ما بعد الانتحار أخطر.. قضاة مصريون يشككون في انتحار أمين مجلس الدولة ويتساءلون: هل تمهد الدولة للضغط على القضاء؟

تم النشر: تم التحديث:
WAILSHLBY
وائل شلبي | social media

بعد ساعات من القبض على المستشار وائل شلبي، الأمين السابق لمجلس الدولة المصري بتهمة الرشوة، أعلن محاميه عن انتحاره صباح الإثنين في محبسه بهيئة الرقابة الإدارية، بشنق نفسه بكوفية كان يرتديها، رغم أنه كان في عهدة النيابة والشرطة.

وقبل أن يتحرَّك الصحفيون والإعلاميون للسؤال ومعرفة الحقيقة، عاجلهم النائب العام بقرار يحظر النشر تماماً سواء داخل مصر أو خارجها، ويفرض عقوبات على من ينشر أي معلومات حول مقتلة.

وجاء التعجب والغموض الثاني بانفراد النائب البرلماني والإعلامي المقرب من النظام، بإعلان قرار القبض على القاضي "شلبي"، ثم انفراده هو أيضاً مرة أخرى بالإعلان عن انتحاره داخل سجنه.

وهو ما أثار عشرات الاستفهامات، خصوصاً أن "بكري" من الداعمين لحصار الدولة لقضاة مجلس الدولة، وتقليص سلطاتهم.

وتصدر موقع "تويتر" هاشتاغان، #حظر النشر" و#وائل_شلبي بعد قرار النائب العام المستشار نبيل صادق، بحظر النشر في قضية رشوة مجلس الدولة، والمتهم فيها وائل شلبي، الأمين العام لمجلس الدولة السابق، الذي عثر عليه متوفّى داخل محبسه أمس الإثنين.


ما بعد الانتحار هو الأهم


المستشار عادل فرغلي، رئيس مجلس الدولة الأسبق، أكد المخاوف بشأن غموض الحادث، وتوقع استغلال الحكومة للحادث في تمرير قوانين تسمح للرئيس بـ"تعيين" القضاة لأول مرة، بدلاً من أن يكون التعيين بأيدي القضاة أنفسهم عبر مبدأ "الأقدمية".

"هو مقبوض عليه حالياً فمتى انتحر؟"، "وهل هناك شركاء له أرادوا التخلص منه"، هكذا قال رئيس مجلس الدولة الأسبق لـ"هافينغتون بوست عربي"، عن انتحار المستشار شلبي. "الحكم السابق بطلان اتفاقية تيران وصنافير، والحملة الإعلامية على مجلس الدولة، وحادث القبض على المستشار وائل شلبي، ثم إعلان انتحاره ستؤثر بلا شك على مشروع القانون الذي ينظره البرلمان حالياً".

وأضاف: "أخشى أن يكون للحادث تأثير سيئ على وضع القضاة، ويسهم في تمرير القانون بعد هذه التطورات، وتخطي الأقدمية في تعيين رؤساء الهيئات القضائية، وجعلها بيد الرئيس، ووفق رؤية الدولة، ما يكون وصمة عار لمن تتخطاهم التعيينات".


غير متأكد أنه انتحر أصلاً


"أنا غير متأكد أنه انتحر أصلاً"، هكذا بادر المستشار محمد حامد الجمل رئيس مجلس الدولة الأسبق "هافينغتون بوست عربي"، وهو يرد على سؤال: هل تبدو رواية الانتحار منطقية من وجهة نظركم؟

أما عن تأثير الحادث على القضاة، وتمرير قوانين "التعيين" بدلاً من "الأقدمية"، وسعي الدولة للمزيد من السيطرة على الهيئات القضائية؟ فقال: "نحن كهيئة قضائية لا نعرف نوايا الحكومة ونتائج التحقيق، والخطوات المقبلة هي التي ستظهر لنا هذه النوايا"، مشيراً إلى أن الحادث "لا يؤثر على القضاة كقضاة في عملهم الذي يمارسونه بحيادية، باعتبار أنه حادث فردي".

وحول المسؤولية التي تقع على عاتق الجهة التي تتحفظ على المستشار المنتحر (سجن الرقابة الإدارية)، يؤكد المستشار الجمل: "هناك مسؤولية قانونية على الجهة التي تتحفظ على السجين بالتأكيد، لأنه خاضع لقواعد السجن، وهو أمر سيعرف بعد التحقيق، لأن القواعد القانونية تحدد ضرورة الحفاظ عليه وعدم اتخاذ أي إجراءات غير قانونية ضده، مثل التعذيب أو القتل أو غيره".


أبلغ من حوله أنه سينتحر


"لا أحد يعرف السبب الحقيقي للوفاة، ولم تحسم النيابة العامة ما إذا كان قُتل عمداً، أم انتحر"، هكذا يؤكد الدكتور سيد البحيري، محامي المستشار وائل شلبي، أمين عام مجلس الدولة السابق.

ويضيف: "المستشار شلبي كان يرفض العودة لمحبسه، وطلب الإفراج عنه، وتمسك ببراءته من التهم المنسوبة إليه، وأبلغ من حوله من أعضاء الرقابة الإدارية والحرس أنه يريد التخلص من حياته بسبب شعوره بالظلم".

وذكر أن آخر كلمات القاضي القتيل لجهات التحقيق معه كانت: "لم أرتكب هذه الجريمة (أي الرشوة)".

وأكد أن "شلبي" كان ينتظر العرض على النيابة من البداية حتى يقدم نفسه للتحقيق، وجاء دون القبض عليه ليثبت عدم تورطه بالقضية، التي تمس سمعته، خصوصاً وهو في منصب قضائي حساس".

وأوضح أن أسرته لم تتهم أحداً بقتله، وستترك الأمر للنيابة العامة، لافتاً إلى أن التحقيقات ستبين إن كان مات بسبب إهمال، أو قتل نفسه في غفلة عن حرس السجن، لافتاً إلى أن التحقيقات ستبين ذلك.

وقال المحامي "البحيري"، إن ما جرى مع المستشار شلبي "كان إهمالاً تتحمله جهات التحقيق، لأنه أبلغ المحيطين به من الحراس، وأعضاء الرقابة الإدارية، بأنه ينوي التخلص من حياته أكثر من مرة، وكان يجب وضعه تحت مراقبة دقيقة من خلال الكاميرا ومتابعته بدقة شديدة، حفاظاً على حياته".

وتابع: "شلبي ينتمي ﻷسرة ميسورة مادياً، ويتقاضى راتباً يكفيه وليس بحاجة لارتكاب أي مخالفة قانونية، كما أنه لم تكن لديه أي تطلعات، ولديه ولدان أحدهما من ذوي الاحتياجات الخاصة، وزوجة وأب يبلغ من العمر 80 عاماً".

وكشف تقرير الطب الشرعي الخاص بانتحار المستشار وائل شلبي أمين عام مجلس الدولة المستقيل، أن "شلبي توفي نتيجة كسر في عنق النخاع الشوكي، أدى إلى نزيف حاد في الدورة الدموية.


سلِّم لي على دولة القانون!


هذه الأجواء الغامضة والمريبة، والقيود التي كبَّل قرارُ النائب العام بحظر النشر بها الصحفيين والقضاة وأي باحث عن الحقيقة، انعكست على القضاة الذين توجهت لهم "هافينغتون بوست عربي" بالسؤال عن حقيقة ما حدث في تقديرهم: "هل هو انتحار أم نحر؟"، وهل يمكن أن ينعكس الحادث على القضاة أنفسهم ويحقق المراد من ورائه، وهو المزيد من السيطرة على الهيئات القضائية؟

فقد رفض عدد كبير من القضاة من مجلس الدولة ومن الهيئات القضائية الأخرى المختلفة الحديث أصلاً لنا أو لأي وسيلة إعلام أخرى، واعتذر بعضهم بأدب، متعللاً بحظر النشر، أو باستمرار التحقيقات، بينما انفجر آخرون غاضبين، ولكنهم اعتذروا أيضاً عن التسجيل معنا حول ما جرى؟ وتداعيات ما جرى؟

أحد هؤلاء القضاة قال غاضباً قبل أن يغلق السماعة معتذراً: "سلم لي على دولة القانون!"، وآخر رفض أي تعقيب على الحادث، وأبدى امتعاضه مما حدث بشأن الحديث عن انتحار قاضٍ هو في يد الشرطة وجهات التحقيق، دون معرفة حقيقة ما جرى؟ وقال: "البلد لا قانون فيها ولا باين أي عدالة.. اعفيني من أي حديث أنا نفسيتي سيئة للغاية"!؟.
كما رفض قضاة آخرون خلال الجنازة -التي توافد عدد من أعضاء نادي قضاة مجلس الدولة وعدد كبير من قضاة المجلس إليها- الحديثَ في الأمر، وتعلَّلوا بأن "التحقيقات جارية" أو بـ"ظروف الجنازة".

وشهد محيط مشرحة زينهم تشديدات أمنية بالتزامن مع وصول جثمان الأمين العام السابق لمجلس الدولة وائل شلبي، حيث منعت قوات الشرطة التصوير في محيط المشرحة.

ووصل الجثمان في الثانية والنصف عصراً تقريباً، وتبعه قضاة، وأسرة وأقارب الأمين السابق لمجلس الدولة ومسؤولون بالشرطة، وفِي مدخل المشرحة وقفت أسرة وأقارب "شلبي" يتلقون العزاء، وعقب انتهاء مسؤولي الطب الشرعي من تشريح الجثة تمت إجراءات الجنازة، ثم الانتقال والدفن في المنوفية.