"أنا لا أستورد السلع بالجنيه بل بالدولار".. عدم استقرار الجنيه يجبر تجاراً ومواطنين على التعامل بالدولار داخل مصر

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT DOLLAR POUND
Mohamed Abd El Ghany / Reuters

لم يكتف الدولار بتعويم الجنيه إذ يبدو أنه سيكون سبباً في إغراقه لا تعويمه، فقد تحول بعض التجار في مصر إلى التعامل بالأخضر الأميركي، كما يسميه العامة في مصر، بدلاً عن الجنيه الذي تنخفض قيمته وتتأرجح كل يوم.

"سعر الدولار يتذبذب يومياً وكل ساعة.. صباح أول أمس اشتريت كمية من الدولارات من السوق السوداء بسعر 20 جنيهاً للدولار الواحد.. وفي المساء اشتريت بـسعر أقل، واليوم الدولار انخفض إلى 18 ونصف جنيه، وقبلها كان يرتفع".

هكذا يفسر هشام مصطفى، صاحب معرض للأدوات الكهربائية والمنزلية بمدينة نصر -شمال شرق القاهرة- لماذا يتعامل مع التجار ويسعر للمواطنين والمستهلك بسعر الدولار بدلاً من الجنيه.

"من عادة كثير من المصريين أن يحجزوا الأجهزة المنزلية التي يحتاجونها ويتفقوا على سعرها بالجنيه المحلي وبعد عدة أيام أو أسابيع يعودون للمعرض لدفع باقي الأموال المتفق عليها وأخذ البضاعة"، كما يوضح هشام.

ويضيف "أما الآن فقد اختلف الحال، ففي الوقت الذي يستلم فيه العميل بضاعته تكون قيمة الجنيه المصري تغيرت عن الوقت الذي اتفقت معه على عملية الشراء، وأنا لا أستورد السلع بالجنيه بل بالدولار، ما يجبرنا على تغيير الاتفاق ويؤدي ذلك إلى استياء العميل ومن الممكن أن يلغي عملية البيع نهائيًا".


خلافات بين أطراف مختلفة


الأمر لم يقتصر فقط على الخلاف بين صاحب المعرض والمستهلك، بل امتدت الأزمة إلى الخلاف مع المستورد الرئيسي. فكما يوضح هشام، "نتفق مع المستورد على مبلغ معين لكمية من الأجهزة المنزلية، وعند تسلم البضاعة منه نجد أنه مجبر على رفع السعر المتفق عليه نتيجة ارتفاع سعر الدولار وارتفاع الجمارك أيضًا في بعض الأحيان".

لحل الأزمة ومنع الخلاف، كما يقول صاحب المعرض، "اتفقنا بيننا كتجار على التعامل بالدولار، وبذلك نضمن عدم الرجوع في الاتفاق، وارتفاع أو انخفاض الجنيه يتحملها المتعامل بالدولار سواء التاجر أو المستورد، ومن ناحية أخرى يتم الاتفاق مع المستهلك على التسعير بسعر الدولار، وعند تحميل البضاعة يتم الدفع بالدولار أو ما يقابله بالجنيه المصري وقت التحميل".
وأوضح أن كل التجار الذين يتعاملون في السلع المستوردة "الأجهزة الكهربائية والتكنولوجيا والتليفون المحمول والسيارات وغيرها"، بدأوا بالتعامل بالدولار بينهم، وكأن الفكرة انتشرت كالنار في الهشيم دون أي اتفاق مسبق.

يقول هشام، إن الاتفاق بدأ بالبداية في دائرته وهم تجار الأجهزة المنزلية، إلا أنه يتفاجأ كل يوم من خلال تعامله في السوق أن جميع التجار لأي سلعة مستوردة يتعاملون بنفس الطريقة.

وذكر هشام، العديد من أسماء التجار للسلع المختلفة الذين يتعاملون بعملة الدولار بدلًا عن الجنيه.

وتواصلنا مع ثابت عمر، صاحب معرض سيارات بالقاهرة، ليوضح أن الاتفاق يتم بين المتعاملين بطريقة صورية، تعتمد على الاتفاق فقط دون عقود أو إثباتات.

وعن ضمان الحقوق وقت توقيع عقد البيع والشراء، يوضح صاحب معرض السيارات -الذي فضل عدم تحديد مكان معرضه بالقاهرة-، أننا كتجار سواء مستوردين أو أصحاب معارض نعتمد على الاتفاق بالكلمة فقط في أي معاملات مالية منذ 25 عامًا -مدة عمله في تجارة السيارات- والتي توارثها عن والده، على حد قوله.

وبالنسبة للاتفاق بينه وبين المستهلك والمواطن، يشير صاحب معرض السيارات إلى أن الاتفاق بسعر الدولار يكون لصالح المستهلك، مستطردًا: "الاتفاق يضمن عدم تصرفي في السيارة أو عدد السيارات التي تم الاتفاق حولها.. ووقت إمضاء العقد والتسليم يتم تسعير البضاعة على حسب سعرها بنفس اليوم".

ينوه صاحب معرض السيارات أن تبادل الدولار لا يكون إلا بين التجار والمستوردين، أما بالنسبة للمستهلك فيكون التسعير فقط بالدولار والتعامل بالجنيه، وفي نفس الوقت بعض المواطنين يدفعون بالدولار.. قائلًا: "نحن نفضل هذه النوعية من العملاء لأننا نحتاج للدولار سواء منهم أو بشرائه من السوق السوداء".

ويؤكد صاحب معرض الأجهزة الكهربائية: "لا نجبر أحدًا ولا نرغمه على التعامل أو التسعير بالدولار والاتفاق يكون سريًا، وتعاملنا في العقد النهائي يكون بالجنيه المصري. فالاتفاق على التعامل بالدولار ما هو إلا لضمان الحقوق وضمان عدم خسارة أي طرف".


مؤشر سلبي


مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، وأستاذ التمويل بجامعة القاهرة يؤكد أن تعامل التجار أو حتى التسعير للمستهلك بالدولار، مؤشر خطير وسلبي على الاقتصاد المصري، ويؤدي لفقدان الثقة في العملة الوطنية المصرية.

وأوضح نافع لـ"هافينغتون بوست عربي" أن المستهلك يوافق على التسعير بالدولار لضمان وجود بضاعته عند العودة لتحميلها، ويقول: "لا نلوم المستهلك على ذلك، ولكن نطالب الحكومة بوضع قانون لتجريم التعامل بالدولار أو حتى التسعير به حتى لا يتدهور الاقتصاد أكثر مما هو عليه حالياً".

ويوضح "نافع"، إلى أن قانون تجريم التعامل بالدولار أو التسعير به غير موجود في الدستور المصري، ولذا نطالب بإدخال نص شبيه في القانون حتى لا يتحول التعامل بالدولار بشكل رسمي وتزداد الأزمة.


قصة تعامل التجارة الدولية بالدولار


تتعامل كثير الدول -ومن بينها مصر- في الوقت الحالي في التجارة الخارجية بالدولار سواء في الاستيراد أو التصدير. وبعض الدول القليلة على مستوى العالم تتعامل في تجارتها ومعاملتها الداخلية بالبيع والشراء بالعملة المحلية والدولار معاً كما هو الحال في لبنان.

وترجع قصة تحويل معظم التجارة الدولية على مستوى العالم إلى التعامل بالدولار إلى عام 1944م، قبل أن تخرج الولايات المتّحدة من الحرب العالمية الثانية بعامٍ واحد، حيث بدأت تعمل على إنشاء نظام عالمي اقتصادي جديد، تكون الولايات المتحدة والدولار الأميركي رأس الهرم فيه. وقد حصل ذلك عن طريق اتفاقية Bretton Woods.

الاتفاقية التي حضر توقيعها 44 دولة من حول العالم، هي الاتفاقية الرئيسة التي رسخت هيمنة الدولار الأميركي على تعاملات العالم الاقتصادية حيث صارت الدول الـ44 ترجع إلى الدولار الأميركي لتحديد قيمة عملاتها دولياً، مما جعل الدولار بمركز الملك.

وعن تجربة لبنان وسماحها بالتعامل بعملتين، الليرة اللبنانية والدولار الأميركي، يقول نافع، إن هذا ما نحذر منه وهو فقدان الجنيه المصري قيمته مما يجبرنا على إدخال عملة أخرى موازية للتعامل بها.

وفي الوقت نفسه، يؤكد نافع أن تجربة لبنان مختلفة وأثبتت فشلها ومصر حتى الآن بعيدة عن تلك الحالة، منوهاً بأن الأخيرة يجب أن تكون حذرة وعندها رؤية جيدة لرفع وإنعاش الاقتصاد، لأنه في حال فقدان الدولة السيطرة على عملتها تفقد سيادتها.

وحول دلائل فشل تجربة لبنان في التعامل بالدولار، قال نافع "ظروف لبنان مختلفة فهي لم تلجأ للتعامل بالدولار إلا بعد تدهور عملتها المحلية الليرة، وتعامل الدولة بعملتين يعنى فقدانها سيادتها وسيطرتها على عملتها. بحسب وجهة نظره".

ويستطرد "نافع"، الشعب اللبناني يندم حالياً على تعامله بالدولار مع الليرة، موضحاً أنه في كثير من عمليات البيع والشراء لا يعرف المواطن اللبناني الحساب الرقمي والتعامل بعملته مما يضطره على الفور للجوء للدولار. بحسب رأي الخبير.


رؤية أخرى


من جهته يختلف فخري الفقي، مساعد المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي سابقاً، والخبير الاقتصادي، مع ما يطرحه الدكتور نافع، حيث يؤكد أن التعامل أو التسعير بالدولار يضمن عدم وقوع الضرر أو الخسارة على أي من الأطراف، وهي ظروف مستثناة ستنتهي قريباً.

وأضاف الفقي لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الظروف الاقتصادية غير مستقرة حاليًا نتيجة التضخم اليومي للجنيه، موضحاً في الوقت نفسه أن الدولار في السوق المصري أكثر من قيمته الحقيقية أمام الجنيه.

ويرى "الفقي"، أنه خلال 6 أشهر سيستقر سعر الدولار أمام الجنيه لمدة طويلة، "وبالتالي لن نحتاج إلى التعامل أو التسعير بالدولار، وستنتهي الأزمة لأن سعر الجنيه سيكون ثابتاً".