كاتبة أميركية لترامب: عليك تخريب لعبة بوتين طويلة المدى لهذه الأسباب

تم النشر: تم التحديث:
TRUMP
Getty Images

"نمزح بالقول إننا نتوق إلى قتال يمكننا الانتصار فيه ببندقية".. بهذه الكلمات تعرب الكاتبة الأميركية مولي ماكيو خبيرة السياسة الخارجية والاتصالات الاستراتيجية عن حجم القلق مما أسمته بـ"الحرب غير الخطية" التي يديرها عالمياً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والكرملين.

وتقارن الخبيرة المعروفة بتقديم استشارات للحكومة والأحزاب الأميركية، بين النهج الأميركي في خوض هذه المعركة، ونظيره الروسي، مطالبة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بـ"وضع مسار لا يمكن التبؤ به، وأن يصبح بطلاً في مواجهة ذلك النظام الروسي الخطر ذي الطموح العالمي غير المحدود".

وفي المقال التالي تشرح ماكيو التي عملت مستشارةً لحكومة الرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكشفيلي في الفترة من 2009 إلى 2013، وفلاد فيلات، رئيس وزراء مولدوفا السابق في الفترة من 2014 إلى 2015، أسباب حثها ترامب، الذي تقول إنه "ربما يكون مجنوناً"، بأن يوقف لعبة بوتين طويلة المدى.

وفيما يلي نص المقال

قبل أكثر من عام بقليل، مساء أحد الأيام اللطيفة في نهاية فصل الخريف، كنت أجلس أمام شرفة منزلي الأمامية مع صديق أفضل ما يمكن وصفه به بأنه أوكراني مقاتل من أجل الحرية. كان يدخن سيجارة بينما كنا نشاهد صخب الهيبسترز جنوب شرقي العاصمة، ونتحدث عن "الحرب"، تلك الحرب الكبرى التي تشنها روسيا ضدنا جميعاً، والتي بدت من هذه الشرفة وكأنها بعيدة للغاية.

لا أستطيع تذكر ما دفعنا لذلك -نقاش حول ما إذا كانت الحكومة في كييف تفعل شيئاً ربما يغضب الاتحاد الأوروبي- لكنه واصل تدخين سيجارته قبل أن يقول مرتجلاً "روسيا. الاتحاد الأوروبي. كل ذلك ما هو إلا مزيد من الهراء المشابه لاتفاق مولوتوف- ريبنتروب (الاتفاق الألماني السوفييتي)".

كانت إشارته العارضة إلى اتفاق هتلر وستالين لتقسيم أوروبا الشرقية قبل الحرب العالمية الثانية بمثابة تذكير بأنه على أوكرانيا أن تقرر مستقبلها بنفسها، بدلاً من أن تدعه لعبة يتم التفاوض عليها بين القوى العظمى، إلا أن التشبيه لاحقني، فكرة أن الثوار المعاصرين لا يشعرون الآن بأي تقارب أو ألفة مع الغرب. هل ضعف الاعتقاد الجمعي، أو أنها حالة اليقين الكامنة بأن القيم الغربية ستكون لها الغلبة؟

بعد ذلك بأشهر، في شرفة أخرى على بعد آلاف الأميال، كان مخرج من إستونيا يشرح لي بشكل عارض أنه كان يشتري قارباً لإخراج عائلته عندما جاء الروس لإستونيا، لكي يتمكن هو من التركيز على المقاومة.

بين هاتين المحادثتين، كان هناك مئة حديث آخر مع أشخاص من البلطيق، وأوكرانيا، وجورجيا، ومولدوفا، أجابت جميعها عن سؤالي وعرضت واقعاً جديداً على الحدود الروسية: الجميع يؤمن بأنهم سيتركون في نهاية المطاف ليدافعوا عن أنفسهم. على نحو متزايد، كان أولئك الذين يعيشون في نطاق النفوذ الروسي يقررون أن تلك القيم التي كان من المفترض أن تربط الغرب ببعضه لم تعد قادرة على الاستمرار، وأن النظام العالمي الذي اعتمد عليه الأميركان قد تفتت بالفعل.

من موسكو، استغل فلاديمير بوتين هذا التفكك واستفاد منه، متسبباً في إحداث أضرار بالغة لأسس النظام العالمي الليبرالي خلال وقت قصير. وبينما يبني نظاماً جديداً لاستبدال ذلك النظام الذي نعرفه، فإن محاولات الولايات المتحدة وحلفائها لإصلاح النظام العالمي القائم تبدو محدودة وبطيئة.

حتى هذا الأسبوع، ومع محاولة باراك أوباما مواجهة التدخل الروسي المفتوح وغير المسبوق في العملية السياسية بأميركا، يبدو أن الرئيس المنتهية ولايته ما زال يتجاوب مع الحرب المعلوماتية للقرن الحادي والعشرين بنفس أدوات القرن الماضي: طرد الجواسيس، وفرض العقوبات، والمصادرة المحتملة للأصول.


الإدارة الأميركية الجديدة، التي يبدو أنها تملك نهجاً جديداً، أظهرت قصوراً مماثلاً في الرؤية، فتعهدها ببداية جديدة للعلاقات مع روسيا هي إعادة صياغة جديدة لسياسة فشلت تماماً مع الإدارتين السابقتين.

ما فشلت كلتا الإدارتين في إدراكه هو أن الغرب يخوض حرباً بالفعل، سواء أرادوها أن تكون أو لا. ربما تكون حرباً لا ندركها، ولكنها حرب. هذه الحرب تتطلب -داخلياً وخارجياً- أن نغير قيمنا، وديمقراطيتنا، وقوتنا المؤسسية، لتخفيف قدرتنا على التمييز بين الحقيقة والخيال، وبين الصحيح والخطأ أخلاقياً، ولإقناعنا باتخاذ قرارات تخالف مصالحنا الشخصية.

أولئك الذين يعيشون على الحدود الروسية، كأصدقائي من أوكرانيا وإستونيا، رأوا بالفعل أدوات الكرملين الجديدة بشكل عملي. ربما المثال الأكثر وضوحاً هو "الرجال الخضر"، هذه القوات المدعومة من قبل روسيا التي لا تحمل اسماً محدداً، والتي ظهرت فجأة لتستولي على شبه جزيرة القرم وتحتل شرقي أوكرانيا.

لكن المعركة الكبرى هي أكثر دهاء، هي حرب للتخريب بدلاً من الهيمنة. التدخل الأخير في الانتخابات الأميركية يعني أن هذا التكتيك جرى نشره -بفاعلية مفاجئة- ليس فقط ضد حلفاء الولايات المتحدة، بل ضد الولايات المتحدة نفسها، والطريق الوحيد أمام الولايات المتحدة والغرب هو تبني نفس روح العصر الجديد الذي خلقه بوتين، والتعامل مع الفوضى أولاً، ثم التركيز على البناء فيما بعد.

يملك الرئيس الجديد للولايات المتحدة دونالد ترامب الصفات التي من شأنها أن تساعده على فهم ما هو قادم. أولا وقبل كل شيء، هو شخص مختلف، لا يمكن توقعه بالمقاييس التي نعرفها. وفي هذا الزمن الذي يحدث فيه التغيير على نحو لا يمكن تخيله، يمكن أن تكون هذه الصفة لدى ترامب مهمة للغاية، فهو يظهر كرجل ذي حديث قوي، وبإمكانه أن يكون صريحاً مع الشعب الأميركي حول التهديدات التي يواجهها. هو رجل لديه أكثر من أطروحة دائماً، وبإمكانه أن يجد طريقة لإقناع الشعب الأميركي بقراراته. يؤمن ترامب بالقوة، ويعرف أن القوة الخشنة ضرورية أيضاً.

حتى الآن، يبدو أن ترامب أقرب من جميع سابقيه إلى تسريع -بدلاً من مقاومة- تفكك النظام العالمي القائم. وذلك الأمر قد يكون سيئاً للغاية -أو جيداً على غير المتوقع-. حتى الآن، اختار ترامب التصرف وكأن الغرب لم يعد مهماً، كما يميل إلى غض بصره عن الخطر الذي تشكله روسيا على أمن الولايات المتحدة والمجتمع الأميركي.

السؤال الذي أمامنا الآن هو ما إذا كان ترامب سيدعم أهداف الكرملين من خلال موقفه المناهض للعولمة ولخطاب حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أو أنه سيرى بوضوح نهاية النظام القديم ويفهم طبيعة الحرب التي نعيشها، وتكون لديه الرؤية وروح المواجهة للفوز بتلك الحرب.


حقيقة روسيا


لفهم التحول الجاري في العالم، ولنوقف ذلك الشعور الانهزامي، نحتاج أولاً أن نرى الدولة الروسية على ما هي حقاً عليه.

منذ 25 عاماً مضت، انهار الاتحاد السوفيتي، وهو ما حرر الدولة الروسية الأمنية من آخر قيودها. عام 1991، كان هناك قرابة 800 ألف من عملاء المخابرات الروسية (كي جي بي) في روسيا. قضوا عقداً كاملاً في إعادة تنظيم أنفسهم وفق النظام الجديد الذي حمل اسم خدمة الأمن لروسيا الاتحادية (FSB)، كما توسعوا واستوعبوا أدوات جديدة تمنحهم القوة، من بينها الشبكات الإجرامية، والخدمات الأمنية الأخرى، والمصالح الاقتصادية، وأجزاء من النخبة السياسية. رفض هذا النظام روسيا الديمقراطية الليبرالية التي حاول الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلستين بناءها.

بعد ما عرف بتفجيرات الشقق في موسكو عام 1999، التي من شبه المؤكد أن المسؤول عن التخطيط لها كان نظام الأمن الفيدرالي، نُصِّب الرئيس السابق لـFSB فلاديمير بوتين رئيساً للبلاد. لا يجب علينا إطلاقاً تجاهل أهمية هذه الأحداث. عملية داخلية خططت لها أجهزة الأمن قتلت مئات المواطنين الروس، واستُخدِمت تلك العملية كذريعة لإعادة إطلاق حرب داخلية دموية ومدمرة يقودها الزعيم الجديد بوتين. عشرات الآلاف من المدنيين الشيشان والمقاتلين والمجندين الروس قتلوا خلال تلك الحرب. تمت السيطرة على الأمر بهدف جعل العدو واضحاً، وأن يكون بوتين منتصراً في النهاية، وهو ما قاد إلى الهدف السياسي المحدد: استقالة يلستين وتسليم السلطة لبوتين ليلة رأس السنة الميلادية عام 1999.

من البداية للنهاية، استغرقت كل تلك العملية ثلاثة أشهر. هكذا تمكنت الدولة الأمنية الروسية من شل سيطرة المجالس السياسية والديمقراطية النيابية والانتصار عليها. هكذا تفكر الدولة الأمنية الروسية وهكذا تتصرف، منذ ذلك الحين، وحتى الآن. ربما تكون الدماء أو الحرب مطلوبين، ولكن السيطرة على المعلومات والتجاوب معها هو ما يهم.

الكثير من الروس، ممن عانوا من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية خلال التسعينات، رحبوا بصعود الدولة الأمنية، وما زالوا يدعمونها بشكل كبير، حتى على الرغم من أنها التهمت الاقتصاد الروسي وجوَّفت مؤسساته المدنية. اليوم، وكنتيجة لذلك، لا تتجاوز روسيا سوى بقليل كونها مزيجاً من دولة بوليسية كبرى وشبكة إجرامية مع اقتصاد مساوٍ لحجم الاقتصاد الإيطالي، وتمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم.

حتى أيادي السياسة الروسية، التي تربَّت على الفهم الغربي للديناميكيات التقليدية للسلطة، تجد أنه من الصعب فهم الآثار المترتبة على ذلك. روسيا الحالية لا تطمح أن تكون مثل الغرب، أو أن تجعل نفسها أقوى منه. بدلاً من ذلك، يريد قادتها أن يصبح الغرب -خاصة الناتو والولايات المتحدة- أضعف وأكثر انكساراً.

لا يمكن إعادة الأمور إلى نقطة البداية، بغض النظر عمن توجد في القيادة، لأن روسيا بوتين تتطلب أن تكون الولايات المتحدة عدواً لها.

يمكننا أن نواجه ذلك فقط من خلال الفهم الكامل للطريقة التي يرى بها الكرملين العالم. يمكن فهم تلك النظرة وأهداف الكرملين بوضوح من خلال الخطابات، ومقالات الرأي، والسياسات الرسمية والوثائق الاستراتيجية، بالإضافة إلى مقالات الصحف والمقابلات، وفي بعض الأحيان حتى من الكتابات الخيالية للمسؤولين والمنظرين الروس. علينا أن نفهم الكثير من خلال هذه المواد.
أولاً: هذه حرب. ما تنتصر فيه، هو بشكل قاطع لا يمكن التفاوض أو المساومة عليه. هي حرب واحدة، في أوكرانيا، وتركيا وسوريا، والبلطيق، وجورجيا. هي ما يطلق عليه فلاديسلاف سوركوف -مساعد بوتين وكاهنه وأحد قادة الآلة الإعلامية الروسية- بـ"الحرب غير الخطية" في كتاب خيال علمي صدر له عام 2014 بعنوان "بدون سماء".

ثانياً: هي آلة حرب واحدة. الوسائل العسكرية، والتكنولوجية، والمعلوماتية، والدبلوماسية، والاقتصادية، والثقافية، والإجرامية، وغيرها، كلها تتحكم فيها الدولة ويتم تسخيرها لتحقيق مجموعة واحدة من الأهداف الاستراتيجية. هذه هي عقيدة غيراسيموف، تلك العقيدة الجديدة التي صاغها فاليري غيراسيموف، رئيس هيئة الأركان الروسية، عام 2013.

من المفترض أن تحقق الحرب السياسية أهدافاً سياسية محددة يريدها الكرملين، وهنا يفضل الكرملين الصراع المباشر، لأنه أرخص وأسهل. لدى الكرملين الكثير من التصدعات في هذا النطاق، بعضها تم حله، والكثير لم يتم، ومن الخطأ أن نرى هذه الحملة في السياق التقليدي للتحالفات السياسية، فقليلاً ما كان الهدف إيجاد حكومات موالية لروسيا بشكل صريح، إلا أن الهدف بشكل مبسط هو استبدال الأنظمة الديمقراطية ذات النمط الغربي، بأخرى غير ليبرالية شعبوية أو قومية.

ثالثاً: الحرب المعلوماتية لا تدور حول خلق حقيقة بديلة، ولكنها تهدف إلى إضعاف قدرتنا على تمييز الحقائق نفسها. إنها ليست "دعاية" إذا فكَّرنا في الأمر ملياً، ولكنها طرق غير واضحة للغاية معروفة في روسيا باسم "التدابير الفعالة"، و"السيطرة الارتدادية". صُمِّمت كلتا الطريقتين بالأساس لجعلنا نحن نتصرف ضد مصالحنا، إذ إننا نحن المستهدفون من ذلك.
رابعاً: الجانب الدبلوماسي من هذه الحرب غير الخطية ليس سياسة خارجية تهدف لبناء كتلة جديدة موالية لروسيا، بدلاً من ذلك، هي تهدف لما يسميه الكرملين بـ"السياسة الخارجية متعددة الاتجاهات"، ومنها تقويض قوة المؤسسات الغربية من خلال خلق مراكز قوى بديلة (محددة ومؤقتة في شكلها المثالي). وبدلاً من نظام عالمي مستقر تدعمه الولايات المتحدة وحلفاؤها، هدف الكرملين هو نظام جديد غير مستقر يكون فيه "الكل ضد الكل".

حاول الكرملين تسريع هذه العملية من خلال تأجيج الأزمات التي تستوجب ردَّ فعل غربياً كاملاً (على سبيل المثال، أزمة المهاجرين إلى أوروبا، والحرب في شرقي أوكرانيا)، ثم إظهار التفوق الروسي في حل الأزمات التي لا يقدر الغرب على حلها (على سبيل المثال، قصف سوريا لإجبار المعارضة على الاستسلام بغض النظر عن تكلفة الأمر، والهدف هنا هو إثبات أن روسيا قادرة على فرض الاستقرار في الشرق الأوسط عندما فشل الغرب في ذلك).

يقودنا هذا إلى النقطة الأخيرة: القوة الخشنة تحدث الفارق. تمتلك روسيا ثاني أقوى الجيوش عالمياً، وتنفق أكثر من 5% من إجمالي الناتج القومي على الجيش. استخدمت روسيا القوة العسكرية لغزو واحتلال الأراضي الجورجية عام 2008 لعرقلة توسع حلف شمال الأطلسي، وفي 2013 فعلت الأمر نفسه في أوكرانيا لعرقلة تمدد الاتحاد الأوروبي. استثمرت روسيا بقوة في إصلاح الجيش، وفي إنتاج أجيال جديدة من المعدات والأسلحة، وفي تدريبات العمليات الخاصة، التي استُخدِم الكثير منها لأول مرة خلال الحرب في أوكرانيا وسوريا. ليس هناك من ينكر أن روسيا مستعدة لتكرار التجربة.

يجب أن يقبل الغرب بأن بوتين قد حوَّل الضعف الروسي الكبير إلى قوة لا يستهان بها. إذا كانت روسيا تملك اقتصاداً قوياً ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنظام العالمي، كان سيتعين عليها الخضوع والاستسلام للدبلوماسية التقليدية، ولكن في ظل النظام العالمي الناشئ، تمثل روسيا جهة فاعلة أساسية، وفي المشهد السياسي الروسي الحالي، لا توجد أية عقوبات جديدة يمكن أن تتغلب على ذلك الاقتصاد الدفاعي المعزول، الذي يمكن وصفه باقتصاد الحرب.


حرب بلا بندقية.. هي الأخطر


كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، سعت التحالفات السياسية والأمنية الغربية لنشر عدم الاستقرار في المنطقة. الدولة الروسية الجديدة لم يكن أمامها إلا تفسير ذلك على كونه تقدماً استراتيجياً للعدو.

جاءت هجمات 11 سبتمبر لتحطم المفاهيم الغربية عن الأمن، كما توسعت مهمة الناتو الجديدة في إحداث الأمن. عندما عرض بوتين مساعدته، كان الرد الغربي "لا، شكراً"، إذ فكروا فوراً وعلى وجه الخصوص في الحرب الدامية والمستمرة في ذلك الوقت ضد الشيشان، التي يمكن أن توصف بحرب الأرض المحروقة. كان لرفض الغرب لمساعدة بوتين أسباب واقعية. ومع ذلك، فقد أثار غضب بوتين، وكانت تلك هي اللحظة الأخيرة التي كان يمكن فيها الوصول لأي تقارب حقيقي مع روسيا بوتين.

منذ ذلك الوقت، تغيَّرت الحرب بشكل فعلي بطرق خلقت مساحة جديدة لبوتين ليتدخل في الأحداث عالمياً. كان لدى إدارة أوباما نفور كبير من نشر قوات أميركية في الخارج تجنباً للتكاليف السياسية للأمر. كان الشعار المتكرر لأوباما هو "لا حروب جديدة"، بل غيَّر من الأدوات الأميركية التقليدية لتحقيق ذلك.

توسعت حروب الطائرات بدون طيار بشكل كبير، كما زاد الاعتماد على القوات الخاصة، وكلاهما خيار سياسي سهل نظراً لقدراتهما المتنوعة، والالتزام التطوعي للخدمة في حالة القوات الخاصة، إلا أن العدد الفعلي لرجال القوات الخاصة هو صغير جداً ومنهك على نحو متزايد، كما أن أولئك الجنود المنتشرين في "حروب الظل" يحظون بحماية أقل بكثير من القوات في حالة المعارك البرية التقليدية.

وفي الوقت الذي لم يصبح هناك تعريفات واضحة للحرب والسلام، واستحالة فهم حدود الصراع، أطلق بوتين نوعاً من التمرد الإمبريالي العالمي. حيث يروج الكرملين بقوة لقاعدة أيديولوجية بديلة لنشر نظام عالمي جديد غير ليبرالي تكون فيه الحقوق والحريات، التي يشعر الأميركيون بأنها جزء أصيل من الديمقراطية، غير موجودة بالضرورة.

وتدعم موسكو ذلك بما لديها من الموارد العسكرية والاقتصادية والثقافية والدبلوماسية. ومن خلال الاستفادة من القوة الخشنة، والسعي لإحداث خلل دائم باستخدام أدوات متعددة كالقراصنة الإلكترونيين والمقاتلين المرتزقة وغيرها من الوسائل، يسعى بوتين لتأكيد أنه لا يمكن استبعاد روسيا من مصاف القوى العالمية.

يحاول بوتين إعادة تعريف التاريخ الحديث كوضع مختلف عن الماضي، الذي كان يقوم بالأساس على منح الولايات المتحدة وضعاً استثنائياً، باعتبار أن العالم بُنِي بالعرق والدم والتضحية الأميركية، وهو تحديداً ما يسعى بوتين إلى محوه وتصحيحه. النسخة الروسية من هذه الحالة مختلفة، وتسعى بالأساس إلى أن تكون روسيا بارزة وبعيدة عن بقية العالم. وحتى نفهم ذلك، وأن أميركا في التعريف الروسي هي العدو الأساسي لروسيا، فلن نكون قادرين على التحدث مع روسيا بوتين بلغة تفهمها.

لا يوجد سوى القليل من الأمور التي بإمكانها الوقوف في وجه حملة بوتين لنشر عدم الاستقرار. لقد مضى 99 عاماً منذ أن بدأت الولايات المتحدة استثمارها في الأمن الأوروبي بالدماء، والعرق، والذهب. حربان عالميتان، وحرب باردة طويلة فيما بعد، شعر الغرب بالأمن مع الإطار المؤسسي لحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، كما شعروا بمزيد من الأمان مع ثقتهم بأن هذه المؤسسات تضمن أمنهم ومصالحهم حتى خارج أراضيهم. النظام العالمي الليبرالي الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية والمعمار الأمني المصاحب له، تبعه فترة غير مسبوقة من النمو والسلام والازدهار للولايات المتحدة ودول الأطلسي الأخرى.

قضيت أغلب وقتي بالقرب من الحدود الروسية، واليوم يبدو لي أن ذلك النظام صورة من الماضي. نمزح بالقول إننا نتوق إلى قتال يمكننا الانتصار فيه ببندقية، لأن فكرة الغزو المادي هي في الواقع أفضل من حالة عدم اليقين اقتصادياً ومعلوماتياً، وأفضل من حرب الظل السياسية التي يخوضها الكرملين.

المقاتلون في حروب الظل تلك مجهولون، وطرق الوقاية منها ضئيلة للغاية. من الخطوط الأمامية، وفي غياب نسيج الطمأنينة الذي تتكون خيوطه من مبادئنا وقيمنا وتضحياتنا المشتركة، وفي غياب توضيح أخلاقي لسبب التقسيم الحالي إلى "نحن وهم"، يقف المجتمع المدني عارياً، وبلا سلاح. لقد أملى بوتين الحالة العامة للعصر الجديد، عصر الاضطراب. يصادف العام الماضي وصول هذه الحالة إلى السياسة الأميركية، حتى وإن أنكرها الأميركيون. نموذج شرق أوروبا يوحي أنه من دون وجود رؤية وهدف متجددين، ودون تحالفات قوية لتقوية الدفاع الغربي والحفاظ على تراثه، سوف ينتهي المطاف بالولايات المتحدة لتمر بالحالة نفسها من عدم الاستقرار، تسير على غير هدى ويقودها الكرملين.

الرئيس المنتخب دونالد ترامب تمكن من تسخير تلك الاضطرابات للفوز بمقعد الرئاسة، وهو الفوز الذي يعد في حد ذاته أحد أعراض انهيار النظام العالمي القديم، إذ أصبحت حالياً ضعف الثقة في المؤسسات والنتائج غير المتوقعة هي السمة السائدة للنظام الحالي. يقع على عاتق ترامب الآن تحديد ما هو قادم، أو لماذا كان كل ما استثمرته الولايات المتحدة خلال القرن الماضي والتضحيات التي قدمتها هي في نهاية المطاف من أجل لا شيء.

وكما فعل أوباما، ارتكب ترامب بالفعل أول خطأ له بتفاوضه مع الروس، وإخبارهم أن هناك ما يمكن التفاوض بشأنه. يحب ترامب مناقشة نقاط القوة لدى بوتين، ويجب عليه أيضاً أن يفهم أن الكثير منها هو غير حقيقي. إن خلق رؤية متجددة للتعامل مع روسيا بوتين يجب أن يبدأ من خلال التصدي لتكتيكات الحرب الروسية الجديدة، وتحديداً من منظور القوة.

علينا أن نقبل كوننا في حرب وأن لدينا الكثير لنخسره. يجب أن ننظر لتلك الحرب نظرة مختلفة، جغرافياً واستراتيجياً على حد سواء. على سبيل المثال، من الصعب فهم كون أوكرانيا وسوريا كجبهتين في الصراع ذاته عندما لا ننظر إليهما معاً وإلى موسكو بينهما في منتصف الخريطة كما تفعل روسيا. نحتاج أيضاً إلى مفهوم جديد للأمن الوطني يضيف إطاراً استراتيجياً جديداً، ويربط كل مواردنا، ويسمح لنا بتقييم الأمور بشكل أفضل وبالرد على عقيدة غيراسيموف: علينا أن نتعلم أن نقاتل آلة حربهم الواحدة بآلة موحدة أيضاً. سيقوي ذلك ويسرع من عملية اتخاذ القرار بشأن القضايا الحاسمة في الولايات المتحدة، وهو ما يجب فعله أيضاً في حلف شمال الأطلسي.

فهم الطريقة التي تعمل بها الحرب السياسية والمعلوماتية للكرملين هو جزء أساسي أيضاً من الاستراتيجية، كما سيساعد إلى حد كبير في تقييد تلك الحرب. علينا القبول من جديد بفكرة أن القوة الخشنة هي الضامن الأساسي لاستمرار أي نظام دولي، فالأمن هو الشرط الأساسي لقيام أي شيء وكل شيء. الحرية الإنسانية تتطلب وجود الأمن، والناتو كان بمثابة القوة التي تفرض قيمنا، فالحلف لم ينقل الخط النظري للصراع إلى الأمام فحسب، بل أسهم في تعزيز الأمن أيضاً. هذه الطريقة أرخص وأكثر قوة من أن نفعل نحن ذلك بأنفسنا.

من المهم أيضاً أن نعترف بأنه في حال أصبحت أميركا أكثر عزلة، وأكثر قومية، سيساعد ذلك بوتين في تحقيق أهدافه ويهدد الأهداف الأميركية أيضاً. علينا أن نقبل أن الولايات المتحدة كانت جزءاً -وتحتاج إلى أن تكون جزءاً- من النظام العالمي، وأن هذا النظام أفضل، وأرخص، وأكثر قوة من أي بدائل أخرى يمكن تخيلها. على مدار سنوات طويلة، كانت الولايات المتحدة بمثابة الصلب في الإطار الذي يجمع أجزاء النظام العالمي معاً، وهذا ما تقصده عندما نتحدث عن "النظام العالمي" و"الهيكل الأمني"، وهما مصطلحان قليلاً ما يناقشهما السياسيون بجدية لدى حوارهم مع الناخبين.

بجمع كل تلك الخطوات معاً، سيكون ذلك بمثابة العودة إلى التفكير الاستراتيجي والعمل الداخلي، وسيسمح لنا بعبور هذه الحقبة المليئة بالاضطرابات بمزيد من اليقين وبنفع أكبر على الشعب الأميركي.


الطريقة الأميركية المفضلة


في هذه الحقبة التي كثرت فيها السخرية من المُثُل الأميركية، والقلق من أي تدخلات خارجية، كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحشد الدعم لمقاومة عالمية أكثر قوة أمام ما تحاول روسيا فعله؟
لدينا نموذج ما بالفعل: الحرب الباردة. قضى بوتين وأتباعه الـ15 عاماً الماضية في الصراخ حول كيف أن الغرب (وخاصة الناتو) يريد حرباً باردة جديدة. وبفعل ذلك، فقد كانوا يدفعوننا إلى إنكار الأمر، ونحن فعلنا هذا الأمر بشكل مستمر إلى الدرجة التي أقنعنا أنفسنا فيها بأنه صحيح، وهي طريقة كلاسيكية للسيطرة على الآخر.

الحقيقة هي أن خوض حرب باردة جديدة سيكون في صالح الولايات المتحدة. تعلمنا روسيا درساً مهماً للغاية: خسارة حرب أيديولوجية دون قتال سيدمر وجودك كأمة. القتال هو الطريقة الأميركية المفضلة. عندما نتوقف عن القتال من أجل مُثُلِنا في الخارج، سنتوقف عن القتال من أجلها في الداخل.

لقد انتصرنا في الحرب الباردة الأولى، وسننتصر في التالية أيضاً، عندما يتحول إلى الأمر إلى "نحن في مواجهة الآخر"، فالآخر لم ولن يكون فائزاً على الإطلاق. ولكن عندما يكون الأمر "الكل ضد الكل" أو السياسة "متعددة الأقطاب" التي تشهد تغير التحالفات وعدم الاستقرار، لن يكون من الممكن محاسبة روسيا -لكونها ذات هيكل قيادة صغير مركزي السيطرة- على أفعالها بأي حال من الأحوال، وسيكون لديها دائماً فرصة الحصول على مقعد على الطاولة. السعي الروسي إلى عالم متعدد الأقطاب ليس لكون ذلك هو الحق أو العدل، ولكن لأن ذلك هو العالم الوحيد الذي سيمكنهم فيه مواصلة السيطرة دون اللجوء لسيناريو نووي.

علينا أن نفهم ذلك، وأن نركز الآن، كما يفعل بوتين، على تشكيل العالم القادم وتحديد مكانتنا فيه. أظهر ترامب استعداده لتغيير موقفه وتغيير الوضع، إلا في القضايا المتعلقة بروسيا، وتعزيز التحالفات مع حلفاء الكرملين غير الليبراليين عالمياً. وبفعل ذلك، يجعل ترامب نفسه مجرد حاشية في فصل بوتين الجديد من التاريخ.

على ترامب أن يفهم أن بغض النظر عما إذا كان الروس قد تدخلوا في الانتخابات الأميركية من عدمه، فهو قد فاز بها بالفعل. لن يأخذ أحد منصبه إذا اعترف بتدخل الروس. كشف السرية عن هذا الأمر، كشف ما فعله الروس أياً ما كان للجميع، هو الطريقة الوحيدة للنيل من قوتهم التي فرضوها على النظام السياسي الأميركي، وهي الطريقة الوحيدة أيضاً ليحرر نفسه من قيودهم. ومهما كان ما فعله بوتين، فترامب هو من يتوجب عليه التأكد من عدم انتصار بوتين.

ينبغي على ترامب أيضاً وضع مسار لا يمكن التبؤ به، وأن يصبح بطلاً في مواجهة ذلك النظام الروسي الخطر ذي الطموح العالمي غير المحدود. إعادة بناء القوة الأميركية -بناء على المُثُل الديمقراطية الليبرالية- هي المهرب الوحيد من رؤية بوتين المدمرة التي تريد للعالم أن يكون في حرب دائمة. نحتاج إلى جبهة جديدة موحدة، ولكن يجب أن نكون نحن مركزها، ذلك الأمر من الأهمية بمكان، خاصة مع وجود الجيل الحالي من الثوريين والإصلاحيين العالميين -كصديقي الأوكراني- ممن لم يعودوا يرون أنفسهم كمقاتلين من أجلنا أو من أجل مُثلِنا.

بشكل ما، ربما يكون ترامب مجنوناً بما فيه الكفاية ليفضح حقيقة روسيا بوتين ولينهي الدوامة الحالية من الاضطراب والتراجع. يحتاج ذلك نمطاً مختلفاً من القيادة، بالإضافة إلى هدف والتزام وقيم. يحتاج الأمر إلى إيمان من وبالشعب الأميركي وبالمؤسسات الأميركية، كما يحتاج إلى وجود الحقيقة.

البديل هو القبول بأن تاريخنا وأمتنا لم يكونوا في الحقيقة بداية لعالم أفضل وأعظم، ولكن لهذا الوضع الحالي من الاستبداد والظلام.

- هذا الموضوع مترجم عن مجلة Politico الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.