ترامب سيمنح الطمأنينة للدكتاتوريين خلال حكمه.. هذه ستكون عواقب تخلّيه عن مبادئ الديمقراطية

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
scarletsails via Getty Images

تتزايد المخاوف من طريقة تعامل الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب مع القضايا العالمية الشائكة، بعد تأكيده في مواقف عدة على انتهاج سياسة مغايرة لإدارة سلفه باراك أوباما، ولما أظهره من عداء لقيم الديمقراطية وحق الشعوب العيش في أمان، حسبما يرى الكاتب "جيمس تراوب" في مقال نشرته مجلة "فورن بوليسي" الأميركية الثلاثاء 3 يناير/كانون الثاني 2017.

ويعتبر "تراوب" أن الرئيس الأميركي الجديد ربما يكون أكثر رئيس للولايات المتحدة غير آبه بنشر الديمقراطية وتعزيز حقوق الفرد خارج الولايات المتحدة، واعتبار ذلك ضرورة نادى بها الرئيس الأميركي الراحل وودرو ويلسون، قائلاً: "يجب أن يكون العالم آمناً للديمقراطية".

ويعبر الكاتب عن مخاوفه من الرئيس ترامب، الذي يعتقد أن بتجاهله لما يجري من استبداد خارج الولايات المتحدة، فإنه سيسمح بذلك للدكتاتوريين في مواصلة أفعالهم التسلطية، حسب قوله.


نص المقال:


في 2 أبريل/نيسان عام 1917، وفي سياق خطابه أمام الكونغرس لطلب إعلان الحرب على ألمانيا، ألقى وودرو ويلسون، الرئيس الأميركي الراحل، واحداً من أكثر الخطابات الرنانة في تاريخ الرئاسة الأميركية، قائلاً: "يجب أن يكون العالم آمناً للديمقراطية".

وبعدها بجيل، أصدر رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، ورئيس الولايات المتحدة الأميركية فرانكلين روزفلت، ميثاق الأطلسي، الذي يلزم حلفاء الحرب العالمية الثانية بحماية "حق كل الشعوب في اختيار نظام الحكم الذي يعيشون تحته". ومنذ ذلك الحين، أصر كل رؤساء الولايات المتحدة أن الأمن القومي لأميركا يعتمد على نشر الديمقراطية والحقوق الفردية في الخارج.

لكن الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، الذي سيتولى مهام منصبه في الذكرى المئوية لخطاب ويلسون الشهير، ربما يكون أول رئيس أميركي لا يؤمن بذلك بكل بساطة منذ أن أصبحت أميركا قوةً عالمية. ويجب علينا أن نرتعد خوفاً من عواقب ذلك.

يُظهر الهجوم البشع المستمر للرئيس المنتخب على الصحفيين، والنقاد، والمعارضين السياسيين بشكلٍ واضح بما فيه الكفاية مدى احتقاره للمعايير الديمقراطية.

ولم يُبدِ أي احترام لمبادئ القانون الدولي مثل الالتزام بقبول اللاجئين، أو الامتناع عن استخدام التعذيب، حتى اهتمامه بالحقوق الديمقراطية في الخارج ضئيل للغاية؛ فالزعماء الأجانب الذين يشيد بهم باستمرار أكثر من غيرهم، بما فيهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، هم زعماء ألقوا بمنتقديهم في السجن، وأحياناً في القبر. وترامب بالفعل صديق للسيسي لدرجة مكنته من إقناعه الأسبوع الماضي بسحب مشروع قرار لمجلس الأمن يدين بناء إسرائيل المستمر للمستوطنات.

وانتهى ترامب من ترشيح وتعيين الأعضاء الرئيسيين في فريق الأمن القومي الخاص به؛ فمستشاره للأمن القومي مايكل فلين، ووزير الدفاع المكلف جيمس ماتيس، من الجنرالات المتقاعدين، في حين أنَ ريكس تيلرسون الذي اختاره لمنصب وزير الخارجية هو الرئيس التنفيذي لإحدى شركات النفط العملاقة.

قد يكون هؤلاء الثلاثة (وخصوصاً ماتيس) متعاطفين مع دعوة ويلسون، ولكن خبرتهم علمتهم الاهتمام بالاستراتيجية العسكرية والاقتصادية للزعماء الأجانب أكثر من الاهتمام بالترتيبات السياسية الداخلية التي يتبناها هؤلاء الرجال.

هذا حقاً سيكون شيئاً جديداً في الحياة الأميركية؛ فالمحافظون الجدد الذين دعموا أجندة الحرية الخاصة بجورج بوش الابن، وأنصار خطاب باراك أوباما المنضبط بشأن بناء المؤسسات على المدى الطويل، لديهم الكثير من القواسم المشتركة مع بعضهم البعض أكثر مما يشتركون فيه مع عقلية المعاملات الباردة التي تسيطر على إدارة ترامب.

وكما كتب هنري كيسنجر في كتابه "الدبلوماسية"، نحن جميعاً (ربما باستثناء كيسنجر نفسه) أبناء ويلسون. يقبل الجميع ماعدا الواقعيين المتشددين الفرضية القائلة بأن من مصلحة الولايات المتحدة بناء حياة أفضل للشعوب في البلدان الأخرى، حتى لو أنهم اختلفوا بشأن الأدوات التي تمكنهم من ذلك، ومدى فاعلية هذه الأدوات.

يقول بعض المشككين في رسالة الإصلاح العالمية التي تسير عليها أميركا، مثل الدبلوماسي الباحث جورج كينان، إنَ الولايات المتحدة سوف تخدم مصالحها بشكل أفضل من خلال ممارسة الديمقراطية في الداخل بدلاً من الترويج لها في الخارج. قد يكون ذلك صحيحاً.

ولكن هذا الافتراض ليس مجالاً للاختبار من قبل الرئيس ترامب، في ظل عدم اكتراثه بالتعديل الأول للدستور الأميركي، والمتعلق بحرية التعبير والاحتجاج السلمي، واكتراثه المُكتشف حديثاً بالتعديل الثاني في الدستور، الذي يحمي الحق في حمل السلاح، فضلاً عن ترويجه المستمر لنظرياتٍ غريبة وأكاذيب صارخة على تويتر. في جميع الاحتمالات، لن تسعى الولايات المتحدة في السنوات المقبلة إلى تجسيد فضائل الديمقراطية، ولا إلى غرس قيمها.

لماذا يجب على الولايات المتحدة أن تريد "جعل العالم آمناً للديمقراطية"؟ اعتقد ويلسون أن الحكومات الاستبدادية، التي تقودها المصالح الأنانية للزعماء وليس رغبات المواطنين، من شأنها أن تُدمر الجهود الرامية إلى إنشاء "اتفاق من أجل السلام" على حد تصوره. الدول الديمقراطية هي الوحيدة التي سوف تحافظ على اتفاقياتها مع بعضها البعض. ما حدث لاحقاً في التاريخ أظهر سذاجة ما كان يعتقده ويلسون، إلا أنه لم يبطل مصداقية الفرضية القائلة بأن النظم الديمقراطية سوف ترعى الالتزام بالقوانين ونشر ثقافة السلام في النظام العالمي أكثر من النظم الدكتاتورية.

اعتقد جيل من قادة الحرب الباردة أنَ الديمقراطية والرخاء على نطاقٍ أوسع هي الحصون الواقية الوحيدة ضد الشيوعية. ربما ناقض الرؤساء الأميركيون، من هاري ترومان إلى رونالد ريغان، مبادئهم المعلنة من خلال دعم الحكام المستبدين المناهضين للشيوعية، ولكنهم كانوا على حقٍ في أن أوروبا الديمقراطية سوف تقاوم جاذبية الأيديولوجية الشيوعية.

اليوم، وفي مواجهة الإرهاب، تتبنى الولايات المتحدة نفس النهج مع الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط ولكنها على الرغم من ذلك ترى أن نشر الديمقراطية وسيادة القانون هو العلاج الأفضل طويل المدى لهذه المشكلة.

وفي أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، صعَّدَ جورج دبليو بوش للمرة الأولى هدف تعزيز الديمقراطية ليصبح في جوهر اهتمام الأمن القومي الأميركي، مصراً على أنَ "بقاء الحرية في بلادنا يعتمد بصورة متزايدة على نجاح الحرية في أراضٍ أخرى". أُجهِضت هذه الفرضية أيضاً، إلا أنَ الافتراض نفسه لم يكن خطأً.

يستمر الرؤساء في العودة إلى هذه الافتراضات، لأن ويلسون كان على حق بشأن العلاقة بين الديمقراطية والنظام العالمي الجديد. هناك سببٌ آخر أيضاً: على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فإنَ الفكرة التي مفادها أنَ الولايات المتحدة تدافع عن شيء آخر غير مصلحتها الخاصة ظلت تدعم مزاعمها لقيادة العالم. هذه الفكرة هي أساس "القوة الناعمة" لأميركا. ولنأخذ المثال الأكثر شهرة، خطة مارشال (مبادرة أميركا لدعم أوروبا الغربية مادياً لبناء اقتصاداتها بعد الحرب العالمية الثانية)، والتي أفادت للولايات المتحدة بنفس القدر تقريباً، من خلال تعزيز مكانتها العالمية، كما فعلت بالنسبة للمستفيدين منها في أوروبا.

إذن، ما الذي يحدث إذا تخلينا عن هذا التقليد؟ الجانب المشرق من تشكيك ترامب الرهيب في القيم الديمقراطية قد يكون على النحو التالي: لا مزيد من النفاق. لقد أبدت إدارة أوباما استنكارها من تصرفات الحلفاء المستبدين في الشرق الأوسط، دون التصدي لها أو حتى تهديدها بعواقب وخيمة، وبالتالي اقتصر الأمر على إثارة استياء الحكومات الأجنبية، دون التخفيف من وطأة أعمالها الوحشية.

على الجانب الآخر، أيد أوباما بفتور المعارضة السورية، دون أية محاولة لحسم الحرب الأهلية البشعة الدائرة هناك. لن يوبخ ترامب الأسد رسمياً، وربما ينضم علناً للرئيس السوري بشار الأسد في حملته المزعومة ضد المتطرفين الإسلاميين. ومع ذلك، فإن الصدق الذي يبديه ترامب في هذا الشأن لا قيمة له مقارنةً بمآلاته.

قد يشعر الرئيس ترامب بأريحيةٍ أكبر تجاه الدول غير الليبرالية على نحوٍ متزايد في أوروبا الشرقية، بما في ذلك روسيا، منبع العقيدة المناهضة لليبرالية، مما سيشعر به تجاه الدول الغربية الديمقراطية الاجتماعية. يمكن للمرء أن يتصور بكل سهولة إطلاقه لوابل من التغريدات ضد حلفاء حلف الأطلسي، الذين يصرون بعناد على استخدام لغة الحقوق العالمية، بما في ذلك المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي حذرت، بشكلٍ يفتقر للمهارة، الرئيس القادم من عدم الالتزام بالقيم الغربية. في الواقع، كم سيستغرق الوقت قبل انتهاء استخدام "القيم الغربية" بوصفها مرادفاً مفروغاً منه للعلمانية، أو الحرية الفردية، أو التسامح مع الآراء المتنوعة؟

ولكن هناك نتيجةً أكثر دهاءً لنبذ الادعاءات الأخلاقية التقليدية لأميركا بخصوص دورها العالمي. فالولايات المتحدة قادرة على القيام بدور الوسيط النزيه في النزاعات في جميع أنحاء العالم لأنه لا ينظر إليها باعتبارها داعمة للأنظمة القائمة، كما هو الحال مع الصين، على الرغم من كونه دوراً مثيراً للاشمئزاز.

وهكذا أعطت الدبلوماسية المتأنية لإدارة أوباما في ميانمار نفوذاً للولايات المتحدة في علاقتها مع الزعماء الديمقراطيين الجدد، وكذلك النظام العسكري السابق. ماذا يحدث إذا تمت الإطاحة بأي من الزعماء المفضلين لترامب، أو تم عزلهم من منصبهم بعد إجراء الانتخابات؟ ما هو النفوذ الذي سوف تمارسه واشنطن على النظم التي ستخلفهم؟ وكيف ستنافس أميركا القوة الناعمة المتنامية للصين، أو حتى روسيا؟

لم يكن أعظم انتصار مفاجئ لبوتين في السنوات الأخيرة هو الاستيلاء الحذِر على القرم، أو كسب الحرب في سوريا لصالح الأسد، بل الانحسار المتزايد للقيم الليبرالية في الغرب. وانتخاب ترامب أيضاً هو جزءٌ حاسم من هذا المكسب. (يبدو على نحو واضح أن بوتين يستحق بعض العرفان فيما يتعلق بنتيجة هذه الانتخابات، بسبب قرصنة روسيا لرسائل البريد الإلكتروني الخاصة ببعض أعضاء الحزب الديمقراطي الأميركي).

لم تنخفض هيبة الديمقراطية الليبرالية بهذا الشكل منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وتتقدم الأحزاب المناهضة لليبرالية في استطلاعات الرأي في الكثير من دول أوروبا الغربية، وتحكم الآن في المجر، وبولندا، وسلوفاكيا. إنَ الأمر اليوم أكثر إلحاحاً مما كان عليه بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول لكي تقوم الولايات المتحدة بدورها كمنارة للديمقراطية ومتحدثةٍ باسمها. إلا أنه في ظل حكم الرئيس ترامب، سوف تتخلى أميركا عن هذا الدور.

من سيرثها إذن؟ ألمانيا، ربما. لكن ميركل، التي أضعف موقفها بشدة سياسة الباب المفتوح تجاه اللاجئين، قد تفشل محاولتها للاستمرار في منصب المستشارية في سبتمبر/أيلول. وفي أي حال، ألمانيا هي قوةٌ أصغر، لديها من الأسباب التاريخية القوية ما يجعل نبرة حديثها هادئة ومتواضعة.

إن لم تتول الولايات المتحدة قيادة العالم في مجال تعزيز مبادئ الديمقراطية والليبرالية، كما كانت عليه في القرن الماضي، لن تقوم دولةٌ أخرى بهذا الدور، وسيتم ملء هذا الفراغ من قبل أشخاص آخرين لا يتبنون قيماً ديمقراطية ولا ليبرالية. إنَّ وعد دونالد ترامب بجعل أميركا عظيمة مرةً أخرى من شأنه إذن أن يتحوَّل إلى مهزلةٍ مأساوية.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.