كشف حساب أوباما: إرث الرئيس الأميركي خلال 8 سنوات.. الوعود والقصور والمعارك القادمة

تم النشر: تم التحديث:
OBAMA
Carlos Barria / Reuters

في منتزه غرانت في شيكاغو، بعد فوزه بالانتخابات الرئاسية يوم الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2008، نظر باراك أوباما إلى وجوه الحاضرين، الذين قُدِّر عددهم بـ240 ألفاً، الذين جاؤوا للاحتفال بتلك الليلة التاريخية.

كان الملايين من الناس في العالم يشاهدون التلفاز في هذا الوقت، وقد تحمَّس الكثيرون منهم، بدرجاتٍ متفاوتة، لشعار حملة أوباما "نعم نستطيع"، ولمشاركة رسالته المتفائلة، التي، وإن لم تكن في النهاية على مستوى التوقعات، كانت قويةً بما يكفي ليفوز أوباما بولايةٍ ثانية عام 2012، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وبينما يستعد دونالد ترامب لخلافة أوباما في رئاسة الولايات المتحدة آخر شهر يناير/كانون الثاني، وهو الأمر الذي لم يكن الكثيرون ممن شاركوا في تلك الليلة الصاخبة في شيكاغو يتوقعون حدوثه، طلبنا من كُتّاب الأخبار المتخصصين في الشأن الأميركي في صحيفة "الغارديان" البريطانية أن يُقيِّموا فترة رئاسة أوباما: ما الإنجازات التي حققها في المجالات الرئيسية المتنوعة، وهل ستصمد؟

الاقتصاد
obama

بعد ثماني سنوات من تنصيب أوباما رئيساً، وصلت سوق الأوراق المالية في أميركا مستوياتٍ قياسية، وانخفضت نسبة البطالة إلى 4.6%، وهي أقل نسبة بطالة شهدتها الولايات المتحدة الأميركية على مدار العقد الأخير، وارتفعت أسعار المنازل بنسبة 23%، بعدما تعافت من كبوتها الضخمة التي يذكرها الجميع.

بهذه المقاييس، يمكن للولايات المتحدة أن تحتفي بالسجل الاقتصادي للرجل الذي ورث أسوأ فترة ركود حدثت منذ الكساد الكبير. ومع ذلك، انتُخب خلفه ترامب اعتماداً على موجةٍ من الشعبوية الاقتصادية، وبناءً على وعدٍ بـ"جعل أميركا عظيمةً ثانيةً"، وهو ما يوحي بأنَّ أعداداً غفيرة من الناس لم تشعر بتغييرٍ يمكن لهم تصديقه رغم كل هذه الأرقام الوردية.

حين نُصِّب أوباما رئيساً في يناير/كانون الثاني من عام 2009، كانت نسبة البطالة 7.6%. وحين أدى الركود الاقتصادي إلى فصل العديد من الناس من وظائفهم ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى 10% في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته.

ومع أنَّ أوباما يمكنه أن يفتخر بتوفير 11 مليون وظيفة خلال عهده، تُشير إحصائياتٌ أخرى إلى أحد الأسباب التي جعلت الناس يريدون التغيير، وهو أنَّ مُعدل مشاركة القوى العاملة، وهو عدد الناس الذين يعملون أو الذين يبحثون عن عمل، قد انخفض انخفاضاً لم يحدث منذ سبعينات القرن الماضي. والسبب في هذا الانخفاض كان موضوعاً شهد الكثير من الجدل. رُبما يكون السبب هو التركيبة السكانية، أو وصول الكثيرين لسن التقاعد، أو ربما يكون الناس قد تخلَّوا عن أملهم في أن يجدوا عملاً مناسباً. حدث معظم الانتعاش التوظيفي في قطاعَي الخدمات والصحة، لكن ما زالت الوظائف الصناعية تختفي بسبب المشروعات الأميركية التي تُقام خارج البلاد، أو بسبب حلول الآلات محل البشر في هذه الوظائف. ونتيجةً لهذا، ظلَّت نسبة نمو الأجور بلا زيادة خلال عهد أوباما.
obama

تجنَّب الاقتصاد الأميركي موجةً أخرى من الخراب في عهد أوباما، لكنَّ النمو كان هزيلاً. لكن تجدر الإشارة إلى أنَّ الاقتصاد، بعدما تعافى من الأزمة الاقتصادية، صار أقوى وأسرع من نظرائه في أوروبا، وذلك بعد تجنُّب إجراءات التقشُّف التي كانت شائعةً هناك. ومنع أوباما أيضاً احتمالية حدوث أزمة كبرى جديدة في القطاع المالي بوضع قواعد صارمة جديدة من خلال فرض قانون "دود-فرانك" لإصلاح "وول ستريت" وحماية المستهلِك.

لكن مع كل هذه الإنجازات الجديرة بالثناء، ترك إرث أوباما الاقتصادي الكثير من الناس شاعرين بأنَّهم غير آمنين، وأنهم لا يتلقون أجوراً كافية. والآن، إذ يَعِد ترامب بتحرير قوى الرأسمالية من جديد، بإلغاء قانون "دود-فرانك" وغيره من القوانين، قد تنتظرنا أوقاتٌ ذات إيقاعٍ أسرع. لكننا جميعاً نعرف ماذا يحدث بعد الكلمات الصاخبة. وربما يكون التاريخ أرحم بإرث أوباما الاقتصادي من الناخبين الأميركيين.

تغيُّر المناخ

obama

في أميركا، يُشار إلى أوباما بكونه "أول رئيس للمناخ"، لكن يبدو أنَّه كان الوحيد الذي اهتم بحمل هذا العبء في آخر مرحلة من فترته الرئاسية. لم يذكُر أوباما تغير المناخ كثيراً في حملتيه الانتخابيتين، لكنه مع خروجه من البيت الأبيض، يُصر على أنَّ العالم لا يواجه تهديداً أخطر من تغير المناخ. واستغل أوباما ما تبقى له من وقت ليعوِّض ما فاته.

كانت آخر قرارات أوباما هامةً جداً. فاتفاق باريس، أول اتفاق عالمي بشأن المناخ، وهو أيضاً أول اتفاق شامل على خفض الانبعاثات الضارة بالمناخ بين 196 دولة، لم يكن ليَتِم لولا مداهنة أوباما للصين للانضمام للاتفاقية. وقد أُبرم هذا الاتفاق ووُقِّع عليه في عامٍ واحد، وإن كان غير مُكتمل بعد. وما زالت المهمة شاقة، ولكنَّ تم التغلب أخيراً على فشل مؤتمري كيوتو وكوبنهاغن السابقين في التوصل إلى أي اتفاق.

محلياً، حاول أوباما أن يفرض نظاماً لتقليل الانبعاثات الضارة بالمناخ، وذلك من خلال منح حوافز اقتصادية، لكنَّه فشل في ذلك، ولجأ بدلاً من ذلك للتنظيم المباشر لعمل محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم. الخطة مُعقَّدة، وما زالت في يد القضاء، لكنَّ إجراءاتٍ تنفيذية أخرى قد نجحت، مثل الحَدِّ من تسريبات الميثان، وتحسين فعالية وقود السيارات، وجعل الهيئات البيروقراطية الفيدرالية الواسعة تأخُذ تغيُّر المناخ بجدية. وأخيراً، ساعدت قوى السوق أوباما بأن قلَّلت تكلفة السولار، وطاقة الرياح، والبنزين، مما ساعد على التعجيل بنهاية استخدام الفحم.

وقبل الكريسماس مباشرةً، فرض أوباما حظراً دائماً على عمليات الحفر الجديدة للبحث عن البترول والغاز في معظم المناطق المائية التي تملكها الولايات المتحدة في المحيطين: المتجمد الشمالي والأطلنطي، وهو إجراءٌ أخير يتَّخذه أوباما محاولاً حماية البيئة، قبل أن يُسلِّم السلطة لترامب.

وقال أوباما، بنبرةٍ شبه مازحة، إنَّه هو الذي يجب أن يُوصف بالرئيس المحافظ على البيئة، وليس تيدي روزفلت، الرئيس الأميركي السابق. إذ حمى أوباما مساحةً تزيد عن مليون كيلومتر مربع من الأرض والمياه، وهذا أكثر مما فعله أي رئيس سابق، وتشمل تلك المساحة المنطقة التي كانت تُعدُّ أكبر محمية بحرية في هاواي.

لكنَّ مشكلاتٍ عويصة ما زالت قائمة؛ فلم تكُن أزمة مياه مدينة "فلينت" إلا مثالاً بسيطاً للتلوث البيئي الذي تفاقم بسبب سنواتٍ من الإهمال. وتتعرَّض المُدن والقرى الأميركية تعرضاً متزايداً للعواصف، والسيول، والجفاف بسبب تغيُّر المناخ، لكن لَمْ يتَّفِق الحزبان، الديمقراطي والجمهوري، بعد على خطةٍ لتجهيز الدولة لمواجهة ذلك، أو حتى للاعتراف بالمشكلة. ولا يمكن أن يُلام أوباما سوى على القليل من هذه المشكلات، لكنَّه كان يستطيع أن يمنع بنك التصدير والاستيراد الأميركي من تمويل مشروعات التنقيب عن الوقود الأحفوري خارج البلاد بهذا الشكل الضخم، وكان يجب عليه أن يفعل ذلك.

ستواجه هذه الإنجازات والإخفاقات تعاملاً مختلفاً تماماً على ما يبدو تحت إدارة ترامب؛ إذ أثار ترامب قلق الخبراء والمنادين بحماية البيئة بالأسماء التي رشَّحها لشغل المناصب الأساسية المعنية بقضية المناخ في إدارته. وهدَّد الرئيس المنتخب بأن يلغي تقريباً كل القرارات التي اتخذها أوباما لمواجهة تغير المناخ، والتي يبدو الآن أنها عُرضةً للهجوم. لا نعرف بعد إلى أي مدى سيصل ترامب ورفاقه الجمهوريون، لكنَّ تغير المناخ، بلا شك، أمرٌ لن يستمتع أوباما بالشماتة في ترامب إذا ما أخفق في التعامل معه.

أوباما كير

obama

كانت الرعاية الصحية، واحتياج الأميركيين لها، قضيةً مِفصلية في حملة الترشح للرئاسة عام 2008. لم يكُن في أميركا نظام رعاية صحية تُديرُه الحكومة؛ لذلك كان مَن لا يملكون تأميناً صحياً تجارياً تحت رحمة نظام الرعاية الصحية الأميركي، الذي يُعدُّ الأغلى في العالم.

تسببت المشكلات الصحية فيما يقترب من نصف حالات الإفلاس. وكان التأمين الصحي لا يغطي مرضى السرطان بعد استنفادهم للحد المخصص لهم من المساعدات. ولم يستطع بعض الناس أن يلتحقوا بوظائف بسبب "إصابتهم بحالات مرضية قائمة من قبل"، من ضمنها حَبّ الشباب. ولم يبدُ التأمين ضد الكوارث قادراً على تغطية الكوارث. وكان الانهيار المالي وشيكاً بالنسبة للكثيرين بسبب المرض.

وذكر أوباما في حملته أنه ينوي تنفيذ برنامج تأمين صحي "شامل"، على أمل أن يوفِّر تأميناً صحياً تتكفل به الحكومة، مثل برامج التأمين الصحي الأخرى في أوروبا. لكن بدلاً من ذلك، وافق الكونغرس على تسويةٍ بين الحكومة وبين قطاع الخدمات الصحية، بأن يشتري الأميركيون تأميناً صحياً، وبالتالي سيستفيد عملاء جُدد من خدمات القطاع. واضطر قطاع الخدمات الصحية إلى التوقف عن بعضٍ من ممارساته الكريهة، مثل وجود حد أقصى للخدمات التي يتلقاها المرضى، ورفض تغطية الحالات الصحية التي بدأت قبل الحصول على التأمين، وبَيع برامج تأمين رديئة لتغطية الحوادث الكارثية.

وفي النصف الأول من فترة حكم أوباما، أقرَّ الكونغرس، الذي سيطرت عليه أغلبية ديمقراطية "قانون الرعاية بأسعارٍ معقولة"، الذي يشتهر باسم "أوباما كير". وهو يُعدُّ أول شبكة أمان اجتماعي منذ أكثر من 50 عاماً. وكان هذا القرار إنجازاً كبيراً يُضاف لإرث أوباما، ووصفه نائب الرئيس جو بايدن بكونه "أمراً بالغ الأهمية".

ووسَّع هذا القانون نظام "ميديكيد"، وهو نظام التأمين الصحي الذي تكفُله الحكومة للفقراء. وفُرضت ضرائب على الأثرياء لتحسين برنامج "ميديكير"، وهو برنامج الرعاية الحكومي المخصص لكبار السن. ووفَّر دعم الدولة للأسواق التجارية الشفافية اللازمة للأفراد وللمشروعات التجارية الصغيرة للمقارنة بين أنظمة التأمين، وشرائها بأسعارٍ مُدعمة. ووفَّرت هذه القرارات مُجتمعةً التأمين الصحي لـ22 مليون أميركي.

ولتغطية تكاليف الدعم الشعبي، يفرض القانون على الأميركيين أن يشتروا تأميناً صحياً، أو يدفعوا غرامة ضريبية، ووسَّع القانون أيضاً من تغطية وسائل منع الحمل للنساء، وهو ما أثار جدلاً. كل هذه القرارات، بالإضافة لتمرير القانون من خلال الكونغرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، أغضبت الجمهوريين.

حاول الجمهوريون إلغاء هذا القانون في المحكمة الدستورية العليا، ومرَّروا العشرات من القوانين لإبطاله، لكن لم تكُن هذه التهديدات يوماً أخطر مما هي الآن. إذ ذَكَر ترامب في حملته أنه سوف يلغي نظام "أوباما كير" ويستبدل به نظاماً آخر، ويتحكم حزبه الجمهوري الآن في الكونغرس والبيت الأبيض. واختار ترامب توم برايس وزيراً للصحة، وهو الرجل الذي عارض نظام "أوباما كير" بشدة حين كان في الكونغرس.

ومع اقتراب مغادرة أوباما لمنصبه، تُظهر البيانات الجديدة أنَّ الناس يُسجِّلون أسماءهم للحصول على التأمين الصحي أكثر من ذي قبل، مع أنَّ النظام الصحي، الذي ساعد في تأسيسه، ما زال غير مكتمل. إذ يتسبب وباء المواد الأفيونية في قتل أكثر من 30 ألفاً كل عام، والأميركيون غاضبون من ارتفاع أسعار الأدوية، وما زالت الشركات تستطيع أخذ آلاف الدولارات من الناس على هيئة مصروفات وخصومات.

لكن لو نفَّذ الجمهوريون وعْدَهم بإلغاء نظام "أوباما كير"، قد يتلقَّى الأميركيون درساً مؤلماً وسريعاً بخصوص الرعاية الصحية.

السياسة الخارجية

كانت سياسة أوباما الخارجية مُكرَّسةً قبل أن تتَّضح معالمها على نحوٍ جليٍ. وقد نال جائزة نوبل للسلام بعد انقضاء تسعة أشهر على بدء رئاسته، في وقتٍ كانت فيه أهم إنجازاته هي خطاباته الطموحة حول الشرق الأوسط وانتشار الأسلحة النووية. وكان من الصعب تنحية الشك في أنَّ الرئيس مُنِح الفوز بنوبل بالأساس لأنَّه لم يكن كجورج بوش.

كان يُعتَقَد أنِّ وجهة نظر أوباما في التعامل مع بقية العالم تناقض من أتوا قبله. واعتمد ذلك بشدة على الاستفادة من درس غزو العراق، أي أنَّ التدخل الأميركي العسكري، الذي تغذِّيه الغطرسة والجهل، يمكنه أن يجعل الأوضاع المشحونة في الخارج أكثر سوءاً.

وإذا كان لمبدأ أوباما عنوان فرعي، كان سيكون: "لا تقوموا بأمورٍ حمقاء". وقد جعل مسؤوليه يردِّدون العبارة نفسها في العشرات من البيانات الموجزة، وفي مناسبةٍ واحدةٍ على الأقل، في رحلةٍ خارج البلاد عام 2014، قيل إنَّ الرئيس جعل صحفيي بالبيت الأبيض يردِّدون الكلمات وراءه، مثل تلاميذٍ في فصلٍ بليد بإحدى المدارس الابتدائية.

وبعد سنوات حكم بوش، كان لتلك الكلمات وقعاً مطمئناً، وباعتبارها مبدأً، كانت لها نجاحاتها.

كان قرار أوباما بالتعامل مع إيران باعتبارها ليست تجسيداً للشر الأوحد، ولكن كمجتمعٍ معقَّدٍ لديه نزعة براغماتية حقيقية، هو ما أفضى في النهاية إلى اتفاق يوليو/تموز 2015 في فيينا (الاتفاق النووي الإيراني)، والذي من خلاله قبلت طهران فرض قيودٍ صارمة على برنامجها النووي، في مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها. ومع أن الظروف وقتها ساعدت كثيراً في التوصل إلى الاتفاق، إذ كان حسن روحاني قد انتُخِبَ رئيساً لإيران في يوليو/تموز 2015، ومع أن الاتفاق ينطوي على بعض نقاط الضعف، ويواجه الكثير من الانتقادات، لكنَّه يظل أحد أهم الإنجازات الدبلوماسية لهذا العصر.

ومثَّل التقارب مع كوبا كذلك على مدار العام الماضي تراجعاً عن "الأمور الحمقاء"، من خلال إنهاء سياسة العزلة التي فشلت في تحقيق هدفها على مدار أكثر من نصف قرن.

ولكن هذه الخطوات لم تكن كافيةً لبناء عقيدة أميركية جديدة في السياسة الخارجية. فمع نهاية عصر أوباما، أصبح هذا الشعار يشكِّل عبئاً، وتحوَّل إلى سببٍ للتردد والجمود في السياسة الأميركية. فبعض الحكومات والقادة قاموا بأمورٍ حمقاء، نابعةً من الغطرسة، والطموح، أو الضعف، دافعين بقية العالم إلى اللجوء لواشنطن. وفي ظروفٍ كتلك، عُدَّ عدم القيام بفعل أيضاً فعلاً في حد ذاته.

راوغ أوباما في التعامل مع الثورة الليبية، فوافق على التدخل، لكن على أن يتولّى "القيادة من الخطوط الخلفية". وتداركاً للأخطاء التي حدثت في العراق، لجأت الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة من أجل الحصول على دعمها للعمل العسكري، لكن لاحقاً، من وجهة نظر موسكو على الأقل، أُسيء استخدام التفويض من خلال السعي لتغيير النظام. وأُطيح بالقذافي، وبعد ذلك، بُذِل القليل من أجل إنقاذ ليبيا من الانزلاق إلى الفوضى.

عكَّر التدخل في ليبيا العلاقة مع روسيا بصورةٍ أكبر، وساهم في التسبُّب في إخفاق مجلس الأمن الدولي في أكبر أزمات حقبة أوباما: الصراع السوري. إذ انخرطت الولايات المتحدة على نحوٍ غير فعَّالٍ في دعم قضية المعارضة، وكانت يدها مغلولةً نتيجة حالة الغموض التي اكتنفت الجماعات التي كانت تتعامل معها. والأمر الأكثر كارثيةً كان وضع الرئيس "خطاً أحمر"، يقضي باستخدام القوة العسكرية في حالة استخدام النظام السوري الأسلحة الكيماوية، ثُمَّ بعد ذلك لم يفِ بتحذيره النهائي هذا عندما قصف بشار الأسد شعبه بالأسلحة الكيماوية في أغسطس/آب 2013. وقد أدَّى التراجع فعلاً إلى التخلُّص من معظم الترسانة الكيماوية السورية، لكنَّه جعل الأسد أكثر جرأة، وترك فراغاً ملأه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب تبعاتٍ مُهلِكة طالت الشعب السوري.

ومع خسائر في الأرواح تُقارب نصف المليونٍ، تُخيِّم ظلال سوريا على إرث أوباما في السياسة الخارجية، تماماً كما لطَّخت أحداث العراق إرث جورج بوش. فبالنسبة لرئيس الولايات المتحدة، يمكن أن يكون لخطيئة الامتناع عن فعل ما هو ضروري نفس حجم وتأثير القيام بأفعالٍ خاطئة.

الأمن القومي

obama

بعد أن يترك أوباما منصبه بفترةٍ طويلةٍ، سيتجادل الباحثون الأمنيين حول ما إذا كانت أجهزة الأمن هي التي كات تسيطر على الأمور خلال رئاسته، أم أنَّ أجندة أوباما هي التي كانت مصادفةً تتسق مع المصالح البيروقراطية لهذه الأجهزة.

وصل أوباما إلى البيت الأبيض بأجندة الأمن القومي الأكثر ليبرالية منذ الرئيس جيمي كارتر. فقد بنى حملته على إنهاء حرب العراق في تاريخٍ محدَّدٍ، وحظر التعذيب الذي تقوم به وكالة الاستخبارات المركزية، وإغلاق معتقل خليج جوانتانامو، وفتح حوارٍ مع الخصوم التقليديين في الولايات المتحدة. لكن في الوقت نفسه، تعهَّد أوباما بتصعيدٍ في حرب أفغانستان، وانتهاك سيادة باكستان من أجل ملاحقة أسامة بن لادن. وأيَّد توسعاً هائلاً في عمليات المراقبة، في حين كان أقرب مستشاريه لمكافحة الإرهاب له هو جون برينان، المسؤول البارز في وكالة الاستخبارات المركزية في بداية برنامج التعذيب.

قايض أوباما على نحوٍ فعَّالٍ إنهاء حرب العراق في مقابل استمرار الحرب على الإرهاب، الشيء الذي استبعده كلٌ من أنصاره الليبراليين ومنتقديه المحافظين على اعتبار أنَّه لا يتماشى مع صورة أوباما المنقذ الليبرالي، أو أوباما داعية السلام الساذج.

في بدايات رئاسته، أقام أوباما علاقةً هشَّةً مع جنرالاته العسكريين، رغم أنَّه منحهم أكثر مما أخذ منهم. وتلكَّأ أوباما في الانسحاب من العراق، وأمر بإرسال أكثر من 30 ألف جندي إلى أفغانستان. لكنَّه انسحب من العراق في 2011، وهو العام نفسه الذي كان قد قرَّر أن ينهي فيه التصعيد الأفغاني. خرج أوباما من تلك التجربة محبطاً مما اعتبره إرادة المؤسسة العسكرية في دفعه إلى تحقيق أهدافها المنشودة. وكانت لديه خطةٌ بديلة.

فبدلاً عن الحروب البرية المكلفة التي اعتبر أوباما أنَّ الجيش يفضِّلها، تحوَّل إلى الاعتماد على الطائرات بدون طيَّار التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، وشبكة الرقابة العالمية لوكالة الأمن القومي، وكذلك المداهمات السرية، لكن العنيفة، من قيادة قوات العمليات الخاصة المشتركة. وسمح لهم أوباما بالعمل في ظل الحد الأدنى من القيود، موسِّعاً النطاق الفعلي للحرب العالمية على الإرهاب إلى الصومال، واليمن، وباكستان، وليبيا، ومالي، والنيجر، وكذلك النطاق الرقمي لهذه الحرب في جميع أرجاء العالم. وفي حين أعلن أوباما أنَّ "تيار الحرب آخذٌ في الانحسار"، قام بتوسيع نطاقه إلى مزيدٍ من الشواطئ.

ولم تؤدِّ تسريبات وكالة الأمن القومي التي قام بها إدوارد سنودن، ولا حتّى الكشف عن أنَّ غارات الطائرات بدون طيَّارٍ قتلت صبي أميركي يبلغ عمره 16 عاماً إلى الكثير من التراجع. وبنهاية ولايته، كان أوباما قد بارك القيود المفروضة على المجموعة الأكبر من التسجيلات الهاتفية للأميركيين، وفرض قيوداً بسيطةً على غارات الطائرات بدون طيَّار. وفي ظل الأهمية الكبيرة التي احتلتها وكالة الاستخبارات المركزية في استراتيجية أوباما، تردَّد أوباما في محاكمة المتَّهمين بالتعذيب داخل الوكالة، ضارباً مظلَّة دفاعيةً للتستُّر على برنامج التعذيب.

وأرادت وكالات الاستخبارات حرية حركةٍ أكبر حتى من تلك التي وفَّرها لهم أوباما، ويُنتَظَر أن يوفِّر دونالد ترامب لها ذلك. وفيما يتعلَّق بالأمن القومي، مثَّل أوباما، بكل وعوده التقدُّمية، جسراً أكثر منه حاجزاً بين حقبتي بوش وترامب.

الهجرة

سيترك أوباما ورائه إرثاً غامضاً للغاية فيما يتعلَّق بالهجرة، إرثٌ يغاير تماماً اشتهاره بكونه "المُرحِّل الأكبر للمهاجرين"، وذلك بسبب جهوده الحثيثة من أجل تأمين الوضع القانوني لملايين المهاجرين الشباب غير الشرعيين وآبائهم.

أُطلِق هذا اللقب الصادم على أوباما من قِبَل جماعات المهاجرين ومنظمات الحقوق المدنية المستائين من سجله في ترحيل أكثر من 2.5 مليون شخص، أكثر من أية إدارةٍ سابقةٍ. وتُظهِر آخر الأرقام الصادرة عن مركز بيو للأبحاث أنَّ أدارة أوباما حافظت في الآونة الأخيرة باستمرار على معدَّلات ترحيلٍ أعلى بكثيرٍ من معدَّلات عهد جورج بوش الابن.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2014، قدَّم أوباما رؤيته لسلطات الهجرة، متعهِّداً بأنَّ السلطات الفيدرالية ستستهدف المجرمين الخطيرين فقط. وكان شعاره الجذَّاب هو "المجرمون لا الأُسَر". ومع ذلك تشير أرقام مركز بيو إلى أنَّه لم يف بهذا الوعد. وعلى مدار هذا العام في البيت الأبيض، استقرَّت نسبة المُرحَّلين الذين لا يمتلكون أية سوابق جنائية عند 60% تقريباً.

وسيُتَذكَّر أوباما بصورةٍ أكثر إيجابية في أوساط مهاجري البلاد غير الشرعيين، البالغ عددهم 11 مليوناً، بسبب الجهود الحثيثة التي بذلها من أجل توفير وضعٍ قانوني وأوراق عمل للكثيرين منهم، حتى مع أنَّ معارضة الجمهوريين له في الكونغرس منعته من إكمال الطريق نحو منحهم الجنسية. وقد استفاد أكثر من 700 ألف مهاجر "حالِمِ" ممن جاءوا وهم أطفالٌ إلى الولايات المتحدة من برنامج العمل المؤجل للاجئين في مرحلة الطفولة (DACA)، الذي يؤجِّل خطر ترحيلهم لمدة سنتين، ويسمح لهم بالخروج والعمل علناً.

وشجَّع هذا البرنامج على تحقيق طفرةٍ في الانخراط السياسي والثقافي في أوساط الشباب، والمهاجرين اللاتينيين غير الشرعيين، منتجاً شبكةً من النشاط الحقوقي الذي من الممكن أن يكون نقطةً محوريةً هامة في مجابهة ترامب وطموحاته المتشدِّدة في مناهضة الهجرة. ولا يخلو هذا الجانب من إرث أوباما هو الآخر من الصعوبات. فبرنامجٌ شبيهٌ ببرنامج العمل المؤجل للاجئين في مرحلة الطفولة (DACA)، مخصَّصٌ هذه المرة للآباء الحالمين تحت اسم "قانون العمل المؤجل للاجئين الآباء (DAPA)، كان من شأنَّه أن يوسِّع مظلة الوضع القانوني لتشمل خمسة ملايين شخصٍ آخرين، لكنَّه أُعِيق في ساحات القضاء.

قدَّم أوباما كلا البرنامجين من خلال الأوامر التنفيذية بموجب سلطاته الرئاسية. وكان ذلك يعني إمكانية تحرُّكه بسرعةٍ ويسر من أجل تأمين حقوق الأفراد الذين سبق وانعزلوا في الظلام، متجاوزاً الكونغرس. لكنَّ القانونين حملا كذلك في طيَّاتهما بذور دمارهما. فالرئيس المُنتَخب ترامب سيكون قادراً على إلغاء هذه البرامج وإلقائها في مزبلة التاريخ بالسرعة والسهولة نفسها.

الجريمة والعدالة

في منتصف ولايته الثانية، في يومٍ شديدِ الحرارةِ من يوليو/تموز 2015، أعلن الرئيس أوباما، أمام حشدٍ من الحاضرين بالمؤتمر السنوي للجمعية الوطنية للنهوض بالمُلوَّنين (NAACP)، الذي عُقِدَ في فلادليفيا، عن نيته لجعل العدالةِ الجنائيةِ جزءاً رئيسياً من تراثه. ومنذ ذلك الحين، تحوَّلَ الرئيس سريعاً لرعاية مجموعةٍ من المنتديات، وفِرَق العمل، والمبادرات، بالبيت الأبيض، لتحويل طريقة عمل العدالة، من المراقبة الشرطية إلى الملاحقة القضائية إلى الحبس.

كانت وزارة العدل، أثناء فترة حكم أوباما، وتحت توجيه المُدَّعين العامَّين إريك هولدر ولوريتا لينش، قد ابتعدت جذرياً عما كانت عليه في فتراتٍ سابقة قبل أوباما، من حيث الدفع لوضعِ حدٍ لخصخصة السجون في النظام الفيدرالي، والتقليل من ملاحقة جرائم المخدرات، وتفعيل قسم الحقوق المدنية في التحقيق في التعسفات المُحتَمَلة من قِبَلِ الأجهزة الشرطية. على سبيل المثال، أُعلِنَ عن أن سلطات الدولة ستُحقَّق مع اثنتين من وكالات إنفاذ القانون في مقاطعة كيرن بولاية كاليفورنيا، كانتا قد وُصِفتا بأنهما أعنف إدارات الشرطة في الولايات المتحدة، بعد التحقيق الذي نشرته صحيفة الغارديان.

وترجع الكثير من إنجازات أوباما في مجالِ إصلاحٍ نظام العدالة الجنائية إلى تزامن رئاسته مع تحوِّلٍ كبيرٍ في المواقف الداخلية. وكان التوافق العام الذي بدأ يتبلور حول مشكلة الحبس بأعدادٍ كبيرةٍ، قبيل رئاسة أوباما، بمثابةِ دفعة وفرصة كبيرة له. وهكذا أيضاً يمكن اعتبار الصعود الكبير لحركة "حياة السودِ مهمة" على مدار ولاية أوباما الثانية.

ووراء هذا الزخم، يترك أوباما منصبه بعد أن أشرَفَ على أولِ تراجعٍ مستمرٍ في أعدادِ المساجين في نصفِ قرنٍ، كما خفَّفَ عقوباتٍ فيدرالية أكثر من الرؤساء الثمانِ السابقين له مجتمعين. وأنهى أوباما الحبس الانفرادي للأحداثِ في المنشآتِ الفيدرالية بأمرٍ تنفيذي، كما حظر على معظم الوكالات الفيدرالية السؤال عما إذا كان المُتقدِّم للوظيفة مُدانٌ بجريمة، كجزءٍ من حملةِ "Ban the Box" الدولية، التي تدافع عن حقِّ أصحاب السجلات الجنائية في الحصول على وظيفة.

أما بالنسبة للشرطة، فتقرير الإدانة البارز الذي أصدرته وزارة العدل عن أزمة مدينة فيرغسون بولاية ميسوري وتحيز السلطات القانونية فيها ضد المواطنين السود، بعد الاضطرابات التي تلت مقتل مايك براون في أغسطس 2014، زادَ بشكلٍ كبيرٍ من حجم ونطاق توقعات التحقيق التي من الممكن أن تخضع لها إدارات الشرطة. ووَصَفَ معلقون من داخل وخارج وزارة العدل مستوى التزام قسم الحقوق المدنية في فترة حكم أوباما بأنه "من كوكبٍ آخر"، مقارنةً للأوضاع في فترة ما قبل رئاسة أوباما.

ومع ذلك، يقع معظم نظام العدالة الجنائية خارج النطاق الفيدرالي. وقد كانت أغلب جهود أوباما موَّجهةً لإرساءِ نموذجٍ يُحتذى به للدولة وللحكومات المحلية أكثر من كونها تغييرٍ حقيقي وملموس. وفي نهاية المطاف، فإنَّ انتشار وتوسُّع نظام العدالة الجنائية الذي حَدّ من قدرة أوباما على إصلاح نظام العدالة الجنائية من داخل البيت الأبيض بشكلٍ أكبر، هو نفسه الذي سيحُدّ من قدرة إدارة الرئيس المنتخب ترامب على إبطاء هذا الإصلاح.

وفي الانتخابات التي جرت في جميع أنحاءِ البلاد، كان الفوزُ في العديد المقاطعات من نصيبِ النوَّاب الأكثر تقدمية، وتبنى عددٌ من المجالس التشريعية بالولايات مشروع قانون "Smart On Crime" الهادف إلى إصلاح نظام العدالة الجنائية، والذي يمنع تفعيل القانون بالحبس كعقوبةٍ على الجرائم غير العنيفة.

المرأة وحقوق المثليين

obama

في يناير/كانون الثاني 2009، وقَّعَ الرئيس أوباما على قانون ليلي ليدبيتر للأجور العادلة، الذي يفتح الأبواب للنساء اللاتي يعانين من التمييز في الأجور للجوء للقضاء. كان ذلك أول قانون وقَّعه أوباما كرئيسٍ للولايات المتحدة، كفعلٍ رمزي كان مُميِِّزاً لسنواته الثماني التي قضاها في منصبه. وكان أوباما قد اتخذ عدةَ إجراءات لإنصاف أولئك الذين طالما عانوا التمييز تاريخياً على أساسِ الجنس أو النوع الاجتماعي.

حظر قانون الرعاية الصحية لأوباما (أوباما كير) على أصحاب شركات التأمين، أخذ أموالٍ أكثر من النساء على التأمين، وفي الوقت ذاته وسع من طرق منع الحمل المتاحة دون تكلفةٍ إضافية لملايين النساء الأميركيات. وضغطت إدارة أوباما على الولايات التي حاولت سحب تمويل تنظيم الأسرة. وكلفت الإدارة وزارة التعليم بإجبار الجامعات على التعامل بجدية مع حوادث الاعتداء الجنسي في الجامعات، وتحديد الطريقة التي تتعامل بها مديريات التربية والتعليم مع الطلاب المتحولين جنسياً. وساعدت وزارة العدل في إدارة أوباما على إلغاء حظر زواج المثليين، والقيود المرهقة على الإجهاض، في المحكمة الأميركية العليا. وأصبح أوباما نفسه أول رئيس يُقِر زواج المثليين بعد أن "تطور" رأيه حول هذا الأمر.

أي من هذه الإنجازات سوف ينجو من رئاسة ترامب؟ لقد ألمح ترامب إلى أنه يعتبر زواج المثليين قانوناً ثابتاً. ولكن هذا هو كل ما في الأمر. فالجمهوريون في الكونغرس يدعمون تشريعاً سوف يسمح لأرباب الأعمال بالتمييز ضد المثليين، والمتحولين جنسياً، وثنائيي الجنس، وهم يعدون لائحة قانون معادية للإجهاض لم يسبق لها مثيل.

ومصير قانون "أوباما كير" غير أكيد، لكنَّ خطط الجمهوريين لمشروعٍ بديل لا تحافظ على المواد المانعة للتمييز ضد المرأة ومتحولي الجنس. ويخشى نشطاء الجامعة من خسارة التقدم الذي أُنجِزَ في مجال التشديد في التعامل مع الاعتداء الجنسي. وقد أشار نائب ترامب، مايك بينس، إلى أنَّ الإدارة سوف تتوقف عن اشتراط استيعاب الطلاب المتحولين جنسياً على مدارس البلاد، واشتراط تغطية أصحاب الأعمال لنفقات منع الحمل ضمن التأمين الصحي الذي يقدمونه لموظفيهم. وعندما سُئِلَ بينس عن الحمامات الخاصة للمتحولين جنسياً في شهر أكتوبر/تشرين الأول، قال إنَّ قضايا من هذا النوع "من الأفضل أن تُحَل على مستوى الولايات من قبل سكانها، على حسب المعايير التي يريدون تطبيقها".
في النهاية، ما سيتبقى من إنجازات أوباما ربما يكون التحولات الثقافية الكبرى التي أحدثها أو ساعد على انتشارها. لقد استخدم أوباما منصبه لصقل شرعية النشطاء الجامعيين الذين سعوا لتطبيق أعلى معايير المحاسبة على حوادث العنف الجنسي ضد النساء، وكذلك شرعية حركات المثليين والمتحولين جنسياً. ووقع أوباما على إلغاء سياسة "لا تسأل، لا تقل"، والتي كانت السياسة الرسمية للولايات المتحدة الأميركية وكانت تقضي بمنع الأفراد العسكريين من التمييز ضد المثليين والمتحولين السريين، ومنع المثليين والمتحولين علناً من الالتحاق بالجيش، وأنهى البنتاغون في عهده الحظر على شغل النساء للمواقع قتالية، ووضع قوانين للسماح للمتحولين جنسياً بالخدمة في الجيش.

وكما قالت مارا كيسلينغ، مديرة المركز الوطني لحقوق المتحولين جنسياً، مؤخراً للغارديان، فإنَّ التحولات الثقافية التي جعلت هذه الخطوات الكبرى ممكنةً لن تنعكس ببساطة لأنَّ رئيساً جديداً وصل إلى البيت الأبيض.

وقالت كيسلينج: "المتحولين جنسياً أمضوا عقوداً يعلمون زملائهم في الدراسة، وعائلاتهم، وزملائهم في العمل وأماكن العبادة معنى أن تكون متحولاً جنسياً. ربما تستطيع الحكومة أن تسحب بعض السياسات التقدمية التي وصلنا إليها، لكن ليس بإمكانهم أن يأخذوا الاحترام الذي فرضناه لأنفسنا".

التحكم في حيازة السلاح

قال أوباما عن حادثة إطلاق النار الجماعي بمدرسة ساندي هوك الابتدائية بأنه "أسوأ يوم من أيام فترة رئاستي".

قبل هذه المذبحة التي وقعت في شهر ديسمبر/كانون الأول 2012، والتي أودت بحياة 20 طالباً من طلاب السنة الأولى، لم يكن أوباما قد فعل أي شيء تقريباً حيال التحكم في حيازة الأسلحة. وعندما ذكر النائب العام لأوباما، في بداية فترة حكمه، شيئاً عن حظر الأسلحة النارية، أرسل له كبير الموظفين رسالةً حادة مفادها "اخرس تماماً" حيال موضوع الأسلحة هذا.

وبعد حادثة ساندي هوك، أصبح أوباما متحمساً للترويج لقوانينٍ أشد حزماً للتحكم في حيازة الأسلحة. واستخدم أوباما منبره الرئاسي للمساعدة في رفع التحكم في حيازة الأسلحة من كونه موضوعاً هامشياً إلى جعله أولوية سياسية من أولويات الحزب الديمقراطي. وقال أهالي ضحايا الحادث إنَّ التزامه بالقضية بدا شخصياً بنفس قدر كونه التزاماَ سياسياً، أي ليس بصفته رئيساً فحسب، وإنما أيضاً بصفته أباً بكى مرةً عندما كان يتكلم عن حادثة ساندي هوك في مؤتمرٍ صحفي.

لكن محاولات أوباما لإحداث تغييرٍ كبير في قوانين حيازة السلاح الأميركية باءت بالفشل. فعلى الرغم من الضغط الكبير من البيت الأبيض أوائل عام 2013، رفض الكونغرس حتى محاولةً متواضعة لزيادة المتطلبات الفدرالية المفروضة على بيع الأسلحة، والمتعلقة بفحص خلفية المقبلين على شرائها، وتجديد الحظر على الأسلحة الهجومية. ورُفِضَت بسرعة كل المحاولات الجديدة لإعادة التفكير في قوانين التحكم في حيازة الأسلحة بعد حادثة إطلاق النار في ملهى "ذا بالس" الليلي في أورلاندو في شهر يونيو/حزيران 2016.

وقال مارك باردن، الذي قُتل ابنه ذو السبع سنوات في حادثة ساندي هوك: "لقد فعل الرئيس أوباما كل ما باستطاعته، لكن الكونغرس كان عاجزاً إلى حدٍ ما".

وكانت محاولات أوباما لتشديد لوائح التحكم في حيازة الأسلحة، في مواجهة خمول الكونغرس، من خلال الأوامر التنفيذية، محاولاتٍ رمزية أكثر منها حقيقية. حتى الرابطة الوطنية للبنادق، التي تصف كل محاولة للتحكم في الأسلحة بعباراتٍ كارثية، كانت تشعر بذلك أحياناً. فقد قال متحدثٌ رسمي باسم الرابطة في 2016، عندما حاول أوباما تطوير فحص خلفية المتقدمين لشراء الأسلحة عن طريق نشر مطويةٍ حكوميةٍ جديدة تشرح كيفية التزام المواطنين بالقانون الحالي: "هل هذا هو الأمر حقاً؟ إنَّهم حقاً لا يفعلون شيئاً".

لم تشهد السنتان الأخيرتان من حكم أوباما فقط أعلى نسبة ضحايا في حادثة قتل جماعي في التاريخ الأميركي الحديث، وإنما شهدتا أيضاً ارتفاعاً في جرائم القتل بالأسلحة على مستوى البلاد عام 2015. فقد ارتفعت جرائم القتل بالأسلحة لمعدلاتٍ تاريخية في بالتيمور عام 2015، ثم في شيكاغو، موطن أوباما، والتي شهدت ارتفاعاً بنسبة 50٪ في حوادث القتل وإطلاق النار عام 2016. هذه الزيادة في عدد المقتولين في شيكاغو العام الماضي تساوي تقريباً عدد ضحايا سبع مذابح كمذبحة أورلاندو.

ووعد أوباما بالاستمرار في العمل مع المنظمات في كل البلاد حول موضوع عنف الأسلحة بعد خروجه من منصبه.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.