"شعرتُ بأن حياتي توقفت هنا".. هكذا تلقى صحفيو جريدة "السفير" اللبنانية خبر إغلاقها

تم النشر: تم التحديث:
ASSFYR
social media

مع تغير منظومة العمل الصحفي في الآونة الأخيرة عربياً وعالمياً، وتحول معظم الصحف الأجنبية تحديداً إلى الصحافة الإلكترونية والتخلي عن الصحف الورقية، سلكت صحيفة السفير اللبنانية طريقاً مغايراً.

الصحيفة اللبنانية، التي تعد إحدى أعرق الصحف اللبنانية، أقفلت تماماً، ولم تترك مساحة تعبيرية إلكترونية لأبنائها، مخلفة وراءها الكثير من المشاكل، أبرزها مشكلة إيجاد فرص عمل لأكثر من 150 موظفاً.

في نهاية عام 2016، أصدرت صحيفة السفير نسختها الورقية الأخيرة، لتعود يوم الأربعاء 4 يناير/كانون الثاني لتصدر النسخة الوداعية، ناسفة بذلك أي أمل للعودة.

ولقد خلف هذا الإقفال معضلة للعديد من الصحفيين الذين سيبدأون مجدداً بالتنقيب عن عمل ملائم يحاكي طموحاتهم وحريتهم في التعبير.

تقول الصحفية في قسم المحليات زينة برجاوي، في حديثها مع "هافينغتون بوست عربي"، إنها لم تتلقّ في حياتها خبراً سيئاً كخبر توقّف "السفير" عن الصدور.

وأضافت: "يصعب تصديق هذا الخبر.. أولاً، أنت أمام إقفال صحيفة عريقة ومن أهم الصحف العربية. لم أتوقع يوماً أن يكون مصيرها كذلك، حتى إنني لم أتوقع نفسي خارج (السفير)".

وتقول إنها بكت الصحيفة بحرقة قلب كبيرة، "أشعر بأنها ستعود يوماً وأتمنى ذلك. أشعر بإحباط كبير وكأن الصحافة المكتوبة إلى زوال، كيف لا و(السفير) غابت عن قرائها!".

وعلى الصعيد المهني، شعرت برجاوي بأن حياتها توقفت هنا، "(السفير) خرَجت أهم الصحفيين وتعلمنا منها الكثير، أسأل نفسي أين سأكون غداً؟! على الرغم أنه من الصعب أن أوقّع اسمي على مقال خارج (السفير)".


المستقبل بعد الإقفال


وعن مستقبلها بعد الإقفال، أجابت برجاوي: "كوني خريجة (السفير)، لا أخشى على نفسي من عدم إيجاد فرصة عمل مماثلة، وأحاول أن أكون طموحاً لأحمل معي خبرتي إلى مكان آخر".

وأوضحت أن الحياة لم تتوقف هنا؛ بل يجب المثابرة والاستمرار والتطلع إلى مستقبل أفضل بعد "السفير"، "أنا شخصياً لن أتوقف عن الكتابة، وأتمنى أن أكون في مكان شبيه بـ(السفير) قريباً، وأعود إلى القراء في أسرع وقت".

وبالتطرق إلى المستحقات المادية، أكدت برجاوي أن الإدارة تعمل على دفع جميع المستحقات، لتحصيل حقوقنا كافة، "نحن في هذه الصحيفة لم نعش الذل يوماً؛ بل على العكس لطالما كنا نحصل على رواتبنا في نهاية الشهر، ولم نشعر يوماً واحداً بأن الصحيفة تعاني ضيقاً اقتصادياً. عند إعلانه خبر غلق الصحيفة، أكد لنا الناشر طلال سلمان أولاً، أنه سيدفع جميع المستحقات".

وعن أملها في احتمال عودة الصحيفة إلكترونياً، قالت: "الأمل موجود دائماً، لكن طلال سلمان هو الذي أطلق الجريدة وهو الذي أصدر قراراً بإقفالها. أعتقد شخصياً أنه لن يتراجع عن قراره يوماً، وعودة (السفير) إلكترونياً تعني إعادة إحيائها من جديد، وأستبعد هذا الأمر، وإلا فلم يكن ليقرر إقفالها من البداية".


قرار الإقفال اتخذ قديماً


ولم يأت قرار الإقفال فجأة؛ بل أقدم الناشر ورئيس تحرير الصحيفة، طلال سلمان، على طرح فكرة الإقفال منذ شهر مارس/آذار 2016، وتحولها إلى موقع إلكتروني، ليفاجأ بعد ذلك أكثر من 150 موظفاً، ما بين محررين وكتاب ورؤساء أقسام ومخرجين وإداريين، بخبر إقفال الصحيفة بالكامل حتى الموقع الإلكتروني.

وقال سلمان: "بمرارةٍ وأسف، أُعلن خبر الوفاة، لكن تمهّلوا علينا لإجراء مراسم التشييع".

وأضاف أن الجريدة وموقعها الإلكتروني سيتوقّفان نهائياً عن الصدور اعتباراً من 31 مارس، ملقياً باللائمة على تراجع عائدات الإعلانات والانقسامات الطائفية والمذهبية في لبنان والعالم العربي.

حالة من الهلع أصيب بها العاملون ووقفوا حائرين منتظرين مستقبلاً مجهول المعالم، لكن قبل أيام من موعد الإقفال أطلّ سلمان ليؤكد أنّ الجريدة مستمرة؛ وذلك بسبب "كمية العواطف الهائلة التي أحاطنا بها الرأي العام اللبناني، فرأينا أن نستمر ويتحمّل بعضنا بعضاً ولو كانت مدة الاستمرار شهراً أو شهرين"، نافياً حينذاك تلقيه أي مبلغ مالي؛ من أجل الاستمرار.

لكنه قام بخفض عدد صفحات الجريدة في ذلك الوقت من 18 صفحة إلى 12 صفحة كبديل مؤقت للإغلاق النهائي للصحيفة وتوقّفها عن الصدور.

واستمرت الصحيفة، المقربة من جماعة حزب الله الشيعية، عن الصدور، رافعة شعار "صوت الذين لا صوت لهم" إلى أن أصبحت على الحضيض، فقرر سلمان مجدداً الإقفال ولا عودة هذه المرة.


تاريخ عريق


انطلقت "السفير" لأول مرة عام 1974، وكانت الصحيفة اللبنانية الوحيدة التي لم تتوقف يوماً واحداً خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، رغم أن توزيعها كان محصوراً، بفعل الحصار الإسرائيلي، في شوارع العاصمة، و‫تحولت على مدى نحو 43 عاماً إلى رمز ثقافي من رموز العروبة وحظيت بمكانة عزيزة في نفوس كل المؤمنين بوحدة الأمة العربية.


تعرّضت الصحيفة للتوقف عن الصدور في 3 مناسبات بقرارات صادرة عن الحكومة اللبنانية، كان آخرها عام 1993 حين صدر قرار قضائي بتعطيل الجريدة عن الصدور لمدة أسبوع بتهمة "نشر وثيقة تتضمن معلومات يجب أن تبقى مكتومة؛ حرصاً على سلامة الدولة".

وقد لقي القرار اعتراضات واسعة، وحظيت "السفير" بتضامن شعبي من مختلف التيارات السياسية في مواجهة القرار، تم في إثره تعديل قانون المطبوعات، فمُنع تعطيل الصحيفة قبل صدور الحكم بالإدانة، كما مُنع توقيف الصحفيين احتياطياً.


ردود الفعل


‫ وتوالت ردود الفعل على قضية إقفال "السفير"، وأجمع القارئ والمنافس والخصم على أن إقفالها يهدد الثقافة في لبنان والوطن العربي، وهو ما عبر عنه رئيس اللقاء الديمقراطي وليد جنبلاط، عبر حسابه على تويتر.

حتى إن صحيفة هآرتس الإسرائيلية اعتبرت "السفير" من أهمّ الصحف الناطقة باللغة العربية التي تصدر في لبنان، وكانت معروفة بموقفها المؤيّد لسوريا، ويشتبه في أنّ النظام السوري كان يموّلها.

وأشارت إلى أنّ سلمان أرجع إقفال الصحيفة إلى أسباب مالية، لفتت إلى أنّه "وعلى عكس الصحف اللبنانية الأخرى التي تمتع بدعمٍ سياسي أو مساعدات من حكومات عربية، فـ(السفير) لم يكن لديها قاعدة تمويل ثابتة"، كما قالت إنّ الأزمة زادت مع مواجهة النظام السوري -الذي يرجّح أنّه كان يمدّ الصحيفة بالتمويل في الماضي- لصعوبات مالية".


تفشي أزمة الإعلام


إن إغلاق السفير فتح الأعين على أزمة الإعلام في لبنان، فقد أبلغت إدارة جريدة النهار رسمياً قسماً كبيراً من العاملين لديها، ومن بينهم صحفيون عريقون قرارات بإنهاء خدماتهم، بعدما تسببت الأزمة المالية التي تعانيها في توقفها عن دفع رواتب العاملين لديها منذ 15 شهراً.

وأصدرت نقابة محرري الصحافة اللبنانية، بعد توقف "السفير"، بياناً شديد اللهجة حمّلت فيه الحكومة اللبنانية مسؤولية معالجة الأوضاع التي وصل إليها الإعلام والعمل على وقف هذه المجزرة في حق الإعلاميين اللبنانيين والعاملين في القطاع والذين يقدر عددهم بأكثر من 10 آلاف.

وأعلنت النقابة ترحيبها بعرض واقع الإعلام خلال اجتماع عقد بين رئيس الجمهورية ميشيل عون ووزير الإعلام، وأمل البيان: "في تحرك سريع جداً يتناسب والتطورات الحاصلة لوقف إقفال المؤسسات الإعلامية أو صرف عدد كبير من العاملين فيها".

ولا بد من الإشارة إلى أن صحافة لبنان، ولا سيما في العهد الحديث، تندرج في خانة الصحافة الليبرالية التي لم تكن يوماً صحافة مموّلة من الدولة؛ بل تموّلها وتُحدّد موازنتها وتغطي عجزها وترعاها توجهاتها السياسية، إلى أن أُطلق عليها مؤخراً صحف المال السياسي، وهي تعود لعائلات وأفراد وتنطق بلسان صاحبها ومحسوبة في غالبيتها على الطائفة التي ينتمي إليها، وتعكس مشاريع سياسية تحتدم أحياناً وتتناغم أحياناً أخرى، فضلاً عن الصحافة الحزبية التي تنطق بلسان أحزابها.