التعطيش.. أحدث تكتيكات الأسد الحربية لتركيع المعارضة في سوريا

تم النشر: تم التحديث:
REFUGEES IN GREECE
ب

كان وادي بردى في دمشق معروفاً سابقاً بأنه مكانٌ للعطلات الصيفية، والنسيم العليل، والمقاهي الشعبية. ولأنِّي دمشقي المولد، فقد اعتدت زيارة الوادي بانتظام أثناء الصيف للحصول على بعض الراحة من حرارة الصيف الحارقة. وابن عمي، الذي صار الآن أباً لأربعة أطفال، التقى زوجته في وادي بردى، حين كان كلاهما يتنزهان في إحدى نهايات الأسبوع السعيدة.

لكنَّ وادي بردي تحول إلى قطعةٍ من الجحيم على الأرض، بعد أن بدأ تساقط القذائف الأسبوع الماضي.

إذ انهمرت قذائف النابالم، والبراميل المتفجرة، وقذائف الدبابات على الوادي، فتركت عشرات المدنيين بين قتيلٍ وجريح. واستُهدفت المستشفيات وغيرها من مرافق البنية التحتية عمداً. ولم تكن النتيجة كارثةً إنسانية فحسب، وإنما أيضاً أسوأ كارثة بيئية في الحرب كلها، بحسب ما ذكر تقرير لموقع The Daily Beast الأميركي.


كاليفورنيا نموذجاً


فلنضرب مثلاً بكاليفورنيا على سبيل المقارنة. تشهد كاليفورنيا حالياً نقصاً تاريخياً في المياه، وتعيش المدينة حالة طوارئ منذ حوالي 3 أعوام بسبب الجفاف. وتطبّق المنازل والمتاجر سياسة ترشيد طويلة المدى، من المتوقع تمديدها بموجب خطة الحفاظ على المياه التي أعلنتها السلطات الأميركية الشهر الماضي. لكن في كاليفورنيا على الأقل، تعمل الدولة على التخفيف من الأزمة. أما في سوريا فالدولة هي من سبَّبت الأزمة.

يعيش اليوم ملايين من سكان دمشق دون مياهٍ بسبب القصف العنيف على وادي بردى، حيث يخشى العديدون من مواجهة نفس مصير حلب قريباً، والتي شهدت حالات اغتصاب جماعية، وإعدامات ميدانية، ومقتل المئات من سكانها بعد استيلاء النظام على المدينة.

وبعد استيلاء قوات النظام السوري على حلب بدأ سكان وادي بردى في تلقي رسائل مرعبة، مشابهة للتحذيرات التي وُجِّهَت إلى أهل حلب الشهر الماضي.

ومع استمرار قصف النظام، نشرت المصادر الموالية للنظام شائعاتٍ كاذبة مفادها أنَّ سكان وادي بردى كانوا على وشك تسميم نبع وادي بردى عن طريق صبّ الديزل في الماء. ومن المرجح أنَّ هذه الشائعات كانت وسيلةً للتغطية على ما كانت قوات نظام الأسد تنوي فعله. إذ قال السكان المحليون إنَّه بدءاً من الأسبوع الماضي بدأت قوات النظام في قصف المنطقة بشكلٍ مكثف، وبدا أن القصف يستهدف نبع وادي بردى ومياهه الجوفية.

لا يمكن لنبع ماء عذب أن يوجد دون وجود مستودع للمياه الجوفية، الذي يكون عبارة عن تجويف صخري تحت الأرض يتكوَّن بفعل التآكل طويل المدى الذي سببه الماء. تتراكم مياه الأمطار تحت الأرض في المستودع، عادةً خلال آلاف السنين، قبل أن يمتلئ المستودع وينبع الماء منه.

وبسبب طول المدة المستغرقة في ملء هذه المستودعات، فإنَّ تعويض النقص في مستوى المياه بها هو شيء شديد الصعوبة. أحد أسباب أزمة المياه بكاليفورنيا هو أنَّ السكان كانوا يستهلكون مياه مستودع "سنترال فالي"، مستودع المياه الجوفية الرئيسي بالولاية، بمعدلٍ وصل إلى ضعف المعدل التاريخي، ما أدى إلى انخفاض الأرض بمقدار 1.5 قدم في بعض المواقع.


طائرات الأسد تدمر مخزون المياه


دمرت طائرات نظام الأسد الحربية مخزون سوريا من المياه الذي تكون على مدار آلاف السنين الأسبوع الماضي، عندما ضربت أخيراً مستودع مياه بردى، وتسببت في ضررٍ بالغ للمستودع ذاته. إذ انخفضت معدلات المياه بالمستودع بمقدار الثلث، فحرمت مدينة دمشق، أكبر مدن سوريا، من مصدرها الرئيسي للماء. ولا زالت دمشق تواجه أزمةً مستمرة في المياه بدأت منذ أسبوعين.

من غير الواضح كيف يمكن تعويض مخزون مياه دمشق، أو إن كان هذا التعويض ممكناً. وعلى الرغم من وضع سلطات النظام مضخات للمياه في أحياءٍ بعينها، فإنَّ هذا ليس حلاً دائماً على المدى الطويل. الأمر الأكثر احتمالاً أنَّ دمشق بكل بساطة لم يعد لديها ما يكفي من المياه لهذا العدد من السكان، كما كان الأمر سابقاً. هذا يعني، بكل بساطة، أنَّ العديد من الدمشقيين سوف يفرون، ما سوف يؤدي إلى خلق المزيد من اللاجئين. أيضاً سيسمح هذا للنظام بأنَّ يقلل عدد سكان المناطق المتمردة تاريخياً عن طريق تقييد وصول الماء إليهم.

إنَّ تخريب مصدر المياه لأكثر المدن سكاناً في بلدٍ ما أمرٌ لا يقوم به إلا نظام مختل متعطش للسلطة، وكل ذلك من أجل هزيمة 10 قرى صغيرة، كانت بالفعل، وبكل صراحة، على شفا الهزيمة. لكن الآن مع حصار قوات النظام، فإنَّ النتائج ستصبح أخطر بكثير.

استمرار القصف على وادي بردى يهدد بتدمير نبع المياه بالكامل، وقد يؤدي إلى جعل معظم دمشق غير صالحة للعيش. والسكان المحليون، المحاصرون منذ أكثر من عام، والمسلحون بأسلحةٍ خفيفة فحسب، لن يمكنهم الصمود كثيراً. وفي مقابل هذه القوة النارية الهائلة، فإن المسألة مسألة وقت فحسب قبل سقوط وادي بردى، كما سقطت بلدات الزبداني، ومضايا، ونتج عن سقوطهما مشاهد مروّعة لمجاعاتٍ جماعية.

وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه روسيا وإيران وتركيا الأسبوع الماضي، فإنَّ الآلة الدعائية لنظام الأسد تبرر استمرار الهجمات على وادي بردى بادعاءاتٍ مفادها أنَّ فتح الشام، التي كانت جزءاً من تنظيم القاعدة، والمستثناة من وقف إطلاق النار، موجودة في وادي بردى.

ويأمل النظام، وحلفاؤه على الأرض، إيران وحزب الله، في استخدام هذا الأمر كذريعةٍ للسيطرة على وادي بردى، الذي يمثل آخر جيوب المعارضة بين دمشق والأراضي التي يسيطر عليها حزب الله في لبنان.

لكنَّ المعروف أنَّ وادي بردى يسيطر عليه السكان المحليون الذين حملوا السلاح، ولا زال القصف مستمراً حتى على الرغم من تصريح منظمات المجتمع المدني المحلية الأسبوع الماضي، الذي أوضحت فيه أنه ليس هناك وجود لمقاتلي فتح الشام في المنطقة.

ويطالب السكان المحليون بالسماح للأمم المتحدة بدخول وادي بردى، لتقديم المساعدات الإنسانية، وأيضاً يطالبون بالبقاء في منازلهم وعدم تهجيرهم منها قسراً، والسماح لأطقم الصيانة بالدخول للمنطقة لإصلاح نبع المياه.

التصرف المثالي في حالةٍ كهذه هو أن يتحرك المجتمع الدولي لإنقاذ أهل وادي بردى ونبع المياه من الدمار الوشيك. أما عملياً، فإنَّ هذا الخيار استبعده الرئيس الأميركي أوباما منذ زمنٍ طويل. ومن ثم فالأمر الآن يقع على عاتق روسيا، التي ترغب في تقليص تدخلها في سوريا، على الرغم من تحملها لوزر دماء آلاف المدنيين السوريين، إذ يتعين عليها تحديد مدى استدراجها من قبل طموحات حلفائها، نظامي الأسد وإيران، الراغبين في تحقيق انتصارٍ عسكري كامل وساحق.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.