العودة إلى العلمين.. هكذا نبش الحلفاء والمحور أسرارهم العسكرية لتطهير أكبر حقول الألغام في مصر

تم النشر: تم التحديث:
SDDFSDG
sdg

تتواصل معاناة مصر مع الألغام التي زرعت في منطقة العلمين رغم أن الدول التي تحاربت يوماً على هذه الأرض تقول إنها سلمت لمصر ثروة هائلة من الخرائط والمعلومات المتعلقة بمواقع هذه الألغام منها سلسلة خرائط الحرب العالمية الثانية التي سلمتها السفارة البريطانية في القاهرة للحكومة المصرية عام 2000.

"زرع المتحاربون في معركة العلمين ألغاماً أكثر مما سبق وضعه في العالم كله تبقى منها 15 مليون لغم تهدد الحياة في واحدة من أهم المناطق في مصر" .

فالعلمين التي كانت موطن أحد أشهر معارك الحرب العالمية الثانية تعد اليوم نقطة العبور للساحل الشمالي الغني بمنتجعاته الباذخة ومن خلفها منطقة الضبعة التي سيقام بها المفاعل النووي المصري المنتظر.

وتتولى المؤسسة العسكرية المصرية عملية تطهير هذه المنطقة، ولكن هذه البقعة الاستراتيجية مازالت تسمى بحق حدائق الشيطان في الوقت الذي قدمت فيه الدول التي حاربت على هذه الأرض معلومات متراكمة مستقاة من سجلات المحاربين وصور الأقمار الصناعية الأمر الذي يفترض معه إطلاق عملية أكثر فاعلية لتطهير هذه الأرض من الألغام، حسب تقرير لموقع الديلي بيست الأميركي.

ويشير التقرير إلى أن الحرب العالمية الثانية كانت قاسية جداً على مصر التي لم تكُن متحمِّسة للمشاركة فيها منذ البداية، ولكنَّها مع ذلك وجدت نفسها مدفوعةً في النزاع، مع القوى الأوروبية التي تحارب مع بعضها البعض عبر مساحات شاسعة من رمال مصر القاحلة.

عندما أعدَّت معظم القوات الأجنبية دباباتها للرحيل ورحلت، تركت الحربَ مستمرة في مصر في شكل 15 مليون لغمٍ أرضي، يظل العديد منها يغطي الصحراء حتى يومنا هذا.

تقع مسؤولية إزالة هذه الألغام ضمن اختصاص خبراء التخلُّص من الذخائر المصريين، وهُم الجنود والفنيون الذين يجازفون بحياتهم كل يوم، ويضطرون غالباً إلى تخمين أي المتفجرات تقع في أي مكان، ثم تخمين الطريقة الأفضل للتعامل معها. وتقضي قلة منهم وقتاً طويلاً في المختبرات.

ماذا اكتشف الجيش الإيطالي؟

لكنَّ الجيش الإيطالي لديه اهتمام خاص بهذا التاريخ الممتلئ بالمتفجرات، فجنوده شاركوا في القتال في صف ألمانيا، ومات الآلاف منهم. وزرعت قواته كذلك العديد من الألغام. لذا قضت حفنةٌ من الضباط الإيطاليين أعواماً في تنظيف الأرشيفات العسكرية القديمة المُتربة لمحاولة العثور على الألغام، وكذلك على بقايا موتى الحرب من الإيطاليين.

منذ عقدٍ تقريباً، اكتشف ضابط بالقوات الجوية الإيطالية عشرات من المخططات والصور الجوية في غرفةٍ خلفيةٍ في روما تُستخدَم الآن في التعرُّف على أكبر شبكات تجمع المتفجِّرات في مصر.

في الأعوام الأخيرة، بمساعدة هذه الخرائط، وباستخدام المعلومات الموجودة في المذكرات الشخصية ودفاتر الرسم الخاصة بالجنود من كل الأطراف، يقول الباحثون إنَّهم بنوا أفضل صورة حتى الآن لميادين المعارك المليئة بالألغام.

ومن الأمور المهمة أنَّ المخططات القديمة لها نفس النقاط المرجعية وتستخدم اللغة نفسها الموجودة في الكتابات العسكرية في ذلك الوقت، حسب ما يقول آلدينو بونديسان، وهو الأستاذ في جامعة بادوا ورئيس الجمعية الإيطالية للجغرافيا والجيولوجيا العسكرية (SIGGMI)، والتي توثِّق بقايا حملة إيطاليا في مصر باجتهاد.
وأضاف "اصطحبنا معنا بعض المحاربين القدامى في إحدى رحلاتنا وتعرَّفنا على بعض الخنادق التي كانوا يسكنونها بالتحديد".

عندما تنظر إلى المناطق الواسعة الهادئة في شمال غرب مصر الآن، قد يكون من الصعب تخيُّل أنَّها كانت منذ وقتٍ ليس بالبعيد إحدى ساحات القتال المتنازع عليها بقوة في القرن العشرين.

حيث كانت فرق دبابات "بانزر" الألمانية ودبابات "إم كيه" البريطانية الضخمة تحطِّم بعضها البعض قبالة مياه البحر الأبيض المتوسط الزرقاء، وتوجد الآن في نفس المكان مجمَّعات سكنية مغلَقة ببوابات ترتادها نخبة القاهرة الحضرية في أشهر الصيف، والتي تمتد متَّصلةً تقريباً لمسافة أكثر من 70 ميلاً على طول الساحل، حسب تقرير الديلي بيست.

وعلى مسافةٍ قريبة من الطريق السريع الرئيسي الواصل بين الشرق والغرب حيث توجد منطقة الضبعة، والتي شكلت ساحة لبعضٍ من أعنف المعارك على الطريق المؤدِّي إلى القاهرة، في هذا المكان أعطت السلطات المصرية مؤخراً الضوء الأخضر لبدء تشييد أول محطة طاقة نووية في البلاد، تموِّلها روسيا.

أما في عام 1941 في أوج الحرب العالمية الثانية، عندما اخترق الإيطاليون والألمان بقيادة المشير إرفين روميل، ثعلب الصحراء، الخطوط البريطانية في ليبيا، ثم اندفعوا عازمين الاستيلاء على قناة السويس وقطع الطريق أمام لندن للوصول إلى حقول النفط شديدة الأهمية في بلاد فارس، تحوَّلت هذه المنطقة إلى منطقة اشتباكات بالدماء والقنابل والأسلحة الفولاذية لمدة 18 شهراً.

عدد الألغام أكثر مما زرع في العالم كله

وقفت الفرقة المدرَّعة السابعة البريطانية، المعروفة بـجرذان الصحراء، وحلفاؤها في صمودها الأخير العنيف غرب الإسكندرية، وأرست تحصينات دفاعية ضخمة. وفي أنحاء منطقة العلمين، وهي أضيق نقطة بين البحر وبين رمال منخفض القطَّارة التي يستحيل اجتيازها تقريباً، واجهتها الجيوش المعادية، وزرعوا مجتمعين ألغاماً أكثر ممَّا شهده العالم سابقاً على الإطلاق.

قال جيمس موران، رئيس وفد الاتحاد الأوروبي إلى القاهرة، الذي أسهم بعدة ملايين من اليوروهات في عملية التطهير "يبدو أحياناً وكأنَّهم لم يفعلوا شيئاً في عام 1942 سوى قصف بعضهم البعض وزرع الألغام".

ظلَّت الصحراء لعدة عقودٍ على الأقل بعد انتهاء الحرب على حالها الذي كانت عليه عندما طردت جيوش الحلفاء -بتعزيزات من شحنات الأسلحة الأميركية الطارئة- أخيراً قوات المحور المهزومة من مصر في نوفمبر/تشرين الثاني 1942.
كان حجم العتاد المهجور غير المتفجِّر (أو UXO)، كبيراً لدرجة أنَّه حتى مستودعات الأسلحة العسكرية الضخمة الأربعة الموجودة في أنحاء مدينة العلمين الحديثة لم تكُن كافية لاحتواء كل ما استُخرِج من الأرض.

استطاعت صناعة الفولاذ المصرية تعزيز بقائها عقوداً بالتغذي على آلاف الأطنان من الخردوات العسكرية المشوَّهة المهجورة وسط الرمال كما يقول آلدينو بونديسان.

ولكن مع حلول أوائل ثمانينيات القرن الماضي، عندما اكتُشِف احتياطي كبير من النفط في المناطق المنكوبة، تغيَّر الوضع. وجدت مصر فجأةً أنَّ أموالاً طائلة يمكن الحصول عليها من المنطقة وذلك يعتمد على تطوير الصحراء.
ومع تطبيق اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، وهي إحدى أعسر النزاعات في المنطقة، شعر الجيش المصري، الذي يحتكر التطهير من الألغام، أخيراً بأنَّه قادر على جذب بعض القوة البشرية بعيداً عن الحدود مع إسرائيل.

قال فتحي الشاذلي، السفير السابق إلى السعودية والذي كان مدير الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام حتى صيف 2016 أنه بعد معاهدة 1979، استطاع الجيش المصري توجيه أنظاره إلى مشكلة الألغام، حينها فقط أدركنا مدى كبر المشكلة التي نواجهها".

البداية تحديد المواقع العسكرية

لحسن حظ السلطات المصرية، عمل آلدينو بونديسان وزملاؤه في الجمعية الإيطالية للجغرافيا والجيولوجيا العسكرية بجِدٍّ طيلة عدة عقود.
وباستخدام المعلومات الواردة في بحث الرائد باولو كاتشا دومينيوني، وهو قائد مهندس عسكري عاد إلى ساحة المعركة خلال خمسينيات القرن الماضي وستينياته لاستعادة ما يصل إلى 7000 جثة، استطاعوا التعرُّف على كل المواضع العسكرية الإيطالية والألمانية على مستوى السريات، بل وحتى على مستوى الفصائل.

وقد حدَّدوا ما يصل إلى 30 ألف موقع دفاعي عبر مطابقة صور الأقمار الصناعية مع العلامات على خرائط الفيلق الأفريقي، وهي أسلم من السجلات الإيطالية؛ لأنَّ الفرق الألمانية استطاعت الانسحاب بأسلوب أكثر انضباطاً من نظرائهم الإيطاليين غير المجهَّزين.
كما تقول السفارة البريطانية في القاهرة أيضاً أنَّها سلَّمت سلسلةً من خرائط الحرب العالمية الثانية للحكومة المصرية عام 2000.

في معظم بيئات حقول الألغام قد يكون بحثٌ كهذا مثيراً لاهتمام الأكاديميين، ولكن سيكون له استخدام عملي محدود.
ولكن في ساحة معركة كبيرة بحجم شمال غرب مصر، اصطفت القوات فيها غالباً في مقابل بعضها البعض على طول جبهةٍ طولها 100 ميلٍ، لعبت الألغام دوراً محورياً في توجيه العدو نحو إرساء تحصينات أقوى. وبالتالي إذا عثرتَ على مواقع ساحة المعركة، ستعثر في الأغلب على الألغام.

وقال فتحي الشاذلي في حوارٍ أجراه في مكتبه في وسط القاهرة في أواخر عام 2015 (توفي في مطلع 2016) "لهذا السبب كان علينا جمع كل الخرائط التي توضِّح أماكن تواجد الألمان والبريطانيين والإيطاليين سوياً". كانت جدران غرفة العمليات الخاصة به مرقَّطة بنسخٍ مصوَّرة من خطط معارك من الحقبة النازية.

يشير التقرير إلى أن الانتصار في العلمين كان انتعاشاً هائلاً لحظ الحلفاء، ونقطة تحوُّل في الحرب التي شهدت سابقاً اكتساح جيوش أدولف هتلر إيَّاهم. قال وينستون تشرشل "قبل العلمين، لم ننتصر قط. وبعد العلمين، لم ننهزم قط".

وبينما انتصر الحلفاء وهزم المحور، فإن المصريين مازالوا هم الذين يعانون من آثار المعركة.
وبالنظر إلى المهمة الجسيمة التي مازالت تنتظر المصريين في تطهير الصحراء، فإنهم يأملون أن تحقِّق خرائط ساحات المعارك هذه طفرةً مماثلة لقواتهم.

- هذا الموضوع مترجم عن موقع The Daily Beast الأميركي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.