حلم المنطقة الحرة يداعب الغزيين مجدداً.. هل تغني البضائع المصرية القطاع المحاصر عن إسرائيل؟

تم النشر: تم التحديث:
RAFAH BORDER
معبر رفح | Ibraheem Abu Mustafa / Reuters

في ظل التحسن البطيء في العلاقات بين القاهرة وحركة حماس التي تحكم قطاع غزة، يشهد معبر رفح البري الذي يربط بين القطاع ومصر تسهيلاتٍ ملحوظة من الجانب المصري في مجال توريد عدد من البضائع التجارية إلى غزة، دون خضوعها للجمارك والإجراءات الضريبية التقليدية الخاصة بالسلطة الوطنية الفلسطينية.

وكشفت وثائق حصلت عليها "هافينغتون بوست عربي" من مصادر فلسطينية، احتواء البضائع التي يتم توريدها من مصر إلى غزة على مئات الأصناف من البضائع، التي تندرج تحت ما يزيد عن 50 قطاعاً، من أهمها القطاعات التجارية والصناعية الحيوية التي تنشط في القطاع.

وتأتي المشتقات البترولية "الوقود" في الترتيب الأول لهذه السلع الموردة للقطاع، حيث إن كافة القطاعات بغزة تعتمد عليه، فيما تحل تجارة السيارات الترتيب الثاني، نظراً لكثرة الطلب عليها في أسواق غزة، وتأتي تجارة الحديد بمختلف أصنافه في الترتيب الثالث للبضائع الموردة من مصر، لاسيما أن عمليات البناء تعتمد بشكل أساسي على هذا النوع.



rafah border


السيارات


يصف قائمون على تجارة المركبات عملية إدخال شحنة من السيارات قوامها 40 سيارة من نوع تويوتا لقطاع غزة عبر معبر رفح بتطور إيجابي ملحوظ على مستوى العلاقات التجارية بين قطاع غزة ومصر، لاسيما أن دخول هذه المركبات للمرة الأولى عبر معبر رفح، جاء في أعقاب اللقاءات التي استضافتها مصر خلال الشهرين الماضيين مع وفود تمثل فئات مختلفة من مجتمع قطاع غزة.

ويتوقع مالك شركة جراند موتورز المستوردة للسيارات المذكورة، مؤمن أبو رأس، انخفاض أسعار السيارات في قطاع غزة حال استمرار توريدها عبر معبر رفح، لافتاً إلى أن أسعار سيارات التويوتا التي تم توريدها تتراوح ما بين 30 ألف دولار إلى 38 ألفاً، بينما سعرها السائد يصل لنحو 50 ألف دولار ولا يتم استيراد هذا النوع عبر معبر رفح.

ويؤكد أن استيراده للسيارات عبر معبر رفح ومن خلال الشركة الرئيسية المستوردة "مالتي تريد" لا يؤثر بأي حال على نشاط شركته التجاري المتعلق بمواصلة استيراد السيارات عبر معبر كرم أبو سالم الذي يربط غزة بإسرائيل.



rafah border

وأوضح مدير شركة جراند موتورز، أن شحنة السيارات التي أُدخلت عبر معبر رفح ستخضع للرسوم الجمركية التي تحصلها وزارة المالية في غزة بنسبة 25%، لافتاً إلى أن عملية الاستيراد من مصر تمت بشكل رسمي، وحصلت على التراخيص والموافقات الرسمية المصرية والفلسطينية في غزة.


أجواء إيجابية


من جهته، يرى المختص في الشأن الاقتصادي معين رجب، أن جملة التسهيلات الأخيرة التي اتخذتها مصر مع قطاع غزة، تدل على توجهات إيجابية مصرية تجاه القطاع، لإدخال المزيد من البضائع التي لم تدخل غزة من قبل.

ويقول رجب لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن فتح معبر رفح لأكثر من مرة وإدخال سيارات للقطاع، مؤشرات إيجابية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي في غزة، معرباً عن أمله أن ينتظم إدخال تلك البضائع بشكل مستمر ومنتظم.

وتشكل تلك الإجراءات، بحسب رجب، سيناريو جديداً لغزة، يدعم الوضع الاقتصادي، خاصة إذا تم إدخال مواد أخرى في مختلف المجالات، ومواد بناء، متوقعاً أن تشهد غزة "انفراجة اقتصادية قريبة".

ويرجح رجب تطور العلاقات مع مصر بشكل أكبر، بحيث تسمح بإدخال كميات أكبر من مواد البناء، وقد يصل الأمر إلى إعادة ترميم مطار العريش، للمساهمة في تسهيل حركة المسافرين من غزة للخارج، بالإضافة إلى تقليل معدلات البطالة، وتحسين أوضاع المواطنين الفلسطينيين في غزة.

ويتوقع رجب إقامة مشاريع اقتصادية مشتركة بين الجانبين الفلسطيني والمصري، التي بدورها ستغني عن البضائع الإسرائيلية.

ويقول المحلل الاقتصادي: "إن التجارة مع مصر من شأنها تقليل تكلفة النقل، خلافاً لما يجري في معبر كرم أبو سالم مع إسرائيل، إضافة إلى أنها تحسن شروط التبادل التجاري"، مشيراً إلى أن جميع هذه التسهيلات تلقي بظلالها الإيجابية على التاجر والمستهلك الفلسطيني".


انتعاش


سامي أبو عيدة صاحب أكبر مصنع لمواد البناء في غزة، كان يمني نفسه يومياً بفتح منطقة تجارية تربط بين مصر وغزة، حتى يتسنى له إدخال كافة المواد اللازمة للإنشاءات، الأمر الذي يخفف من وطأة الحصار الذي منع دخول غالبية تلك المواد خلال السنوات العشر الماضية.

ويعد الإسمنت من أكثر المواد ندرة في غزة خلال الفترة الماضية، بالإضافة إلى ارتفاع أسعاره عشرة أضعاف.

ويقول أبو عيدة لـ"هافينغتون بوست عربي" وهو يتحدث من داخل مصنعه الواقع شرقي غزة، الذي بدأ ينتعش بعد إدخال الإسمنت إلى غزة من مصر: "إن إدخال الإسمنت ومواد البناء من مصر عبر منطقة تجارة حرة تقام في معبر رفح البري يسهل علينا الأمور كثيراً، وينعش الاقتصاد المحلي بصورة غير مسبوقة، فالإسمنت المصري نحصل عليه بسعر أقل من نصف ثمن الإسمنت الذي يدخل عبر المعابر الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية".

وتشهد شركة أبو عيدة للباطون الجاهز، منذ دخول الإسمنت المصري إقبالاً من قبل أعداد كبيرة من المواطنين الغزاويين للحصول على هذه السلعة النادرة في القطاع المحاصر من أجل إعادة إعمار منازلهم المدمرة، وإكمال البيوت التي توقف إنشاؤها منذ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة صيف 2014.


المنطقة الحرة


ويعاني سكان قطاع غزة، البالغ عددهم نحو مليوني نسمة، أوضاعاً اقتصادية متردية بسبب الحصار المستمر منذ أكثر من 10 سنوات، وتشير تقارير رسمية صادرة مؤخراً عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين التابعة للأمم المتحدة "الأونروا"، أن 80% من سكان القطاع يعتمدون على المساعدات الإنسانية لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

وأمام هذه الحقائق القاسية، يأمل سكان القطاع من خلال إقامة المنطقة التجارية الحرة مع مصر تحسين ظروفهم المعيشية، علماً أن الدراسات الفلسطينية تتوقع في حال تم إقامة المنطقة التجارية الحرة انخفاض نسبة البطالة في قطاع غزة لتصل حدود الـ20% في مدة لا تزيد عن عامين.

ويأمل علي كساب، صاحب شركة استيراد وتصدير، إقامة منطقة تجارة حرة مع مصر، لتخليص الاقتصاد الفلسطيني من التبعية للاحتلال الإسرائيلي، وتحقيق منفعة اقتصادية متبادلة بين مصر وفلسطين، يكون عمقها عربياً إقليمياً، حسب قوله.

ويقول كساب: "إن إقامة المنطقة التجارية الحرة ستحوّل معبر رفح من ميناء بري لتنقل المسافرين، إلى منفذ تجاري يمكن أهالي غزة من الحصول على احتياجاتهم الأساسية، بمعزل عن تحكم الاحتلال في كمية ونوعية البضائع التي تدخل إلى القطاع".

حالة التفاؤل التي بدت على حديث كساب، دخلت نفوس العديد من المواطنين في غزة، الذين يستبشرون خيراً من الإجراءات والتسهيلات المصرية التي سيشهدها معبر رفح البري خلال الفترة المقبلة، من زيادة أعداد المسافرين، وإدخال مواد وبضائع ضرورية إلى غزة.

ويأمل المواطن سعيد درابية في إقامة أول منطقة تبادل تجاري حر في غزة، لتتحسن ظروف السكان، وخاصة فئة العمال، الذين خسروا مصادر رزقهم بفعل إغلاق الاحتلال الإسرائيلي لمعابر غزة التجارية.

ويقول درابية الذي كان يعمل في مجال البناء داخل إسرائيل أو ما يعرف بالخط الأخضر "منذ عام 2005 لم أتمكن من الحصول على أي فرصة عمل، فإغلاق المعابر حرمني من مهنتي الوحيدة داخل الخط الأخضر، كما أن ظروف غزة سيئة للغاية، وفرص العمل متدنية فيها، بالإضافة إلى أن أزمة إدخال مواد البناء، جعلت من توفر فرصة عمل مناسبة لي مهمة شبه مستحيلة".

ويضيف: "إقامة منطقة التجارة الحرة ستوفر فرص عمل متعددة لآلاف الأيدي العاملة الغزاوية، بالإضافة إلى أن إدخال المواد والبضائع سيسهم في إنعاش الحركة الاقتصادية للعديد من القطاعات الحيوية المتعطلة منذ أكثر من 10 سنوات".