فايننشال تايمز: الخلاف بين روسيا وأميركا الآن ليس عودةً للحرب الباردة.. لماذا؟

تم النشر: تم التحديث:
RUSSIA OBAMA
Kevin Lamarque / Reuters

عادت روسيا والولايات المتحدة للأمر ذاته مرةً أخرى، فانخرطا في حرب متبادلة من الألعاب النفسية والخدع المعلوماتية. الاختراق والأخبار المزيفة هي أسلحة المعركة الحالية، ويرجع هذا جزئياً إلى التغير التكنولوجي، لكنَّ الأيديولوجيا والتاريخ لهما دورٌ أيضاً: فما يسمَّى بعصر ما بعد الحقيقة (وهو مصطلحٌ يشير إلى ثقافةٍ سياسية يعتمد الجدال فيها على مناشدة العواطف بدلاً من التركيز على تفاصيل السياسات نفسها)، قد تشكَّل عبر عقودٍ من العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا. ومع ذلك، فإنَّ الاشتباك الحالي، لا يشكل عودةً للحرب الباردة، وإنما هو نتيجةٌ لنهايتها، بحسب صحيفة فاينشال تايمز البريطانية.


كان الخداع والتضليل جزءاً حيوياً من الحرب الباردة. ففي عام 1954، على سبيل المثال، قامت الآلة الدعائية الأميركية بعملية تضليل ضخمة من أجل "إثبات" أنَّ رئيس غواتيمالا، جاكوبو آربينز، كان خاضعاً لنفوذٍ شيوعي مفرط. وفي غضون ذلك، كان للاتحاد السوفييتي قسم مختص بالـ"التدابير الفعالة"، تمثَّلت وظيفة عملاء هذا القسم في نشر القصص الكاذبة بهدف نشر الشقاق في الغرب. وكانت الوزارات، داخل الاتحاد السوفييتي، تزيف البيانات من أجل "إثبات" أنَّ الاقتصاد يسير على ما يرام، بحسب الصحيفة البريطانية.


عادةً ما كان الناس واعين تماماً بزيف هذه المعلومات. وكما تقول واحدة من أعظم نكات العصر السوفييتي: "نحن نتظاهر بالعمل، وهم يتظاهرون بدفع رواتبنا".

وخلال الحرب الباردة، كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بحاجة إلى التظاهر بأنَّ هذه الأكاذيب حقيقية. وكان من المهم أن تبدو الأكاذيب واقعية، لأنَّ كلا الجانبين كانا منخرطين فيما بدأ كمناظرةٍ عقلانية حول أي نظام، الرأسمالية الديمقراطية أو الشيوعية، سوف يؤدي إلى مستقبل أكثر إشراقاً.

بعد نهاية الحرب الباردة، توقف التنافس بين الأفكار. إذ أصبح هناك نموذجٌ واحد فقط، نموذج رأسمالي ديمقراطي، ومستقبل واحد فحسب: العولمة. وفي الديمقراطيات، كان مازال على الأحزاب السياسية أن "تثبت" أنَّ بإمكانها التعامل مع العولمة أفضل من منافسيها، لكنَّ هذا كان متعلقاً بمهارات العرض أكثر من تعلقه بمعركة الأفكار. ومن هنا برز دور المتحدثين الرسميين وخبراء العلاقات العامة في السياسة. أما في روسيا ما بعد الاتحاد السوفييتي، حيث لم يكن هناك أحزابٌ أخرى لهزيمتها، فقد نجح "خبراء التكنولوجيا السياسية" في التحكم في مسرح عرائس الديمقراطية المزيفة.

خلال هذه الفترة، انخرطت كلٌ من روسيا والولايات المتحدة في حربٍ إعلامية "على الإرهاب": روسيا في الشيشان، والولايات المتحدة في العراق. ويُقال إنَّ كارل روف، أحد مستشاري الرئيس جورج بوش الابن، قال للنيويورك تايمز عام 2002: "نحن نخلق واقعنا". وسواءً كانت تلك الجملة مُختَلَقة أم حقيقية، فإنها تلخص واقع عمل رجال العلاقات العامة والمتحدثين الرسميين وتلفيقهم للوقائع.

ومع ذلك، فمازالت هناك حاجة للتظاهر بـ"الحقيقة". فروسيا مازالت تريد الانضمام للعولمة، لكن بطريقتها "السيادية" الخاصة. وقد شعرت إدارة بوش بالإهانة عندما انهارت سرديتهم لحرب العراق على رؤوسهم.

كنا حينها مازلنا نعيش في عالم فيه فكرةٌ عن المستقبل، حتى لو كانت فكرة صاغها التكنوقراطيون بدلاً من الحالمين. ثم جاءت الأزمة الاقتصادية، والثورة الشعبوية ضد العولمة في أوروبا والولايات المتحدة. وفي روسيا، دلت المظاهرات التي اندلعت ضد فلاديمير بوتين عام 2011 على أنَّ التقدم الاقتصادي الحقيقي سوف يتطلب إصلاحاً ومعالجةً للفساد، وهي أمورٌ لا يستطيع الرئيس الروسي تأييدها، ولن يفعل.

أما وقد خرج "المستقبل" من الصورة، فإنَّ الحقائق يمكن نبذها أيضاً. عندما استولى بوتين على شبه جزيرة القرم، أخبر الصحافة العالمية أنه ليس ثمة جندي روسي هناك، على الرغم من علمه بأنَّ الجميع يعلمون بوجود الجنود الروس. وتستهدف الطائرات الحربية الروسية المدنيين في سوريا، بينما يدَّعي بوتين أنه يهاجم داعش. ليس الغرض من ذلك أن يكذب كذبةً معقولة، وإنما أن يُخرِج لسانه استهزاءً بفكرة "الحقائق" ذاتها. وفي غضون ذلك، فإنَّ دونالد ترامب يعيش فيما سمَّاه كارل برنستين، الصحفي المخضرم الذي عمل على التحقيق والكشف عن فضيحة ووترجيت السياسية في أميركا: "بيئةً خاليةً من الحقائق".

إنَّ فهم حقيقة وتاريخ عالم "ما بعد الحقيقة" هذا سوف يساعدنا على معرفة كيفية مقاومته. ففي الوقت الذي يواجه فيه القادة الأوروبيون مد الدعاية القادمة من الشرق، والغرب، والتيار اليميني الصاعد في أوروبا، فإنَّ التحدي الحقيقي يتمثل في تطوير رؤية مستقبلية ذات مصداقية، رؤية للمستقبل مبنية على الحقائق.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.