يحضره. إذ ينتقل ابن الـ36 عاماً من معمل الكمبيوتر الواقع في ضواحي أربيل، إلى مستودعٍ في الطرف الآخر من المدينة، ليبدأ عمله المسائي كحارس أمن.

بالنسبة للاجئ سوري في العراق؛ تبدو الدراسة من أجل الحصول على شهادةٍ في البرمجة والعمل لإعالة أسرته في نفس الوقت أمراً صعباً. ويقول شادي أنَّه لا يتمكن من العودة إلى منزله في المخيم الذي تقيم فيه أسرته إلا لبضع ساعات فقط كل أسبوع، ولكنه يحافظ على إصراره في الوقت نفسه قائلاً: "أعتقد أن دراستي للبرمجة سوف تساعدني في الحصول على وظيفةٍ أفضل".

شادي هو واحدٌ من بين 30 لاجئاً سورياً ونازحاً عراقياً يتدربون في معسكرٍ لتعليم برمجة الكمبيوتر من أجل أن يصبحوا متخصصين في تكنولوجيا المعلومات، ويحصلوا على فرص عملٍ في غضون سنة. تدير المشروع مؤسسة "ريكوديد" الأميركية غير الربحية، والتي تعمل في قضايا تعليم وتنمية النازحين.


تحسين حياة اللاجئين


فكرة المشروع هي تعليم اللاجئين البرمجة ليتمكنوا من العمل عن بُعد بأي مكان. وهو برنامجٌ قابل للتطوير والتوسع يمكن أن يحسن حياة الآلاف في الشرق الأوسط. ولكن بالنسبة لهؤلاء الطلاب الذين يعانون بالفعل للحفاظ على حياتهم التي مزقتها الحرب، فإن تطبيق تلك الفكرة هو التحدي الحقيقي.

كان شادي مدرس موسيقى قبل أن يصبح لاجئاً، إذ كان يعلم طلاب الصف الابتدائي العزف على الآلات الموسيقية، مثل العود والدف، في مدينة القامشلي بسوريا. ولكنه اضطر لمواجهة قرارٍ صعب بعد أن أُصيبت زوجته بسرطان الدم عام 2013. إذ لم تكن الرعاية الطبية متوفرةً سوى في دمشق وكردستان العراق فقط.

ومع اشتداد وطأة الحرب الأهلية في سوريا، أخذ شادي زوجته المريضة وسافر إلى العراق، تاركين ابنتهما في رعاية أسرة زوجته. وبينما كانت زوجته تحصل على الرعاية الطبية التي تحتاجها، تراكمت عليهم فواتير العلاج، ليجدا نفسيهما يعيشان في خيمةٍ بين رحى الفقر والحاجة.

واليوم يوجد أكثر من 250 ألف لاجئ سوري مثل شادي وأسرته يعيشون في كردستان العراق. ويعيش أكثر من خمسة ملايين سوري كلاجئين في مختلف أنحاء الشرق الأوسط والعالم.

ويواجه العراق أزماته الخاصة في الوقت الحالي. إذ أدت الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) إلى تهجير أكثر من 3.3 ملايين عراقي من منازلهم. وهو ما دفع أكثر من مليون منهم للنزوح إلى الشمال الكردي.


مصاعب حياتية


ويواجه اللاجئون والنازحون عدداً من القضايا المتشابهة: الأزمة الاقتصادية، والمرافق الاجتماعية المزدحمة، والنقص الحاد في التمويل من مجتمع الإغاثة الدولي. كما يعانون من خياراتٍ محدودةٍ للغاية فيما يتعلق بالإسكان والتعليم والتوظيف.

بالنسبة لشادي، كان الحصول على وظيفةٍ بدوامٍ كامل ضرورةً لابد منها. فوظيفته كحارس أمن توفر له 500 دولار أميركي شهرياً، لكن هذا المبلغ ليس كافياً على الإطلاق. لذلك سارع لتقديم أوراقه بمجرد سماعه عن دورةٍ ستحوله إلى مطور برامج محترف. وقال شادي عن ذلك: "اعتقدت أن دراستي للبرمجة سوف تساعدني في الحصول على وظيفةٍ أفضل".

وتقدم أكثر من 500 لاجئ ونازح آخرين للدورة. واختارت مبادرة "ريكوديد" 50 من بينهم ليبدأوا الدراسة في شهر يوليو/تموز، بنسبٍ متساويةٍ تقريباً من الرجال والنساء، واللاجئين السوريين والنازحين العراقيين، والذين كان أغلبهم يعيشون في مخيمات النازحين القريبة من أربيل.

تأسست مبادرة "ريكوديد" على يد ألي كلير، وهي أسترالية تعمل بمركز الشؤون العالمية بجامعة نيويورك. تم وضع مناهج الدورة على غرار مناهج البرمجة التي يتم تدريسها في مدرسة "فلات أيرون" بنيويورك، ويتم تمويل المشروع من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

وتقول ألي إنَّ منح اللاجئين الأدوات والمهارات اللازمة للعمل عن بُعد قد يساعد في مواجهة أزمة نقص فرص العمل المتاحة للنازحين السوريين والعراقيين. وسيؤدي ذلك في الوقت نفسه إلى حل أزمة نقص مبرمجي الكمبيوتر العرب الموهوبين على مستوى العالم.

وأضافت ألي: "يمتلك الشرق الأوسط أرضاً خصبة وإمكانياتٍ هائلة من الأيدي العاملة القادرة على تحقيق إنتاجيةٍ عالية في مثل هذه الصناعات، سواءً كمبرمجين أو رواد أعمال. نحن نرغب حقاً في بناء قدرات ومهارات المواطنين في جميع أرجاء المنطقة".

أدركت مبادرة "ريكوديد" مع الوقت أنها بحاجةٍ إلى تعديل دوراتها للتأقلم مع الظروف المحلية، بعد أن خُطِّطَ في البداية أن تكون الدورة بدوامٍ كاملٍ ليتخرج الدارسون منها بعد ثمانية شهور. إذ أن الظروف التي يواجهها الدارسون في العراق تختلف عن ظروف نظرائهم في دورات البرمجة المقدمة داخل الولايات المتحدة. وتقول شيرين ميسي أستاذة الدورة: "يعتبر المنهج بمثابة تحدٍ صعب حتى للدارسين في أميركا، لكن طلابنا يواجهون أيضاً عدداً من المشاكل الاجتماعية علاوةً على ذلك. إذ أن عدداً منهم ينفقون على أسرهم، ولا يستطيعون حضور الصفوف أحياناً".

1

زينب أمجد هي مثال للطلبة الدارسين في الدورة، وتقول: "قبل أن أبدأ؛ لم تكن لدي أدنى فكرةٍ عن البرمجة. لذلك شعرت بالضغط في البداية. كان الأمر صعباً، فلم أكن أعلم شيئاً عن أجهزة الكمبيوتر".

جلست زينب ذات الـ30 عاماً، خريجة الأدب الإنكليزي من جامعة الموصل، أمام الكمبيوتر المحمول الخاص بها داخل المعمل، لتشرح لنا كيف أصبح بإمكانها الآن بناء مواقع الإنترنت والتطبيقات. وبينما تكافح وسط خطوط لغة الـHTML المتداخلة في الصف، تعود إلى منزلها للتعايش مع مصاعب حياة النازحين.

وحالياً، تستمر حرب القوات العراقية ضد مقاتلي تنظيم "داعش" من أجل السيطرة على مسقط رأسها، ولديها هي وزوجها أقارب ما زالوا عالقين داخل المدينة وخارج نطاق الاتصال.

ويحضر زوجها عباس شهاب الدورة أيضاً، بينما يذهب طفلاهما الصغيران، محمد وجوماني، إلى الحضانة في الصباح، حتى يتمكن والداهما من الدراسة. وتقول زينب: "طفلانا أُصيبا بالمرض هذه الأيام، وهو ما منعني من حضور الدورة لمدة أسبوع، وقد أثر ذلك على عملي".

وبينما تتكفل المبادرة بدفع مصاريف حضانة الأطفال، يتعين على زوجها عباس أن يعمل لكسب قوت يومه بالتدريس في مدرسةٍ ثانوية خلال فترة الظهيرة. ويقول عباس: "هناك الكثير من الضغط، خاصةً مع مسؤوليات الأسرة والأطفال. وبينما انشغل في المساء بحل الواجبات المنزلية، أواجه مشكلة انقطاع الكهرباء المتكررة".

استجابت مبادرة "ريكوديد" لهذه التحديات بتقليل عدد ساعات الدورة، وزيادة مساحة الحرية المتوفرة للدارسين. حيث أصبح بإمكانهم الآن العمل من المنزل يومين أسبوعياً، مع توفر أساتذة للمساعدة عن بُعد. كما تعمل المبادرة أيضاً على توفير فرص عمل للدارسين في الوقت الحالي. وتقول ألي: "وجدنا أن الكثيرين بحاجة إلى وظائف خلال فترة الدراسة لتوفير النفقات".


فرص عمل


ومن أجل إنجاح المشروع، عقدت مبادرة "ريكوديد" شراكةً مع شركة "نتكلم"، وهو برنامج لتعليم اللغة العربية على الإنترنت، وشركة "ماغنوس تيستينج"، شركة اختبار البرمجيات.

وبمجرد تخرج الدارسين، ستُقدم لهم فرص عمل من خلال عددٍ من الشراكات مع مايكروسوفت، وشركة "كود دوور" الألمانية، وشركة "كودليوروز" التركية، بالإضافة إلى منصات الأعمال العالمية المستقلة مثل "غورو" و"أبوورك".

ورغم التعديلات التي أُجريَت على البرنامج، انسحب 20 من طلاب الدفعة الأولى من الدورة، بعضهم كان على الأغلب بسبب صعوبة المناهج. وعاد أحد الدارسين إلى الفلوجة ليكتشف أن منزله دُمر بسبب القتال.

وتشعر الأستاذة شيرين بالتعاطف مع التحديات التي يواجهها طلابها. وقد تبدو المرأة ذات الـ29 عاماً بشعرها المصبوغ بالأحمر وقميصها المخطط ونظارتها كأحد محبي موسيقى الجاز في مدينة بروكلين، لكن شيرين في الحقيقة لاجئة أيضاً. وتضيف شيرين: "يمكنك القول إنَّنا نتشارك جميعاً نفس المعاناة".

1

شيرين هي خريجة علوم حاسب سورية من مدينة كوباني، تخرجت عام 2011، لكنها لم تجد وظيفةً في مجالها. عملت في مدرسةٍ ابتدائيةٍ لمدة عامين، وبحلول عام 2013، واشتداد وطأة الحرب الأهلية السورية، أصبح الوضع بالنسبة لها أكثر خطورةً وأصعب مادياً. وتتذكر قائلةً: "لم يكن لدينا إنترنت أو كهرباء، وأنا مهندسة برمجة. نسيت كل مهاراتي في غضون عامين، ولكنني تذكرت كل شيء بمجرد قدومي إلى هنا".

وفي نهاية كل صف، تتوقف شيرين للدردشة مع طلابها من أجل الاطمئنان على أحوالهم. شادي منهمكٌ في التفكير ويشعر بالقلق: فمحاولة الموازنة بين مسؤولياته تبدو مهمةً مستحيلة في بعض الأحيان. وهو ما يدفعه للتفكير أحياناً في الانسحاب من الدورة على حد قوله، لكنه يحاول التعامل مع كل يومٍ على حدة.

ويقول شادي إنَّه عندما يواجه تحديات النفقات الإضافية يضطر للاقتراض من أصدقائه: "في المساء أحاول حل واجباتي المنزلية، ولكن هناك العديد من التحديات". وعندما يحتاج إلى المال لتسديد بعض النفقات الإضافية، يقترض أحياناً من أصدقائه، ويقول عن ذلك: "أقول لهم حينها: غداً، سأحصل على وظيفة من هذه الدورة، وحينها سأرد لكم أموالكم".

ثم يندفع إلى الخارج ليلحق بالحافلة، ويقول: "وهكذا أستمر في حياتي".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Vocativ الإلكتروني. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.