نصف الشباب التونسي يريد مغادرة بلاده.. كيف تحوَّل مهد الربيع العربي إلى "أرض اليأس"؟

تم النشر: تم التحديث:
TUNISIA YOUTH
social media

نحو نصف الشباب التونسي مستعدون للتخلي عن بلادهم والهجرة إلى البلدان الأخرى حتى ولو كان ذلك بطريقة غير شرعية، فبعد أكثر من 5 سنوات على الثورة ما زالت رغبة التونسيين في الهجرة إلى أوروبا قوية ومرتفعة، رغم أنهم يعلمون أن الأبواب لن تكون مفتوحة لهم في المهجر، لكنهم مستعدون للتحدي من أجل تحقيق أحلامهم وطموحاتهم.

الإحصاءات الأخيرة الصادرة في تونس أكدت أن 45.2 في المائة من الشباب التونسي يفكر جدياً في مغادرة البلاد إلى أوروبا؛ منهم 30.9 في المائة مستعدون للانخراط في الهجرة غير الشرعية على الرغم من الإجراءات الصارمة التي اتخذتها الدول الأوروبية على سواحلها للحد من توافد المهاجرين عليها وإعلانها عدم استعدادها لاستضافة المزيد منهم.

وجاءت هذه الأرقام في نتائج دراسة حول "الشباب والهجرة غير النظامية في تونس"، أعدها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتعاون مع مؤسسة "روزا لكسمبورغ"، وخرجت نتائجها الأسبوع الماضي، ما أدى إلى فتح نقاش حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء الطلبات المتزايدة والمتلاحقة على الهجرة.


من المسؤول؟


لخص الباحث في علم الاجتماع طارق بلحاج محمد، أسباب رغبة الشباب التونسي في الهجرة بما سماه "سطو الطبقة السياسية الحاكمة في البلاد على أحلامه التي قادوا لأجلها الثورة، وفقدانهم الثقة برغبة الفاعلين السياسيين في تغيير أوضاعهم نحو الأفضل أو تنفيذ الوعود التي قطعوها لأجلهم".

اعتبر بلحاج، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الشباب الذين قاموا بالثورة وقادوها كانوا هم أول ضحاياها بعد أن تعرضوا للتهميش والنسيان والنكران، "إلى درجة إحساسهم بالخداع واليأس والضياع، وهو ما دفعهم إلى البحث عن طرق أخرى لتحقيق طموحاتهم بعيداً عن البلاد؛ أبرزها الإقبال على الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا أو الانخراط ضمن الجماعات المتشددة والانضمام إلى ساحات القتال أو حتى اختيار طريق الانحراف أو الانتحار".

وفسّر بلحاج ذلك بقوله: "هذا الوضع يمثل نتيجة حتمية لعملية السطو التي قام بها كبار السن عندما أمسكوا باللعبة السياسية وغنائم السلطة دون تفكير في الشباب إلا من باب الدعاية الحزبية والإعلامية، فأهملوا مطالبه ومعالجة قضاياه الاجتماعية والاقتصادية ليتفرغوا لصراعاتهم واهتماماتهم الحزبية التي لا تفيد الشباب والمجتمع والبلاد في شيء".

ودعا بلحاج السلطات السياسية الحاكمة في البلاد إلى إدراك ما يعانيه الشباب الذين خاب أملهم وانكسرت طموحاتهم وتحولوا من عنوان للثورة إلى عنوان للخيبة، ومن حالة العنفوان إلى حالة الاحتقان، وإلى قنبلة موقوتة، ليس على تونس فقط؛ بل على محيطها الإقليمي أيضاً.

وكنتيجة حتمية لإهمال الدولة مشاغل الشباب والتفكير في مستقبلهم، بدأ الشاب سليم النجار، البالغ من العمر 21 سنة، والذي ينهي هذا العام دراسته التخطيط للهجرة بعيداً عن بلاده؛ لأنه لا يريد أن يصبح عاطلاً، فهو لا يرى أية خطة واضحة لمستقبل المتخرجين الجدد ولا العاطلين، حيث لا فرص شغل ولا أمل يجعله يتمسك بالبقاء وخدمة البلاد التي علّمته.


شبكات التهريب


أما الكاتب الصحفي المتخصص في شؤون الهجرة أيمن الزمالي، فيقول: "يدرك الجميع أن الدولة التونسية أصبحت تتخبط في مشاكل داخلية، حيث كل المؤشرات الاقتصادية أصبحت حمراء، وهو ما يجعلها عاجزة عن مواجهة مشاكلها الاجتماعية واستيعاب طلبات شبابها".

وأضاف أن هذا الواقع الحالي، الذي لا يبشر بانفراج قريب، هو كذلك أحد أهم الأسباب التي تدفع الشباب إلى البحث عن حلول أخرى بعيدة عن البلاد لضمان العيش الكريم وتحقيق الطموحات.

ويتابع الزمالي قائلاً لـ"هافينغتون بوست": "التونسيون يعلمون أن أوروبا تعاني أزمة اقتصادية حادة، لكنهم يرون أنه لا يمكن مقارنتها بالأوضاع الصعبة في بلادهم، ولذلك يظن هؤلاء أن بإمكانهم تحسين وضعيتهم بالهجرة وحتى بطرق غير شرعية، وفي ظل غياب التنمية وانعدام الآفاق فإن حلم الهجرة سيتواصل بين أغلب الشباب التونسي".

وأشار الزمالي أيضاً إلى عامل آخر شجع الشباب التونسي، بمختلف مستوياته الاجتماعية، على ركوب الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، تمثل في الاختلال الأمني الذي سببته الثورة التونسية والذي فتح المجال واسعاً أمام شبكات التسفير غير الرسمية ووسطاء الهجرة لمضاعفة نشاطاتهم.

وبالفعل، لا ينكر الشاب مهدي بالدم لجوءه إلى عصابات التهريب مرتين من أجل الهجرة سنتي 2012 و2016، إلا أن اكتشاف قوات الأمن التونسية خطتهم والقبض عليهم قبل صعودهم إلى القوارب حالا دون تحقيق حلمه بالهجرة، مؤكداً أنه ما زال متشبثاً بتحقيقه وسيعيد التجربة في أقرب فرصة ممكنة.

وأرجع "بالدم"، الذي يعمل كهربائياً، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن فشله في إيجاد وظيفة توفر له راتباً مادياً مناسباً يضمن له توفير احتياجاته كافة هو الذي جعله يفكر بجدية في الهجرة، خاصة أن أصدقاءه الذين حالفهم الحظ في الوصول إلى أوروبا تمكنوا من إيجاد وظائف جيدة حققت لهم الاستقرار.

ورغم أن مهدي يعلم أن دولة فرنسا التي يحلم بالعيش فيها لن تستقبله بالورود؛ بسبب الأحداث الأخيرة التي تسبب فيها بعض المهاجرين وشبهة الإرهاب التي أصبحت تلاحق التونسيين، فإن ذلك لن يكون عائقاً أمامه، قائلاً: "أنا عندما أصل هناك سأختار المضي في الطريق المستقيم، صحيح أن هناك بعض المهاجرين أساءوا بأفعالهم إلى بلدانهم، لكن أنا هدفي واضح العمل فقط وتأمين مستقبلي، ولن أسبب أي مشكلة".