بعدما أدانه القضاء بقتل فلسطيني.. هكذا كشفت جريمة جندي إسرائيلي عن تناقضات يعاني منها المجتمع

تم النشر: تم التحديث:
S
س

لا يزال يوجد في إسرائيل قضاة نزهاء، لا يتأثرون بضغوط السياسيين الشعبويين ولا بالمناخ السائد بالبلاد، والرأي العام المتعصب في الشارع أو في قاعة المحكمة.

فقد قام القاضي مؤخراً، وبحسب ما ذكرت صحيفة sueddeutsche الألمانية، بإدانة جندي في جيش الاحتلال الإسرائيلي بتهمة القتل العمد، بعد أن قام في آذار/مارس الماضي بقتل الفلسطيني عبدالفتاح الشريف في الخليل بينما كان جريحاً وممدداً في الأرض، بزعم أنه كان يريد شن هجوم على الإسرائيليين.


قتل بدم بارد


وقد أظهر تسجيل الفيديو بما لا يدع أي مجال للشك أن الجندي الإسرائيلي قام بقتل الفلسطيني بكل هدوء وبدم بارد، موجهاً له رصاصة على مستوى الرأس.

وهي جريمة واضحة المعالم، ولم يكن أمام القاضي من خيار سوى إدانة الجندي. إلا أن أبعاد القضية لم تنته عند هذا الحد، حيث لا تزال عديد الأسئلة عالقة ودون إجابة، حتى بعد إدانة الجندي في المحكمة الإسرائيلية.

خلال سير هذه المحاكمة، تجاوزت الأمور حد المعقول في إسرائيل - بحسب الصحيفة الألمانية - وأصبح مصير الرقيب إيلور أزاريا، البالغ من العمر 19 سنة، محط اهتمام الرأي العام، حتى قال بعضهم إن مصير هذا الشاب هو مصير دولة الاحتلال الإسرائيلي ككل. وهذا ما يطرح أسئلة عديدة حول أخلاقيات هذا الجيش وهذا البلد، والقيم التي يريد تبنيها في المستقبل.

هذه القضية، وبحسب sueddeutsche الألمانية، فضحت بشكل واضح الشقوق والتناقضات التي يعاني منها المجتمع الإسرائيلي، وقد برزت هذه المشاكل الآن أكثر من أي وقت مضى، حيث إنها لم تكن بارزة في السابق حين كان هنالك صراعات كلاسيكية وواضحة بين اليمين واليسار أو بين النخبة من اليهود الأشكيناز ضد اليهود السفرديين الذين يعانون من التهميش.

s

حتى في تلك الأوقات كانت هنالك نقطة التقاء بين كل هؤلاء الفرقاء، وهو الجيش الذي مثل رمز وحدة للمجتمع الإسرائيلي، وكان منزهاً عن كل الشكوك والانتقادات.

ولكن اليوم تغيرت الأمور؛ فهذا الجندي الذي أدانته المحكمة العسكرية بتهمة القتل العمد، لا ينظر إليه الإسرائيليون على أنه مجرم، بل يعتبرونه بطلا، وهذا لا يكشف فقط عن تآكل القيم والمبادئ في دولة الاحتلال الإسرائيلي، بل يكشف أيضاً عن تآكل هذه المؤسسة العسكرية التي كانت في السابق محل فخر الإسرائيليين.


المحكمة تتمسك بالقيم التي خانتها الحكومة


هذه القضية أظهرت الهوة الواسعة بين الشعب وقيادات الجيش الإسرائيلي، وقد تعمقت الأزمة في أروقة الحكومة عندما أدان قائد الأركان في الجيش الإسرائيلي غادي إيزينكوت ووزير الدفاع موشي يعلون هذه الجريمة التي ارتكبها الجندي بدم بارد، واعتبروها خطأ جسيماً، إلا أن القيادات السياسية امتنعت عن إدانتها وفضلت تجاهل هذا الأمر.

وقد عبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن هذا الموقف غير الأخلاقي من خلال تضامنه مع هذا الجندي القاتل، وتوجيه رسالة إلى عائلة الرقيب أزاريا بأكملها.

أما وزير الدفاع موشي يعلون فقد تم إخراجه من منصبه في الجيش، وتعويضه بأفيغدور ليبرمان الذي حاول إظهار نفسه كأكبر مدافع عن هذا الجندي وتبنى خطابا يدور حول محاربة الإرهاب، وهو ما يشير إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي أصبحت لا تخجل من تحقيق أهدافها بكل الطرق.

ويبدو واضحاً أن هذا الخيار الذي انتهجه أغلب السياسيين في إسرائيل يصبّ في مصالحهم الشخصية خاصة فيما يخص الحسابات الانتخابية، لكنه يبقى رغم كل شيء موقفاً غير مسؤول وخطير أيضاً؛ لأنه يعبر عن عدم احترام للقيم الدستورية التي تدعي إسرائيل تبنيها، ويهدد بدفع البلاد أكثر نحو العزلة، لأن الكثير من الدول، حتى تلك التي كانت الأكثر قرباً من إسرائيل، لم تعد مستعدة للذهاب في هذه الطريق وتحمل كل هذه الجرائم.

ويمكن اعتبار أن المحكمة العسكرية في تل أبيب بعد إعلانها لهذا الحكم؛ قد أعلنت أيضاً حكمها على حالة الانحطاط السياسي والانحدار الأخلاقي الذي تشهده الدولة والمجتمع الإسرائيلي.

ولكن في المقابل يواجه الجيش الإسرائيلي على المدى الطويل مهمة شاقة متمثلة في الدفاع على البلاد من الأخطار الكثيرة التي تواجهها، بالإضافة إلى مواجهة الظاهرة التي تنخر إسرائيل من الداخل وهي غياب القيم والمبادئ.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة sueddeutsche الألمانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.