الفساد قديم.. لماذا تجاهل المجلس العسكري شكاوى من الفساد بمجلس الدولة في 2011 وأعاد السيسي فتحها في 2016

تم النشر: تم التحديث:
GDFT
sm

بعد الإعلان المفاجئ عن انتحار الأمين العام لمجلس الدولة المصري المستقيل المستشار وائل شلبي، الذي قبضت عليه قوات الرقابة الإدارية الأحد، عقب ساعات قليلة من قرار نيابة أمن الدولة العليا، بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات في قضية الرشوة الكبرى، التهب فضاء الشبكات الاجتماعية بالأسئلة والشكوك.

منذ البداية لم يكن هناك بيان رسمي لا من هيئة الرقابة الإدارية التي قبضت على شلبي وقبله مدير المشتريات بمجلس الدولة "أحمد جمال الدين اللبان" بتهمة تقاضي رشاوى مالية نظير توقيع عقود توريد أثاث مكتبي للمجلس، ولا من نيابة أمن الدولة العليا.

ونشرت تقارير إعلامية خبر عثور الهيئة في حوزة الموظف على 24 مليون جنيه مصري، و4 ملايين دولار أمريكي إضافة إلى 2 مليون يورو ومليون ريال سعودي.


من المسؤول عن حياة المتهم؟


ثم جاء الخبر على لسان مصادر قضائية، أولاً بانتحار شلبي مشنوقاً بملاءة سرير، ثم بالعثور عليه مشنوقاً بكوفيته التي كان يرتديها وقت القبض عليه، دون أن تعلن الجهة المسؤولة عن احتجاز شلبي على ذمة تحقيقات كواليس الحادث، ومكان احتجازه وما إذا كان محبوساً انفرادياً أم بصحبة باقي المتهمين في القضية، وعزز الشكوك ما نقلته المواقع الإخبارية على لسان مصادر قضائية ثم على لسان محامي شلبي، سيد البحيري، من أن المستشار هدد عقب التحقيق معه أعضاء الرقابة الإدارية والحراس بأنه ينوي التخلص من حياته.

إلا أن محامي شلبي سرعان ما نفى تلك التصريحات التي نقلتها عنه عدد من المواقع الإخبارية في مداخلة هاتفية مع الإعلامية لميس الحديدي، ببرنامج "هنا العاصمة" على قناة "سي بي سي" مساء الاثنين، موضحاً أن واقعة الانتحار مازالت محل تحقيق من النيابة ولا يصح أن يتم تداولها كرواية رسمية حتى تكشف التحقيقات الأخيرة لافتاً إلى أن شلبي كان يدير مع آخرين مجلس الدولة بفروعه على مستوى الجمهورية، ولا يصح أن يقال عنه "شخصية انتحارية".

وهو ما أثار تكهنات وشكوكاً حول الجهة المسؤولة عن التحفظ على المتهمين وتقاعسهم عن منع شلبي من الانتحار، فضلاً عن حقيقة رواية الانتحار، التي لم يؤكدها سوى تلميح من المحامي الأول لنيابات أمن الدولة العليا، خالد ضياء الدين، الذي أعلن بعد ساعات من إعلان انتحار شلبي، وفاته داخل محبسه صباح و إن "المعلومات الأولية تؤكد انتحاره".

وزادت الشكوك بإصدار المستشار نبيل صادق النائب العام قرارا بحظر النشر في القضية، وتساءل الكثير عما إذا كان لتلك القضية بعد سياسي وتصفية حسابات مع الجهة القضائية التي ينتمي لها الموظف والمستشار المتوفى.

sfsdf

لماذا لم تمنع الرقابة الإدارية المستشار من الانتحار؟

قال طارق نجيدة المحامي بالنقض إن الإجراءات المتبعة مع أي متهم تقرر النيابة حبسه، هو أن تتولى جهة القبض على المتهم تنفيذ قرار النيابة العامة، موضحا لـ"هافينغتون بوست عربي" أنه في حالة المستشار وائل شلبي جهة القبض عليه هي هيئة الرقابة الإدارية، ومن ثم هي المسؤولة عن تحديد مكان احتجاز المتهم على ذمة التحقيقات.

ولفت نجيدة إلى أن المعروف أن هيئة الرقابة الإدارية تمتلك محبساً خاصاً بها، ولكن بالطبع لا أحد يعرف إذا كانت قد استخدمته في حبس المتهمين في قضية الرشوة الكبرى من عدمه، لكن وفقاً للقانون كان على الرقابة الإدارية وحدها أن تصدر بياناً للرأي العام يوضح حقيقة وملابسات واقعة الانتحار لأنها المسؤولة قانوناً عن الحفاظ على سلامة المتهمين ومن بينهم شلبي.


قضية الفساد ظهرت عام 2011


"وائل شلبي أشهر من كافة المستشارين الذين ترأسوا مجلس الدولة خلال الـ15عاماً الماضية" يقول نائب لرئيس مجلس الدولة، مضيفاً لـ"هافنغتون بوست عربي" أن شلبي الذي لم يتجاوز عمره الـ48 عاماً، تولى منصب الأمين العام لمجلس الدولة في أول يوليو عام 2015 رغم أن هذا المنصب لم يترأسه قبله سوى أقدم مستشاري مجلس الدولة ممن يتجاوز عمرهم الـ65 عاماً.

في عهد مبارك، كان يعرف بالذراع اليمنى للمستشار يحيى عبد المجيد محافظ الشرقية ووزير شؤون مجلس الشورى الأسبق، وأحد المقربين من الرئيس الأسبق حسنى مبارك، فعبد المجيد هو من ساعده على الالتحاق بالمكتب الفني لرئيس مجلس الدولة منذ تعيينه بمجلس الدولة، واختياره لمنصب الأمين العام المساعد للشئون المالية والإدارية والعلاقات الخارجية بمجلس الدولة فضلاً عن ندبه إلى أكثر من 10 جهات حكومية وقتها، إذ كان يعمل مستشاراً قانونياً لمحافظ الشرقية، ولجامعة المنوفية، فضلاً عن شغله لعضوية مجلس إدارة شركة الاتصالات ممثلاً عن مجلس الدولة وعضوية مجلس إدارة جهاز حماية المستهلك ممثلاً عن مجلس الدولة إضافة إلى عضويته في اللجان الضريبية ومجالس التأديب رغم حداثة سنه.

ويضيف نائب رئيس مجلس الدولة الذي تحفظ على ذكر اسمه أن اتهامات الفساد المالي تلاحق شلبي بدأت عام 2011.

"عقب قيام ثورة 25 يناير تقدم عدد من قضاة مجلس الدولة بخطاب إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة والدكتور عصام شرف رئيس مجلس الوزراء الأسبق، طالبوا خلاله بالتدخل لاستبعاد عدد من المستشارين الفاسدين من المناصب القيادية بمجلس الدولة وخاصة المكاتب الفنية والأمانة العامة، وكان اسم المستشار وائل شلبي على رأس القائمة".

يحكي نائب رئيس مجلس الدولة لـ هافينغتون بوست عربي أن القضاة في خطابهم الذي قدموه للمجلس العسكري في مارس 2011 وجهوا نفس الاتهامات التي وجهتها نيابة أمن الدولة العليا مؤخراً لشلبي، "إهدار المال العام من خلال علمه بالتوريدات، وإخفاء جميع العمليات المحاسبية الخاصة بمجلس الدولة، وإقرار العديد من العمليات بالمخالفة للقانون، من بينها إسناد تجديد المقر الرئيسي لمجلس الدولة بالجيزة لإحدى شركات المقاولات بالأمر المباشر فضلاً عن توريد الأثاث المكتبي ومستلزمات المقار وهدايا رأس السنة الميلادية وغيرها مع سرية هذه المحاسبات".

الخطاب طالب بالتحقيق مع شلبي كذلك في قانونية حصوله على أرباح سنوية بعشرات الملايين، وضربوا أمثلة بتقاضيه أرباح عام واحد من جهاز الاتصالات بلغت المليون ومائة وسبعين ألف جنيه، فضلاً عن البدلات التي يضع لها مسميات وهمية شهرياً بدل الضيافة والانجاز وفائض الميزانية وبدل التمثيل والانتقالات الخاصة وغيرها من المبالغ الشهرية.

شكوى القضاة للمجلس العسكري أعقبها نقل شلبي من الأمانة العامة لمجلس الدولة لعدة أشهر، ثم رجوعه وزيادة نفوذه وسيطرته على القرار بالمجلس، "شلبي تربطه علاقات جيدة بكافة أجهزة الدولة ومؤسساتها، وأي وزير يزور المجلس لابد أن يلتقي أولاً بشلبي، وأي وزير أو مسؤول بالدولة يطلب ندب مستشار معين من المجلس للعمل معه لابد أن يمر طلبه على شلبي أولاً، يتولى كل ما له علاقة بميزانية مجلس الدولة"، على عهدة نائب رئيس مجلس الدولة.

لماذا أجبر الأمين العام لمجلس الدولة على الاستقالة من منصبه؟

بعد القبض على مدير المشتريات بـ 24 ساعة، أصدر رئيس مجلس الدولة بياناً صحفياً أكد خلاله أن من قبضت عليه الرقابة الإدارية هو موظف إداري وليس عضواً بالهيئة القضائية للمجلس، إلا أن التحقيقات التي أجرتها نيابة أمن الدولة العليا مع الموظف كشفت عن تورط الأمين العام لمجلس الدولة المستشار وائل شلبي في تهم الرشوة والتربح وتسهيل الاستيلاء على المال العام، وهو ما جعل النائب العام يطالب رئيس مجلس الدولة برفع الحصانة عن المستشار.

عقب طلب النائب العام، ووفقاً لأعضاء المجلس الخاص بمجلس الدولة، توجه رئيس المجلس المستشار محمد مسعود ونائبه الأول المستشار يحيى دكروري لمقابلة النائب العام، الذي أطلعهم على 3 اتهامات موجهة لشلبي تتمثل في الرشوة، والتربح، وتسهيل الاستيلاء على المال العام.

بعد الزيارة عاد المستشاران مسعود ودكروري إلى مجلس الدولة، واجتمع دكروري بالأمين العام وطلب منه أن يتقدم باستقالته حتى تتمكن جهات التحقيق من أداء عملها، وحتى لا يزج باسم مجلس الدولة في قضايا فساد مالي، وهو ما أعقبه تقدم شلبي باستقالة مكتوبة إلى رئيس المجلس الذي وافق عليها على الفور وأصدر قرارا برفع اسم شلبي من سجلات مستشاري مجلس الدولة ابتداء من الأحد الماضي، وهو ما تبعه إصدار نيابة أمن الدولة العليا قراراً بالقبض عليه نفذته هيئة الرقابة الإدارية صباح الأحد أيضا، ليستمر التحقيق معه طوال 6 ساعات تنتهي بقرار نيابة أمن الدولة العليا بحبسه 4 أيام على ذمة التحقيقات، ليعلن بعدها بدقائق انتحار شلبي مشنوقاً.

لماذا تزامنت واقعة المستشار مع تطورات تيران وصنافير وقانون القضاء؟

جاء خبر القبض على مدير المشتريات بمجلس الدولة ليسيطر على اهتمامات غالبية المصريين ويصرفهم عن متابعة الأزمة المشتعلة بين البرلمان و4 هيئات قضائية على رأسها مجلس الدولة، على خلفية اعتراض مجلس الدولة ومجلس القضاء الأعلى وهيئتي النيابة الإدارية، على مشروع قانون تقدم به عضو بائتلاف دعم مصر المحسوب على الرئيس السيسي والحكومة المصرية، يضع حق اختيار رؤساء هذه الجهات والهيئات في يد رئيس الجمهورية وحده بدلًا من قاعدة الأقدمية المعمول بها. القانون اعتبره الكثير من القضاة والمواطنين وسيلة غير مباشرة لحرمان من أصدر حكم بطلان اتفاقية تيران وصنافير، المستشار يحيى دكروري من دوره في رئاسة مجلس الدولة بدءاً من أول يوليو المقبل بوصفه أقدم مستشاري المجلس، فانشغل الجميع بمتابعة صور ومقاطع فيديو.

الحقائب مملوءة بملايين الجنيهات والدولار واليورو وغيرها من العملات الأجنبية والمشغولات الذهبية، المضبوطة بمنزل موظف مجلس الدولة، وتوقفت جميع الهيئات القضائية عن إعلان رفضها لنصوص القانون منذ لحظة كشف الرقابة الإدارية عن ما أطلق عليه قضية الرشوة الكبري، وهو ما تزامن مع إعلان مجلس الوزراء مساء الخميس موافقته على اتفاقية ترسيم الحدود، وإحالتها لمجلس النواب.

sdg

كانت محكمة أول درجة بمجلس الدولة قد حكمت في 21 يونيو الماضي ببطلان الاتفاقية لتضمنها التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير المصريتين للسعودية، ومن المقرر أن تصدر المحكمة الأعلى بالمجلس الحكم النهائي لها في مصير الجزيرتين في 16 يناير المقبل.

المستشار أحمد عبد الرحمن نائب رئيس محكمة النقض السابق، قال إن النيابة العامة أرسلت طلب لرفع الحصانة عن شلبي لتتمكن من التحقيق معه فيما ورد بشأنه من اتهامات على لسان المتهم الرئيسي في القضية، "ولكن هذا الطلب لا يعني تورط المستشار، لأن الأمر خاضع للتحقيق، ووارد أن تنتهي التحقيقات ببراءة الموظف أو المستشار أو كليهما، وكان على مجلس الدولة عملاً بالقاعدة القانونية "المتهم بريء حتى تثبت إدانته" أن يكتفي برفع الحصانة عن المستشار لحين انتهاء التحقيقات، لكي لا يحرم من حقه في العودة لمنصبه إذا أثبتت التحقيقات براءته".

وهو ما رد عليه المستشار أحمد أبو العزم رئيس قسم التشريع بمجلس الدولة وقتها بأن المجلس أراد بأن يخبر الجميع بنزاهته وعدم التستر على أي فاسد، حتى لا يزج باسم مجلس الدولة وقضاته وأحكامه في أي قضية فساد، لافتاً إلى أن القانون كان يعطي لشلبي في حال تبرئته بحكم قضائي أن يتقدم بطلب للعودة إلى منصبه إلى الجمعية العمومية للمستشارين بمجلس الدولة والجمعية لها أن توافق أو ترفض الطلب.

وجاء توقيت الإعلان عن انتحار الأمين العام السابق لمجلس الدولة بالتزامن مع تسلم البرلمان للاتفاقية التي أبطلتها أحكام مجلس الدولة ليزيد تلك الشكوك.

مزيد من الشكوك تربط بين "أحداث مجلس الدولة" واتفاقية تيران وصنافير جاءت بعد أن كان النائب مصطفى بكري أبرز المدافعين عن سعودية جزيرتي تيران وصنافير، هو أول من أعلن انتحار نائب رئيس مجلس الدولة عبر تغريدة له على موقع "تويتر" في تمام الحادية عشرة صباحاً. بكري هو النائب الذي تقدم بطلب إحاطة بشأن الاتفاقية، وبناء عليه أرسلت الحكومة الاتفاقية مؤخراً للتصديق عليها بالبرلمان.

sdf