"مسجل خطر سياسي".. جحيم يدمر حياة المفرج عنهم في مصر

تم النشر: تم التحديث:
KMYN
social media

بينما كان الشاب العشريني إسلام خليل يسير في شوارع وسط البلد الشهيرة في العاصمة المصرية القاهرة، برفقة صديقه محمود محمد ذو الـ18 عاماً، استوقفتهما دورية شرطة تسأل عن بطاقتي هويتيهما.

كانت البلاد وقتها تعيش حالة من الترقب، إذ انطلقت دعوات للتظاهر ضد النظام في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2016. أخرج الشابان بطاقتيهما، ليقوم أحد أفراد الشرطة بالتأكد مما إذا كانا مطلوبين على ذمة قضايا، ليظهر جهاز الكمبيوتر الخاص بوزارة الداخلية أن إسلام مطلوب على ذمة قضية.

قيل لإسلام إنه مطلوب للمحاكمة على ذمة قضية تظاهر قد حصل على براءة منها في أغسطس/ آب 2016، وأخبر الشرطة أنه يحمل أوراقاً تُثبت ذلك، لكن الضابط أصرَّ على اصطحابه للقسم. اقتيد إلى قسم قصر النيل القريب، حيث قضى هناك 3 أيام.

لم يتم وضع إسلام في غرفة الحجز مثل باقي المقبوض عليهم، بل تم وضعه في غرفة في الدور الثاني، حيث مكاتب الضباط والأمناء، لم يفهم إسلام هذا التصرف، لكنه قال لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن "المعاملة هذه المرة كانت جيدة ولم أتعرض لأذى".

لم يكن هناك داعٍ لاستمرار احتجاز إسلام عندما تأكد ضابط مباحث القسم أنه تم إخلاء سبيله عن طريق المحكمة، لكن الأخير أمره بالانتظار حتى ترد تحريات الأمن الوطني (جهاز شرطي مسؤول عن القضايا ذات الطابع السياسي في الغالب).

في اليوم الثالث قال أمين الشرطة لإسلام "هل معك أحد في الخارج؟"، بحسن نية أجاب "نعم، المحامي أمام القسم"، ظناً منه أن ذلك سيحميه، لكن الأمين قام بتعصيب عينيه وإخراجه من باب خلفي، وركبوا جميعاً سيارة ميكروباص، أُمر إسلام فيها بخفض رأسه والاختفاء عن الأنظار بين المقاعد.

لم يكن الشاب يعلم أين تذهب السيارة، لكن شريطاً من الذكريات كان يُعرض على عصابة عينيه؛ فقبل أشهر تم القبض على إسلام وأُخفي قسرياً لمدة 122 يوماً، كان خلالها في "لاظوغلي"، أحد أماكن الاحتجاز سيئة السمعة حقوقياً والتابعة لوزارة الداخلية، ولم يكن أحد يعلم أين هو.

أحس إسلام أن السيناريو يتكرر، لكن أمناء الشرطة سمحوا له بفك غطاء العين والجلوس على الكرسي، وفجأة وجد نفسه متوجهاً لمكان في ميدان العباسية (شرقي القاهرة).

في هذا الموقف لم يكن الارتباك يسيطر على إسلام وحده، بل كان أمناء الشرطة أيضاً رهن ذلك الارتباك عندما سئلوا من قبل أمن البوابة عن سبب مجيئهم، وأخذت بطاقاتهم جميعاً وهواتفهم المحمولة. ثم سُمح لهم بالدخول إلى ساحة مليئة بالمباني المتشابهة ولا تحمل أي لافتات.

تم تعصيب عين إسلام مرة أخرى واقتيد إلى داخل إحدى هذه المباني.

كل طقوس الاختفاء الأول تتكرر بحذافيرها، مع سؤال يجول داخل ذهنه "لماذا يريدونني هذه المرة". لكن كان من الصعب العثور على جواب، فمنذ خروجه من السجن في المرة الأولى لم يفعل -بحسب اعتقاده- ما يستوجب القبض عليه وإخفاءه.

من مبنى لآخر، ومن طابق لآخر انتهى الحال بإسلام في طرقة ضيقة ذات سقف منخفض أمام مكتب من يدعوه المتواجدون بـ"الريس"، قال له الأخير "إنت اللي عاملي بتاع حقوق الإنسان".

ألقت الجملة في نفس إسلام ارتياحاً بشكل ما، فأنْ يحتجز لأنه حقوقي أفضل من تدور حوله شبهات الإرهاب التي لاحقته في حبسه الأول.

بكثير من التوبيخ والترهيب، واللين أحياناً، حذر "الريس" إسلام من خطورة الحديث عن المختفين الذين رافقهم أثناء اختفائه قبل أشهر. فهم إسلام أنها رسالة يود الضابط الكبير أن يوجهها له فآثر الاستماع في صمت.

ختم الضابط حديثه بتهديد إسلام بالسجن 15 سنة من خلال محكمة عسكرية إن قبض عليه مرة أخرى، ثم أمر الأمناء بإعادته من حيث أتى.

عاد إسلام إلى السيارة التي نقلته قبل ساعات، ومعه نفس أمناء الشرطة الذين خرجوا معه من قسم قصر النيل. كان الحديث بينهم مازحاً في هذه الرحلة، حيث لم يصدقوا أن واحداً ممن يذهبون في "سكة اللي يروح ما يرجعش (طريق الذهاب بلا عودة) عاد معهم من جديد. كما أنهم كانوا مستائين من طول انتظارهم، وبقائهم على الهامش في هذا المكان.

أُطلق سراح إسلام في نفس اليوم، وسافر بعد أيام إلى الغردقة بصحبة نفس الصديق، محمود محمد، الذي كان معه عند القبض عليه في وسط البلد.

وأثناء إقامته في أحد الفنادق، سجَّل محمود وإسلام فيديو بهاتفهما المحمول يرددان فيه شعار "الحرية لسيد مشاغب". سمعهما أحد العاملين وقام بإبلاغ الإدارة.

توقع إسلام أن يتم توقيفه عند مغادرة الفندق، وهو ما تم بالفعل. على أول كمين يقابلهما، أمرهما ضابط شرطة بالنزول، وقام بالكشف على بطاقة إسلام، وعندما علم بأنه كان متهماً في قضية سياسية أخذه إلى القسم، وتم وضعه في أحد مكاتب القسم بعيداً عن الحجز.

بعد 14 ساعة وردت تحريات الأمن الوطني وسمحت بإطلاق سراحه.


المستشار والشرطة


في توقيت قريب من الذي تم إيقاف إسلام فيه، ذهب عبدالرحمن زيدان إلى المنصورة مع زملائه في الشركة التي يعمل بها. استأجرت الشركة شقة في بناية بمنطقة قريبة من مجمع محاكم، ويقطن بها قضاة.

في أحد الأيام طلب مستشار يسكن في نفس العمارة من الشرطة فحص هويات الوجوه الجديدة التي أقامت بجوارهم، أتى شخص من القسم وقام بتصوير بطاقات عبدالرحمن وزملائه، لكن في اليوم التالي اتصل المستشار بالقسم وأصر على حضور الضابط الذي جاء للتأكد من هوياتهم مرة أخرى.

اكتشف الضابط أن عبدالرحمن كان مطلوباً على ذمة قضية "تيران وصنافير"، فأخبره الأخير أنه كان مقبوضاً عليه وأُخلي سبيله بكفالة، لكن الضابط أصرَّ على اصطحابه للقسم لحين ورود تحريات الأمن الوطني، ومكث هناك نحو نصف يوم قبل أن يسمح له بالمغادرة.

لواء الشرطة المتقاعد محمد نور الدين يعتبر في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي" أن هذه إجراءات طبيعية، قائلاً "في معظم الأحيان، يسجل فوراً على جهاز الكمبيوتر من يحصل على إخلاء سبيل، حالات قليلة هي التي تسقط من هذا الإجراء".

وأضاف أن الإدارة العامة للتوثيق تُحدِّث معلوماتها أولاً بأول، بالتنسيق مع النيابة والقضاء. "عند توقيف مشتبه به يتم الكشف عن موقفه في الحال، وعلى افتراض أن الكمبيوتر أظهر أنه مطلوب أو عليه حكم، ومعه ما يثبت أنه قام بمعارضة الحكم، يتم الإفراج عنه".

في المقابل يرى المحامي الحقوقي، طاهر منير، أن هناك شروطاً للقبض على المشتبه بهم، هذه الشروط لا تنطبق على هذه الحالات.

ويعتقد في تصريحاته لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن حالة من الإفلاس هي السبب في هذه التصرفات، فقبل كل حدث مهم تعيد الداخلية اعتقال بعض الأشخاص، وتطلق سراحهم فيما بعد، بحيث تصنع إحساساً بالسيطرة.

ويقول: "في حقيقة الأمر يدل هذا التصرف على خلل أمني. شيء مشابه يحدث مع الجنائيين، بحيث يقبض الضابط على كل المسجلين في المنطقة عند وقوع حالة سرقة، حتى يعترف أحدهم، أو يصل إلى معلومة عن السارق".

ويضيف: "المتهم بريء حتى تثبت إدانته، هذه قاعدة قانونية، لكن في مصر المتهم مدان حتى تثبت براءته، والحاصل أن الداخلية تسجل المتهمين في قضايا سياسية، أو من هم تحت الفحص وفي مرحلة التحقيق، بحيث تفتح ملفاتهم في أي وقت، ويكونون عرضة للتوقيف من وقت لآخر. وهذا عبث".

وأوضح أن هناك مئات الحالات يحدث معها نفس الأمر، ويعاد اعتقالهم قبل كل ذكرى أحداث مهمة مثل ثورة يناير وأحداث رابعة.

تكرار التوقيف يؤثر على حياة كل من إسلام وعبد الرحمن. حيث فقد الأخير عمله بسبب هذا الموقف، عندما استدعاه صاحب العمل وقال له "ملكش أكل عيش معايا"، وكذلك فقد الأول عمله كمدير مبيعات في شركة إلكترونيات، حيث قال له صاحب العمل "إنت ما ترضاش الشرطة كل شوية تيجي تكسر المكان".