إليك بعض الدروس المستفادة من فشل المحاولات السابقة لوقف إطلاق النار في سوريا

تم النشر: تم التحديث:
Y
ي

ما زالت المعارك دائرة في سوريا رغم تأكيد عدد من الوسطاء والمشاركين على أهمية الهدنة، في حين يُعد اتفاق وقف إطلاق النار هو الثالث خلال هذا العام فقط، ما يُعتبر مؤشراً على قلة استمرار وقِصر أمد هذه الاتفاقات.

وفي مقال له بصحيفة "ميدل إيست آي" كتب شريف نشاشيبي، صحفي ومُحلل حائز على جوائز في العمل على الشؤون العربية، موضحاً أن المشكلة في سوريا تكمن في أن قوات المعارضة إما ملتفة حول بعضها أو على صلة وثيقة ببعضها البعض، وتكون غالباً في المناطق المحاصرة ما يجعل فصلهم عن بعض أمراً مستحيلاً.


نص المقال:


في الوقت الذي تستعد فيه روسيا وتركيا لإطلاق مبادرة سلام في سوريا، إليك بعض الدروس المستفادة من فشل المحاولات السابقة لوقف إطلاق النار.

فبدخول محاولة وقف إطلاق النار في سوريا حيز التنفيذ، وفي ظل محادثات السلام المزمع انعقادها الشهر الجاري، لا يمكننا التعليق ولكن لدينا إحساس وكأن تلك المُحادثات انعقدت من قبل.

وعلاوة على هذا، يُعد اتفاق وقف إطلاق النار هذا هو الثالث خلال هذا العام فقط، ما يُعتبر مؤشراً على قلة استمرار وقِصر أمد هذه الاتفاقات.

فعلى الرغم من تأكيد عدد من الوسطاء والمشاركين البارزين على أهمية عملية وقف إطلاق النار الجارية (التي تشبه المحاولات السابقة كثيراً)، وكذلك التقارير التي تُفيد بوجود حالة من الهدوء العام في عمليات القتال، فما زالت المعارك دائرة – ومن بينها، طبقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، "المعارك الطاحنة" في مدينة حماة السورية بين قوات المعارضة والنظام.

وعلى غرار المبادرات السابقة، فقد وُصِفت هذه الهُدنة –على نحو غير صحيح– بأنها في كافة أنحاء سوريا.

كما استُبعد تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم وحدات الحماية الكردية، وتقع بينهما مناطق في شمال وشرق ووسط سوريا.


حالة من الخلاف


كما تسود حالة من الخلاف حول استبعاد جبهة فتح الشام (جبهة النُّصرة سابقاً) من المبادرة. فالنظام يقول إنها مُستبعدة، على غرار "الجماعات التي لها علاقة بها"، ولكن يقول مسؤولو المعارضة خلاف ذلك. ونتيجةً لأن جبهة فتح الشام تُعد من أقوى جماعات المعارضة، فلا يُعَد الخلاف حول هذه النقطة بسيطاً.


وفي الوقت ذاته، تقول موسكو إن جماعات المعارضة التي لم توقع على الاتفاقية ستُعتبر من الجماعات "الإرهابية"؛ وبمعنى آخر، ستكون مُعرضة للهجوم.

وتكمن المشكلة، التي تُعد روسيا على دراية كاملة بها، في أن قوات المعارضة إما ملتفة حول بعضها أو على صلة وثيقة ببعضها البعض، وتكون غالباً في المناطق المحاصرة ما يجعل فصلهم عن بعض أمراً مستحيلاً.

وبالتالي، فإن مهاجمة الجماعات التي لم تُوقع على الاتفاقية يمكن أن يؤدي إلى مهاجمة الجماعات التي وقّعت بالفعل على الاتفاقية.

لا يُعد هذا الأمر جيداً حتى الآن، وليس من المحتمل أن تتحسن الأوضاع. فحتى لو تمكنوا من تنفيذ وقف إطلاق النار - وهو احتمال بعيد - فإن المحادثات المزمع انعقادها في أستانة، عاصمة كازاخستان، ستواجه نفس العقبات التي تسببت في فشل المفاوضات السابقة.


استبعاد تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام



القوات الأرضية القوية المُستبعدة من اتفاقية وقف إطلاق النار، تنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيم وحدات الحماية الكردية، وعلى الأرجح جبهة فتح الشام وقد تكون هناك بعض الجماعات الأخرى، ستُستَبعد أيضاً من المحادثات (استُبعدت هذه الجماعات نفسها من المفاوضات السابقة).

كما يُزيد هذا من صعوبة التوصل إلى اتفاق نظراً لعدم وجود أسباب لقبول الشروط ومن المحتمل أن يؤدي بهم إلى إفساد الاتفاقية إذا رأوا أن استمرارها دون اشتراكهم فيها، سيكون بمثابة الإضرار بمواقعهم التي سيطروا عليها بشق الأنفس.

ويضغط تنظيم وحدات الحماية الكردية مع حلفائه بمُخططاتهم، دون النظر إلى أي شيء آخر.

كما أعلن جميع الأطراف قبل يوم من بدء وقف إطلاق النار موافقتهم على خطة تنص على وجود حكومة اتحادية شمال سوريا، لتؤكد من جديد على مخططاتهم في الاستقلال بالنسبة للمناطق التي تخضع لسيطرتهم، الاستقلال الذي يعارضه كلٌ من النظام والمعارضة.

وقد لا تُشكل أو تستمر جماعات المعارضة، التي انقسمت للأسف على طول الصراع، جبهة دبلوماسية موحدة.

كما أدانت جماعة أحرار الشام القوية، الجولة الأخيرة للمحادثات في أبريل/نيسان من هذا العام، وانسحبت في وقت سابق من لقاء عُقد في الرياض الذي أدى إلى إنشاء لجنة عليا للمفاوضات تمثل المعارضة في المحادثات.


مصير الأسد



من المحتمل أن يُعيد النظام تنفيذ خطته في المفاوضات والتي تتمثل في قصر المناقشات على القضايا الأمنية والإرهاب، بدلاً من التطرق إلى تسوية كاملة.

وهذا يؤدي بدوره إلى أكبر عقبة قد تواجههم وهي: مصير بشار الأسد.

كما أضافت المعارضة أنه لن يكون هناك أي حلول للصراع دون رحيله، إن لم يكن الآن فخلال فترة انتقالية.

ومع ذلك، فقد صرّح النظام بثقة أن مصير الأسد ليس موضوعاً للنقاش. ولم يُلمح أي طرف من الأطراف بحدوث تغيير في مواقفهم تجاه هذا الأمر.

وقد ينظر البعض إلى المعارضة الضعيفة على أنها أكثر طواعية في هذه المسألة.

إلا أن أي تغيير جوهري في موقفها يمكن أن يتسبب في حدوث انقسامات داخلية هائلة تُضعف منها على أرض الواقع، بالإضافة إلى وضعها على طاولة المفاوضات.

وعلاوة على هذا، فقد يتسبب ذلك في حدوث بعض التوترات مع حلفائهم في الخليج، إذ يُعد دعمهم أكثر أهمية من تحفظ أنقرة مع موسكو، وكذلك تعهد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب بالتوقف عن دعم المعارضة السورية.

لأسباب واضحة، تحرص اللجنة العليا للمفاوضات على تجنب مثل هذه الانشقاقات المحتملة. وعلى أي حال، صرح المتحدث باسم قوات الجيش السوري الحر خلال أول يوم لوقف إطلاق النار بأن الأسد لن يكون له مكانٌ في مستقبل سوريا.

ومع ذلك، تعهّد الأسد مراراً بأن يُحكم قبضته على الدولة برمتها من جديد.

ويشعر الأسد بالحماسة نظراً لسيطرته على شرق حلب، وكذلك سلسلة الانتصارات التي حققها في معارك أخرى هذا العام، بالإضافة إلى التراجع الواضح لموقف تركيا من الصراع، وفترة الرئاسة القادمة لترامب.

بوضعه الحالي وهو الأكثر أمناً منذ بداية الثورة ضده، يبدو أن الأسد سيُزيد من عدوانه عن أي فترة سابق لأنه لا يرى أي سبب يجعله يُقدم تنازلات.

وعلى غرار ما قام به من قبل، فقد يرنو إلى استغلال وقف إطلاق النار والمحادثات كحجة لهجوم عسكري آخر عقب الإخفاق في تحقيقها.


اشتراك الأمم المتحدة



يبدو أن الأمر الذي فرّق في بادئ الأمر بين المحادثات القادمة والسابقة، يكمن في استبعاد الولايات المتحدة والأمم المتحدة.

إلا أنه منذ إعلان اشتراك الأمم المتحدة وتسلم ترامب الرئاسة في الأسابيع القليلة القادمة، فمن المحتمل أن تتلاشى المعارضة التركية والروسية لاشتراك الولايات المتحدة في الحوار.

وبعد كل هذا، فمن الواضح أن المسار ببساطة يمثل الفارق بين المبادرة التركية – الروسية وعملية جنيف.

عندما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن المحادثات القادمة، قال "لن نتصارع" مع المحادثات التي تتوسطها الأمم المتحدة في جنيف "ولكن سنعمل على إتمامها". وأكثر من ذلك، تسخر كل من أنقرة وموسكو بالفعل من عملية جنيف.

وهذا أسوأ السيناريوهات التي قد تحدث إذا أخذنا بعين الاعتبار الأخطاء الواضحة، كما أنها مثيرةً للسخرية إذا أخذنا بعين الاعتبار دراية تركيا وروسيا بهذه الأخطاء وكذلك دورهما المشترك في جنيف.

بهذا، لا تكون هناك أي استفادة من الدروس السابقة. فنحن فقط نرى نفس الأطراف في نفس المبادرات بنفس الطريقة ونأمل أن تنهار هذه المرة بطريقة أو بأخرى.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Middle East Eye. للإطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.